أعادت الأحداث الواقعة مؤخراً في سوريا إلى ذهني تلك العلاقة الثقافية المتميزة بين المغرب وسوريا، على الرغم من الجمود الذي عرفته العلاقة السياسية بين البلدين، علماً أن الجنود المغاربة شاركوا في حرب الجولان سنة 1973، وتخليداً لذلك الحدث الكبير أطلق المغرب اسم الجولان على إحدى ساحات العاصمة المغربية المشهورة الآن بساحة الجولان. إلى جانب ذلك أطلق المغرب أسماء عدة مدن سورية على أزقة المدن المغربية، تقديراً للعلاقة بين الشعبين المغربي والسوري. كما أصدر الروائي المغربي مبارك ربيع سنة 1976 رواية «رفقة السلاح والقمر» استوحى فيها دور الجنود المغاربة في حرب الجولان.
وقد أصدرت مجلة «زمان» المغربية مؤخراً ملفاً خاصاً بالعلاقات المغربية السورية، عنونته بـ»نحن وسوريا»؛ إذ تتبع ذلك الملف العلاقات المغربية السورية منذ العصر الوسيط، مروراً بدور المغاربة في وقف زحف نابليون في الشام، وكذا قصة الإسلاميين بين المغرب وسوريا، والعلاقة بين الفكر السوري والمغربي.
ويهمنا هنا الموضوع الأخير، إذ يلاحظ أن تلك العلاقة مرت بمرحلتين:
مرحلة أولى كان فيها الفكر السوري حاضراً في أعمال الباحثين المغاربة، بدءاً من نهاية الستينيات، إذ كانت أعمال طيب تيزيني وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي وكمال أبو ديب وأدونيس وغيرهم من الباحثين السوريين متداولة لدى الباحثين المغاربة.
مرحلة ثانية أصبح فيها الفكر السوري والعربي عامة يتداول أعمال الباحثين المغاربة مثل محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وعبد الله العروي وعلي أومليل ومحمد مفتاح وعبد الفتاح كيليطو وسعيد بنكراد وسعيد يقطين، وغيرهم من الباحثين المغاربة.
وربما كانت شعب اللغة العربية وآدابها في كليات الأدب في المغرب، خاصة في فاس والرباط أكثر استقطاباً للأساتذة الجامعيين السوريين الوافدين للتدريس في المغرب، وتحضرني هنا أسماء: أمجد الطرابلسي، حكمة هاشم، فخر الدين قباوة، محمد خير الحلواني، عبد الحفيظ السطلي… وسأركز هنا على أمجد الطرابلسي 1916 ـ 2001للعوامل التالية:
طول مدة تدريسه في الجامعة المغربية، إذ ظل طيلة ثلاثين عاماً 1962 ـ 1992 موضع احترام وتقدير وإعجاب الطلبة والأساتذة والمسؤولين.
تخصصه، فقد كان تدريسه للنقد العربي القديم يجعله يسخر معارفه اللغوية والتاريخية والحضارية كافة، لتقريب مفاهيم الشعرية العربية إلى الطلاب؛
امتلاكه لخصال بيداغوجية إنسانية نادرة، تبعث الحياة في المتون النقدية العربية القديمة، لدرجة تجعل الطلاب وكأنهم في حضرة النقاد العرب القدماء، يتولون شرح وتحليل متونهم بأنفسهم، وبذلك تسود ألفة عجيبة بين المتون والمتلقين.
وكانت شخصية أمجد الطرابلسي، الذي تتلمذت عليه طيلة سنتين جامعيتين، تتميز بمجموعة من الخصال الأخلاقية والمنهجية، منها على الخصوص:
الأدب، فقد عرف أمجد بأدبه مع طلبته، إذ كان، على سبيل المثال، يخاطب الطالب المخطئ في القراءة أو الكتابة بقوله: «جانبت الصواب يا ابني»، ولم يحدث أن عنف طالباً أو طالبةً، بل كان يأخذ بيد الجميع، برفق، دون التنازل عن صرامته العلمية المعهودة؛
التواضع، فقد كان أمجد، على سعة علمه، متواضعاً سواء مع زملائه الأساتذة أو طلبته، ولم يكن يجد حرجاً في الاعتراف بإفادته من بعض بحوث طلبته؛
الاعتزاز بالتراث النقدي والبلاغي العربيين، فقد كان أمجد باحثاً معتزاً بالتراث العربي، ويظهر ذلك على الخصوص في كيفية تدريسه وتحليله لنصوص النقاد والبلاغيين العرب، إذ كان يكشف، بحذق كبير، عن أصالة تلك النصوص، ويحرص، أحياناً، على مقارنتها بنصوص النقد الغربي الحديث. وقد تمكن بفضل حسه البيداغوجي الرفيع، نقل ذلك الاعتزاز إلى طلبته، فأصبح التراث العربي مكوناً أساسياً من مكونات الهوية لدى أولئك الطلبة؛
الانفتاح، إذ لم يكن أمجد متعصباً للتراث، بل كان باحثاً منفتحاً، ولذا شجع بعض طلابه على قراءة التراث العربي، على ضوء بعض المناهج الحديثة، إيماناً منه بأن تلك القراءات قد تكشف عن عمق التيارات التراثية واستمرار جدتها؛
الدقة، ولعلها الصفة المميزة لشخصية أمجد، إذ كان حريصاً على الدقة في التعبير واستخدام الكلمات والمصطلحات في مواضعها. وكانت المدة الطويلة التي قضاها في المغرب كفيلة بإشاعة المحبة بينه وبين طلبته، وفي هذا الإطار وافق على رغبة أحد طلبته، إدريس بلمليح، في ترجمة كتابه «نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة»، وهو في الأصل بحث جامعي نال به أمجد درجة الدكتوراه سنة 1945 من جامعة السوربون في باريس، وصدر بالفرنسية سنة 1956 عن منشورات المعهد الفرنسي في دمشق التابع لجامعة السوربون.
و قد خاطب أمجد طالبه قائلاً: «لقد أبدى بعض الناس قبلك هذه الرغبة، وكنت أتردد باستمرار في الاستجابة لطلبهم، ولكن بما أنك تحبني، وأنا أيضاً أحبك، فإنني قد تركت لك أمر هذا الكتاب الذي حيرني: هل أنقله إلى العربية كما هو، أم أعيد تأليفه في ضوء ما استجد من مصادر وبحوث في المجال نفسه ؟» («نقد الشعر»). لكنه اشترط على المترجم مراجعة الترجمة فصلاً فصلاً إلى أن ينهيا العمل معاً، وقد صدرت الترجمة في طبعة أنيقة عن دار توبقال في المغرب سنة 1993، ومنذ ذلك الحين، والكتاب من المراجع الأساسية لطلبة شعب اللغة العربية وآدابها في المغرب.
كما كان أمجد عاشقاً للمغرب، كما يتضح ذلك في قصيدته الجميلة «مراكش الحبيبة» التي نقتطف منها هذين المقطعين:
أسير في «باريس» فوق مرمر المروج
أهيم في الصَّقِيعِ محفوفاً بهمس وحدتي
أسمع تحت قدمي تكسر الثلوج
هذا البساط الناصع الممدود… يدمي مقلتي
لكنني ألمح من ورائه رؤًى تموج
هناك… فوق القمم المهيبه
فوق ثلوج الأطلس الشّمّاء
الجبل الذي يُظَلِّلُ الحبيبه:
مراكش الحمراء
***
حبيبتي أنتِ هنا قريبة قريبه
أنتِ معي في القلب والعينين يا حبيبه
أَنْتِ معي في يقظتي وحلمي
أَنْتِ معي في فرحتي وألمي
سواد عَينيكِ يغطي هذه الثلوج
وهدبكِ المخمل يحيي روحي الكئيبة
لكنني أود لو أنعم بالظل الظليل
وأنني هناك في خمائل النخيل
بين الروابي الخضر والمسارب العشيبه
أعانق الحبيبه:
مراكش الحمراء
أمجد الطرابلسي، «كان شاعراً» المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1993)
كاتب مغربي