في ذاكرة الفن العراقي.. حوار الوداع مع إياد زيني

فنانٌ يبدو شاملا في فنون الإبداع المتنوعة؛ فهو رسامٌ وخطاطٌ ومُلحنٌ، وعازفُ عودٍ ماهر. هو ابنُ البيئة التي كَمَنَ فيها، يسمعُ صوتَ المآذن مثلما يسمع زقزقةَ الطيور، مثلما يسمع حفيفَ الأشجار وأصواتَ الزوار ونُواحهم. كل شيءٍ تشكل في ذاته منذ الطفولة. الفنانُ إياد زيني، الذي وُلد عام 1960، ونمت موهبتُه في زمن الإبداع العراقي، حيثُ سبعينيات القرن الماضي، التي تُعد من أفضل العقود ازدهارا فنيا، حيثُ الانطلاق في كل شيءٍ تجريبي. أكمل دراسته في مدارس كربلاء، وتوجه بإكماله الدراسة في معهد الإدارة. فنانٌ يحتويه محلهُ الصغير بمساحة مترين في مترين، للخط الذي يسترزق منه، وجدرانه المليئةُ بالصور لوجوهِ أناسٍ قد لا يعرفهم شخصيا، وحتى أطفال. ولأن له، كما سماه، «إحباطات الحياة والحروب»، فإنه أَدْمَن على التدخين كنوعٍ من المعالجة، وردةِ فعل. وهذا الحوارُ الذي أجريته قبل وفاته، والذي جاء بعد أن كتبتُ عنه مقالا عن لوحاته وأسرار إنتاجها.

* ما الذي جاء بك إلى الفن؟ – أنا ابنُ بيئة كربلاء؛ المدينة التي تُعطي الشعور بالانتماء، حيث يمكن أن يكون العُمرُ أَول انطلاقته، ليس بالمعنى السيكولوجي، بل بالمعنى الحسي، أي الإحساس بقيمة المكان وعلاماته. لهذا وجدتُني متأثرا بالكثير من العلامات المميزة، سواء أكانت القباب والمنائر والكاشي الكربلائي، أم حركةَ الناسِ والزوار. كانت تأسرني الوجوهُ منذ البدء، سواء وجوه الناسِ الذين أعرفهم وهم من قاعِ المجتمع، أو الزوار الذين يحملون شغفَ الوصولِ إلى المكان، فتكون ملامحُهم تعبيرا عن استنطاقٍ روحي للانتماء ذاته. البدايات دائما هي تأثرٌ بأثرِ الآخرين. كنتُ أرى اللوحاتِ في المدرسة، فأُعجبُ برسم الخطوط. وكان الأهلُ ثم المعلمون والمُدرسون قد أُعجبوا بسلامةِ خطي وجماله، حتى إني صرتُ أَخُط اليافطاتِ واللوحات، وأسماءَ الطلبة على دفاترهم، لذلك كانت العلاماتُ الأولى هي تشجيع الآخرين، الذي كان تنبيها لما في داخلي من موهبة.


* هل هناك تأثير للبيئة على المخيلة وطريقة الرسم؟ – كما قلتُ، البيئةُ هي الأساسُ في كل موهبة؛ حيث تعيش، تتكون الموهبة التي يسري نحوها ما في داخلك من شغف. أنا ابنُ مدينةٍ لها أكثر من تأثير وأثر على الجميع، على كل المواهب، حتى الموسيقية والتمثيلية والتأليفية، سواء في الأدب أو الشعر الشعبي. فهي مدينةٌ مقدسةٌ تمنح قداستها من كل ما فيها وحولها، وهي مدينةٌ جاذبةٌ، يؤمها الآلاف من جنسياتٍ مختلفة، من أغلب دول العالم، وهو ما يعني الاختلاط مع ثقافاتٍ متعددة، ولُغاتٍ مختلفة، وعاداتٍ متنوعة، وحتى لهجات مختلفة. يُضافُ إلى ذلك أن كربلاء مدينةٌ تتوسط الريف، وريفٌ يقع في وسط المدينة، ليس من الناحية الجغرافية فحسب، بل لأن الخُضرةَ تشق أرضها، وحيثما تمشي، فإن عليك أن تُرافق جذوع النخيل والأشجار، وهو ما يُلقي ظلاله على كل من يمتلك موهبة، دون أن يُدركَ في عمره الصغير، أن التأثيرَ الأولَ للموهبة يبقى يتصاعد نغما في داخل الروح. ولهذا كنتُ أرسمُ القبابَ والكاشي الكربلائي بألوانه الزاهية، والشوارعَ والأزقةَ ووجوه الناس. حتى إني أُغرمتُ بالوجوه، خاصة الوجوه المُتعبة ووجوه الأطفال، حتى وجدتُني أنتمي إلى «القاع»، قاع المجتمع، أكثرَ من القمة التي إنْ كنا نبحث عن تيممها، سنسقط. كنتُ أجدُ في تخطيط الحروف ملاذا أوليا، وهو ما نمّى في داخلي موهبة الخط. فالحروف العربية ساحرةٌ في حركتها، وكانت الآياتُ القرآنيةُ التي تُرسم على جدران الأضرحة والعتبات والمساجد، وحتى اليافطات التي ترفعها المواكب، هي وحدها آسرةٌ بالنسبة لي. فاجتمعت محبةُ الرسم مع محبة الخط، لأمضي في تعلمها بشكلٍ شخصي، وهذا مَرده إلى الأثر البيئي.
* أي المدارس الفنية تراها الأقرب إليك؟ – أنا خريجُ معهد الإدارة، ما يعني أثرَ الإدارة في التشخيص، فقد كنتُ ميالا إلى الاحتساب الذهني أكثرَ منه إلى المدارس الفنية، التي تُقنن الموهبة. لذا كانت المدارسُ كلها متاحة أمامي. الخط بالنسبة لي تحول إلى مَعيشة؛ افتتحتُ محلا وسط المدينة من أجل العيش لعدم حصولي على الوظيفة، لذا، لم يكن الخط يَستهويْني لإقامة معارض، ربما لأن الأمرَ له علاقةٌ بجلد الذات، أو ردة فعلٍ تجاه الفقر الذي نعيشه. لكن الرسم، كنتُ أرى فيه علامة من علامات الارتقاء بالحياة، ومقاومةِ المأساة التي نعيشها، مأساةٍ في كل شيء؛ بدءا من الانتماء المدني، إلى الانتماء الفني، وسط كل شيءٍ مأزوم. ولهذا أجدُني في الوجوه. وأجدُني في الألوان المائية، التي لم أُرِد التفرد فيها، أو الادعاء أني جئتُ بشيءٍ جديد، لأن هذه الألوان موجودةٌ، ويستخدمها الكثير من الفنانين، بل لأني وجدتُ في حركة الماء مع الألوان وكأنها تنزف من داخلي. الألوانُ المائية لا يُجيدها من يُريدُ الرسمَ فقط، كونها تحتاج إلى سيطرةٍ فنية، وسيطرةٍ على الأعصاب، مثل الذي يُريد رش الماء على سطحٍ أملس، ولا يُريد أن يسيل من الجوانب. الرسمُ بالألوان المائية لا يعني فقط إبرازَ قوة السيطرة على الخطوط، بل هو التعبيرُ عن قوة الفن، وخاصة رسمَ الوجوه التي تأخذني وتأسِرني كلما رأيتُ وجها مُتعبا أو طفولة مُعذبة.


* أمام تعدد المدارس التشكيلية في الفن العراقي، هل ترى أن هناك اختلافا أيضا في تقبلها.. كيف ترى تعددها واختلافها؟ – مدارس الفن عديدة منذ أن كانت هناك لوحات فنية، وإنْ كانت استنطاقا للحجر والرسم على الجدران. فحتى اللوحات التي عُثر عليها، كانت تنتمي إلى مدارس متعددة. فالرسم السومري يختلف عن الرسم البابلي، والرسم الفرعوني أو حضارة وادي النيل تختلف عن لوحات وادي الرافدين، وهكذا في كل أنحاء العالم. بحيث يمكننا أن نُميز الخطوط والأشكال لهذه الفترة أو تلك، أو لهذه البيئة أو تلك، كالفن الافريقي، أو فنون الهنود الحمر. فالتعدد ليس أمرا ضارا، بل هو يتيح للفنان أن يرى نفسه. فمن يراها في الانطباعية، فعليه أن يمتلك القدرة على صناعة لوحة تُشبه الأصل، وهو ما يُميزهم عن الآخرين. ومن أراد التوجه إلى المدارس الأخرى، فعليه أن يمتلك مخيلة يستطيع من خلالها أن يصنع لوحة قادرة على جذب المتلقي بفكرتها وجمالها. لذا، فتعددها صيغة من صيغ التعدد في المواهب، وهي وسيلة لتبيان الإبداع وتنوعه أيضا.
* يرى المتلقي أن أفكار لوحاتك تنطلق من البيئة العراقية، ونقل ما يُشبه الواقع.. هل أخذت على عاتقك أرشفة الواقع فنيا؟ – كما قلت: أنا أسيرُ الواقع. تسحرني الوجوه، وحركة الناس، والشناشيل، والقباب. لا أراها شيئا جامدا، بل شيئا متحركا له أبعاد يمكن أن تكون أسطورية، أو ملمحا واقعيا لم يره غيري في تلك اللحظة الكاشفة عن مقدار اللوحة. لم أكن عاجزا عن رسم المشاهد الكلية، فلي لوحات فيها، لكني أسعى إلى جعل الوجوه تستنطق العقول. ولهذا فإن الموسيقى أخذتني أيضا. فأنا عازف وملحن، ويكفي أني لحنت أغنية يرددها أهلي في المحافظة في محافلهم واحتفالاتهم، وهي من كلمات الشاعر محمد عبد فيحان (الماء والهواء والحب.. كربلاء) وهذه ثلاثية الإتقان التي أثرت عليّ فيها البيئة في كل شيء، حيث أرى الناس تتحرك وفق حركة موسيقية، وإنْ كان المسير نحو الحزن. فكما بين الحرف واللون والموسيقى وشائج إبداعية، لا يعني أنها تشظ، بقدر ما هي تنوع إبداعي. وما لوحاتي ومعزوفاتي إلا ما يُعطي أهمية لنقل الواقع، وليس لأرشفته، لأني لا أنساق وراء الأرشفة، فالفن يسمو في الاتجاهات العديدة. فكل شيء عندي، من الموسيقى واللون والحرف، هو نقلٌ للواقع وإنْ كان بطريقة المخيلة.
* في ألوانك ثمة روح.. هل هناك علاقة بين اللون والفكرة، أم اللون والطبيعة؟ – الألوان هي روح اللوحة، وهي واحدة من علامات التجدد والإنجاز. فلا يمكن أن نُكمل اللوحة، دون ألوان ملائمة لفكرة اللوحة. فحين أرسم القباب، لا بد أن تكون الألوان ملائمة لفكرة الرجوع إلى القباب، وهو الأمر الذي ينعكس على اللوحات الأخرى. الطبيعة لا تعنيني بنقلها كما هي، كأن أرسم بستانا، بل هو الاستمكان في معرفة التفعيل. والألوان المائية من أصعب الاستخدامات في إنتاج اللوحة ــ حسب رأيي، وقد أبدو منحازا ــ لأني أُجيد عملية خلط الألوان. فحركة الوجوه بالنسبة لي لا تعني نقلها انطباعيا، بل ما تُعطيه الألوان من عملية التمييز والتفريق بين الوجوه الحزينة والوجوه الفَرِحة. لذا لا يمكن التفريق بين اللوحة وفكرتها والألوان المستخدمة، وقد يكون التمييز بين فنانٍ يرسم لوحة، ومُبدع يُنتج لوحة نابضة من خلال حركة الألوان في مساحة اللوحة.
* البعض يرى أن النقل الواقعي أو الرسم الانطباعي لم يعد ملائما لروح العصر، هل أخذت على عاتقك إعادة الروح إلى جذور هذا الفن، حيث بدأ هكذا؟ – كل فنان له طريقته وسبيله ومخيلته وقدرته. الفنان لا يتصنع الإجابة من خلال اللوحة، ولا يتصنع الحصول على لوحة من خلال ما يُريده الآخر، بل هو يستجيب لذاته ومناداتها له، فيتوجه فورا إلى رسم اللوحة التي تأخذ فورانها في رأسه أو مخيلته. لذا، فالمدارس لا تعني الفنان الحقيقي بقدر ما يعنيه: أين يجد قدرته وتوهج إبداعه. فأنا، مثلا، بالنسبة للفن الأكاديمي، فنانٌ فطري إنْ صحت التسمية، لأني لم أُكمل دراستي الفنية. وحين حصلتُ على فرصة القبول في أكاديمية الفنون الجميلة في مدريد، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، ومُنع السفر، وهو ما قتل في داخلي توسع الجمال، وذهبت أبحث عن النجاة من أتون الحرب التي استمرت سنوات، لأجد نفسي وحيدا مع اللوحة والحرف، ما جعلني لا أميل إلى المدارس الفنية، بسبب الإحباط أولا، كوني لم أُكمل الدراسة الفنية ـ وليس الكلية ـ وأيضا لأني أردتُ الوقوف على موهبة الرسم بالألوان المائية، لأنطلق منها في معارضي الخاصة، أو المشتركة التي تُقيمها نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين العراقيين.
* هل تعتقد أن المتلقي أقرب إليه المدارس الجديدة في الفن التشكيلي، أم ما ترسمه أنت وبعض الزملاء هو الأقرب؟ مثلما لا توجد مدرسة واحدة، فلا يوجد متلق واحد. فكل متلق له ما يجذبه. فبعضهم يُعجَب بما يرسمه سلفادور دالي، والبعض يعرض عنه، وهكذا مع الفنان أنجلو. فاللوحة هي سر التلقي، وليست تَصنعا لإرضاء الآخرين. اللوحة ابنةُ الرسام ومنتَجُه، وهي رسالته التي يريد إيصالها إلى المتلقي. وأعتقد أن على المتلقي الذي يميل إلى هذا النوع من الفن أن يفهم الرسالة ويناقش ما يفهمه.
* كيف ترى واقع الفن التشكيلي في العراق؟ الواقع التشكيلي في العراق ليس وليد اليوم، بل هو واقع متصاعد كالنخيل العراقي، يرتفع إلى الأعلى لأن جذوره ضاربة في العمق التاريخي. لهذا، فإن الواقع الحالي ربما يكون واقعا منقسما إلى قسمين: الأول، أنه واقع ممتاز، لتميزه بعدد كبير من الفنانين الذين تيسر لهم أن يؤسسوا جمعية خاصة بهم. والثاني، أن البعض اعتقد أن المدارس الفنية الحديثة كـ»التكعيبية» و»السريالية» وغيرها تتيح له عملية مزج الألوان، وهو الأمر الذي ينعكس على واقع وأجناس الفنون الأخرى. بمعنى: كلما زاد العدد زادت الشوائب، وزاد عدد الدخلاء. وقد اتخذها البعض وسيلة للتباهي والحضور في الكاليريهات، أي أن حضوره الشخصي أكثر من حضوره الإبداعي. لكن مع ذلك، فالفن العراقي بخير، لأن تاريخه عريق، وجذوره قوية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية