الشعر العامّي يكتسح الفضاء الرقمي… وسؤال عن الجودة

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»:  قد يبدو أمر كتابة قصيدة زجلية (شعر بالدارجة المغربية) سهلا وحائطا قصيرا يستطيع القفز فوقه كل من يظن الشعر العامي في المغرب مجرد حياكة لكلمات من قاموس اليومي، والحرص على بعض التنوين والموسيقى الخاصة لخواتم الأبيات بما يشبه القافية.
على مواقع التواصل الاجتماعي تحول المشهد إلى استسهال أفضى إلى إسهال كبير في حجم الترامي على الزجل، بل حتى الشعر المكتوب بالفصحى صار مثله، الكل يكتب ولا يبدع، حتى استحق التعبير القائل «كثر الشعراء وقلّ الشعر» أحقيته وسط هذه الموجة الرقمية، بل هناك من تجرأ على طباعة ما كتب وسماه «شعرا» أو «زجلا» ووضع العناوين البراقة، وحث قلما من أصدقائه ليكتب له تقديما يشفع له في الوجود على رفوف مكتبة المشهد الشعري المحلي.
ولا يخلو الأمر من إيجابيات لأن مجرد الاهتمام بالشعر عاميا أو فصيحا، فهو خطوة في اتجاه ترسيخ حضور هذا الإبداع، وسط انشغال الناس بمقاطع الفيديو والصور ومتابعة بعض التفاهة، كما تسمى على «تيك توك» مثلا، كما أن السمين لا يظهر كذلك إلا بوجود الغث، كما هو حال النور لا يجعله مهما سوى الظلام.
محليا الشعر العامي له جذور أصيلة جدا، ولعل الملحون أحد تلك الجذور، منذ القدم تغنى المغاربة في قصائد خالدة بالكلمة الدارجة الموزونة والمغناة، وكانت «فاطمة» و»الدمليج» وغيرهما من القصائد الشهيرة جسرا عبر من خلاله المنطوق المغربي إلى الحكمة أولا والإبداعية ثانيا والجمالية ثالثا.
تلك القرون التي خلت من شعر الملحون، جاء بعدها القرن الماضي ونبغت فيه مجموعات غنائية مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة، وكان الاستناد إلى الزجل ركيزة أساسية لبناء المضمون الفني والرسائل الإبداعية لتلك المجموعات. وحضرت مثلا «الشمعة» و»يوم ملقاك» وكل تلك الأشعار العامية التي اهتز لها وجدان المغاربة سنوات السبعينيات والثمانينيات، وما تلاها قليلا من سنوات قبل الانتقال إلى القرن الحالي.
لغط مواقع التواصل الاجتماعي صحي وغير صحي، لكن ما دفع إليه هو تمدد القصيدة العامية المغربية بشكل كبير مع أسماء رائدة في شعر الزجل مثل المسناوي المسيح والقادري على سبيل الذكر فقط، لأن القائمة تطول. هؤلاء أسسوا لوجود شعر عامي مختلف، إبداعي بدرجة أولى ينهل من معين اليومي، لكنه يقف على أعتاب المستقبل دائما، ولعل في بروزهم وشهرتهم بعض من الإغراء لركوب هذا النوع من الشعر.
من بين الأسماء التي تحضر في الشعر العامي «الزجل» نجد إدريس الهكار، هذا التازي (نسبة لمدينة تازة) الذي يقطن الخميسات، يزاوج بين كتابة الشعر بالعامية والفصحى وبالفرنسية أيضا، هي تجربة خاصة جدا في المزاوجة بين لغات مختلفة خاصة بين لغة الضاد ولغة موليير، كما أن الرجل يحرص على الحضور في مواقع التواصل الاجتماعي من خلال شذرات شعرية ينشرها دائما ولا ينتظر تعليقا أو تفاعلا، بل يلبي فقط رغبة الولادة الإبداعية.
صاحب ديوان «سوق راسي» يقول متحدثا لـ»القدس العربي»، إن «الزجل المغربي أصبح شعرا ناضجا له مكانته الخاصة»، وهو ما أكده في كلمة له نشرت ضمن مجموعته الشعرية العامية المذكورة، بقوله «ولما قررت أن أكتب نسيت ماذا أكتب، لكن في عيد الألم نصحني إلهامي ألا أصمت، وعندما كتبت… كتبت لأستريح لأفضفض ولأنزوي متأبطا أحاسيسي أرويها ما أكنه وما أتذكره».
ويبرز أنه «كم مرة تمنيت أن أمحو تلك الذكريات لأشعر بمخاض ميلاد جديد ليس ندما ولا يأسا، بل هو تعبير عن موقف طالما راودني. كم تمنيت أن أغمض عينيّ واستيقظ على زقزقة عصفورة تهمس في أذني أناشيد صباح أكون فيها كريما».
وخاطب الشاعر الواقع بقوله «إنك تلهمني فلك وإليك أكتب، انتبه وقل هل فهمت المعاني»، وأمام المخاض الدائم للولادة الشعرية سألنا الهكار عن حال القصيدة معه، ليؤكد أن «لكل منا نصيب مما هو فيه من اهتمام وعشق كان زجلا أو شعرا أو غير ذلك من الأصناف الإبداعية»، وشدد على أنه يحب إبداعاته كما أن «لكل واحد منا أن يحب أو يهتم بما يحس به من إلهام. فالإبداع إلهام لا بد أن يكون ودونه فليس إبداعا».
المزاوجة بين القصيدة بالعامية والفصحى هي مسافة تعبير فقط، لذلك هل هناك مسافات أخرى تفصل بينهما، أم أنهما توأمان يسيران جنبا إلى جنب. وحسب الشاعر «أنت تكتب وأنا أكتب والآخرون أيضا، كل واحد من اختار ما يحب، مثلا انا لديّ ثلاثة توائم، الشعر والزجل وبعض الكتابات الفرنسية».
وعن سؤال ازدحام المشهد الإبداعي بسبب كثرة الأصوات الشعرية مع تأكيد بعض النقاد، على أن الغائب الأكبر هو الشعر، يقول إدريس الهكار «حاليا العالم كله ازدحام ليس في الشعر، أو غيره من الإبداعات.. كلها يلغي بلغاه (أي كل واحد يتكلم بكلامه) حتى إننا أصبحنا نجد أنفسنا نقرأ أشياء لا نفهمها»، لكنه يستطرد في إشارة إلى ما ينشر رقميا، أنه «على صعيد الإصدارات أجدني أقرأ ما أحب قراءته». التراكم الإبداعي الذي حققه الزجل يدفع إلى السؤال عن كيف كان حال القصيدة العامية، وكيف هو وضعها اليوم، وعن ذلك يقول الهكار «ما زال هناك من أدباء الأدب الشعري الزجلي الأصيل وأنا فخور أني من طينتهم»، وأعطى نموذج شعراء الملحون وجيل جيلالة وغيرهما من الرواد»، لكنه يؤكد أن «هناك زجلا لا معنى له ولا محل له من الإعراب في جملة إبداع، ولا يستحق أن يكون إبداعا».
ويختتم إدريس حديثه لـ»القدس العربي» بما يشبه حكمة العمر حين قال «أنا ابن السبعين وقد تطورت كل الأشياء ولم أعد أجد نفسي إلا تائها، لكني ما زلت…».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية