«درون» مغربية تحلّق فوق قناة جزائرية… وزعيم اشتراكي يتوسل بركات الزوايا!

بات من المؤكد أنه لم يعد هناك من شغل لدى بعض القنوات التلفزيونية الجزائرية سوى ترصّد جارها الغربي، بحثًا عن عيوب أو مذمّات ما، لتسليط أضواء التشفي عليها، إيغالاً في بثّ نيران البغضاء بين الشعبين الشقيقين. وحتى إذا لم يكن هناك خبر سيىء عن المغرب يمكن إدراجه في النشرات الرئيسية، سارعت القناة إلى اختلاقه، إمّا اعتمادًا على ما يروج من شائعات في منصات التواصل الاجتماعي، أو على شطحات الخيال في غرف «فبركة» الأخبار.
آخر مثال صارخ على ذلك ما حدث يوم عيد الأضحى، حيث بثت القناة الإخبارية الجزائرية تقريرًا زعمت فيه أن السلطات المغربية استعانت بالطائرات الصغيرة المسيَّرة (درون) لمراقبة أسطح المنازل، من أجل ضبط مُخالفي قرار «منع» ذبح أضاحي العيد.
والحال أن العاهل المغربي لم يصدر قرارا بالمنع في الموضوع، بل أهاب بالمواطنين إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة، لاعتبارات اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى، رأفة بعامّة الشعب ممن لا يقوون على مسايرة الأثمان الصاروخية للأضاحي، بفعل جشع المضاربين.
يُضاف إلى ذلك، أن مسألة مراقبة أسطح المنازل بـ «درون» بحثًا عن احتمال ذبح الأكباش، كانت مجرد طرفة سمجة، ابتكرها بعض هواة الإثارة على الإنترنت، وصدّقتها مواقع وصفحات افتراضية، ثم انطلت النكتة على القناة الجزائرية، فرددتها كما لو أنها عثرت على صيد ثمين!
ما ثبت مطلقًا أن طائرة «درون» بوليسية حلّقت فوق سطح أحد المنازل، تفتيشًا عن الأكباش في المغرب. ذلك أن قرارًا من هذا النوع يحتاج إلى موافقة السلطات المختصة، وكذا إلى «فتوى قانونية» حول مدى جواز التجسس على الناس واقتحام خصوصياتهم من فوق الأسطح عبر صور «درون».
ولو أن القناة الجزائرية قالت إن «المخزن» استعان بالأقمار الاصطناعية في هذه العملية «الكبشية»، لصدّقنا ذلك على مضض. أما «درون»… فـ «لا يا حبيبي… لا لا»، كما يرددها المطربون والمطربات، منذ السيدة أم كلثوم وصولاً إلى شيرين، مرورًا بمحمد عبده وغيره.
وربما أدرك «مُفبركو» الخبر العجيب أن الكثيرين لن يصدّقوهم، فنزلوا من السماء إلى الأرض، وروّجوا أن السلطات المغربية استعانت بـ «عشرات الآلاف» من المُخبرين عبر الأحياء والبلدات، للتجسس على مُخالفي التعليمات الملكية في شأن عدم ذبح الأكباش. ولتبرير مزاعمهم بثّوا مشهد فيديو لشخص قيل إنه أحد أعوان السلطة يقوم بمهمة التجسس.
بينما الفيديو في الواقع مجرد كبسولة «تيك توك»، صوّرها شاب مغربي وهو يتجول في زقاق، من أجل المزاح وانتزاع الابتسامات من محيا الناس يوم عيد الأضحى المبارك، حيث يقول له الشخص الذي يصوّره بالاتفاق بينهما: «عُد من حيث أتيت، فلا أحد هنا نحر الكبش». ولكن المشهد التمثيلي صار حقيقة لدى قناة الجزائر الدولية!

رِجْل في الحكومة وأخرى في المعارضة!

في السياسة كل شيء جائز طمعًا في الوصول إلى السلطة. ولذلك، يلاحظ أن السباق الانتخابي في المغرب انطلق مبكرًا، وصارت مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ميادين لممارسة «تسخينات» أولية، سواء لدى التحالف الثلاثي للأغلبية الحكومية (الاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة) أو لدى أحزاب المعارضة التي تفرّقت «شذر ومذر»، وصارت تتبادل الاتهامات في ما بينها حول من المسؤول عن إسقاط ملتمس الرقابة في المهد، حتى قبل أن يتم التلويح به كـ «فزاعة» في وجه عزيز أخنوش وفريقه الوزاري.
وعشنا حتى رأينا شريكًا في إدارة الشأن العمومي، هو حزب «الاستقلال»، يستعمل أمينه العام ـ الحامل لحقيبة وزارية ـ خطاب المعارضة، ويوجّه انتقادات مباشرة تخصّ التدبير الحكومي، ثم يأتي إلى اجتماع الأغلبية كي يوقّع بيانًا مشتركا يتحدث عن «انسجام» التكتل الثلاثي و«نجاح» عمل الوزراء. إنه يستلهم المثل المغربي الدارج «كيبخ ويداوي»، الذي يُقابله في الفصحى «يجرح ويداوي»، كنايةً عن التناقض في المواقف لدى الشخص الواحد.
وشاهد المغاربة أيضا عبر النقل التلفزيوني المباشر نائبا برلمانيا، هو عبد الرحيم بوعيدة، المنتمي إلى الحزب نفسه، يجلد الحكومة، منتقدًا أداءها في عدة قطاعات. ولا يكتفي بذلك، بل ينقل انتقاداته أيضا إلى منصات التواصل الاجتماعي، فحين يتحدث عن البطالة، يشير إلى وجود تناقض كبير بين الواقع والأرقام، قائلا إن الواقع يشير إلى وجود نسبة كبيرة من البطالة، في حين تقوم الحكومة بـ «بيع الوهم» حتى يخال المرء «كما لو أننا في السويد أو في كندا». كلام جعل وزير الشغل مندهشا من موقف نائب برلماني ينتمي إلى الأغلبية. لكن هذا الأخير حاول في أكثر من مناسبة إزالة اللبس والتناقض، حتى لا يظهر كمَن قلبُه مع علي وسيفه مع معاوية، إذ قال: «لسنا مُحامين للحكومة، وإنما نحن ممثلو الأُمّة، وعلينا أن نضع قضاياها في صلب اهتماماتنا».
وسوف تنتهي الولاية الحكومية، العام المقبل، دون أن يستطيع عزيز أخنوش أن يفكّ معادلة «النيران الصديقة» التي تأتيه ممن يضعون رِجلاً في الحكومة، وأخرى في المعارضة!

اشتراكي في عباءة مُريد صوفي!

أما إدريس لشكر، أمين عام حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، فيبدو أنه سعى إلى الفرار من الاتهامات التي تُلاحقه بخصوص المسؤولية عن إفشال «ملتمس الرقابة» الذي حاولت أحزاب المعارضة التمسك به، كما لو أنه «شعرة معاوية».
وبعدما صار حلم انتخابات 2026 يراود لشكر صباح مساء، أملاً في استرجاع مكانة الحزب السياسية، اهتدى إلى أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بعد القيام بعملية «كاثارسيس»، أي التطهير الذاتي.
ومن ثم، لم يذهب إلى حامة «مولاي يعقوب» في ضاحية مدينة فاس، حيث الماء الساخن علاج لأسقام الجسد. ولا هو اتجه إلى أقرب صالة تدليك أو حمام شعبي، للغاية نفسها.
ولا اختار الظفر بحصة «يوغا» لدى أهل الاختصاص في بلدان جنوب شرق آسيا.
ولكنه، ولّى وجهه نحو زاوية صوفية شهيرة في ضواحي مدينة الصويرة، هي زاوية «رجراجة»، مرتديا سلهاما أبيض (عباءة فضفاضة طويلة) وَشَّحَهُ به الساهرون على الزاوية عينها، وأغدقوا عليه قسطًا وافرًا من الأدعية، لعل من أبرزها قولهم: «كما وشّحتك الزاوية بهذا السلهام، نرجو لك توشيحًا من طرف سيدنا»، والتوشيح الملكي المأمول هو منصب رفيع، يُكمل به القيادي الاشتراكي مشواره السياسي الزاخر بالإنجازات!

عجيب حقا !دار الزمان دورة كاملة، حتى أصبح أمين عام حزب يوصف باليساري والتقدمي، يطرق أبواب الزوايا، ملتمسا «البركة» والفوز في الانتخابات وتحقيق المزيد من الطموحات السياسية!
من قبل، كان اللوم يُلقى على حزب «العدالة والتنمية» كونه يخلط بين السياسة والدين. كما كان الانتقاد ينصبّ على توظيف الزوايا الصوفية في العمل السياسي. واليوم، يلاحَظ أن حزب «الاتحاد الاشتراكي»، بتاريخه ورموزه ومرجعياته المميزة، قد سِيقَ إلى هذا المسار نفسه، لينطبق عليه في النهاية التعبير المغربي الدارج: «أولاد عبد الواحد كلهم واحد»!

 كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية