كتاب الصحافي والروائي المصري ـ الكندي عمر العقاد: «يوماً ما، سيكون الجميع قد كانوا دوماً ضدّ هذا»

هدى فخر الدين
حجم الخط
0

في الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2023 نشر عمر العقاد، الصحافي والروائي الكندي من أصل مصري، هذه العبارة على حسابه على موقع X «يوماً ما، عندما يصبح الأمر آمناً، وعندما لا يكون هناك ثمن لقول الحقيقة كما هي، عندما يصبح الأوان قد فات لمحاسبة أحد سيكون الجميع قد كانوا دوماً ضدّ هذا».
وقتها كان قد مرّ أسبوع ونيف على بداية البث المباشر لإبادة إسرائيل الشعبَ الفلسطيني في غزة، بثٍ مباشر ما زال العالم أجمع يتابعه دقيقة بدقيقة. في الخامس والعشرين من ذاك الشهر، كانت إسرائيل قد ارتكبت مجزرة مستشفى المعمداني، إحدى أولى مجازرها المروعة ذاك العام والتي توالت بعد ذلك، واعتادها العالم المتواطئ الذليل، فبات يستقبل مشاهد الأجساد الفلسطينية الممزقة والأمهات والآباء يودعون صغارهم في الأكفان كخبر يومي، لا بل بات يتوقع تلك المشاهد كما قهوة الصباح.
في الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2023، كان استخدام كلمة «إبادة» خطِراً وإشكالياً ولا سيما في أمريكا. ما زالت هذه الكلمة باهظة الثمن، تكلّف الناطق بها المناصب والعلاقات ومصادر الرزق وتتسبّب في بعض الأحيان بمخاطر أمنية. مع العلم أن ما تقوم به إسرائيل في غزة بات يحتاج مصطلحاً أفدح من الإبادة. كيف نصف محوَ شعب بأكمله بكل عجرفة وتبجّح؟ كيف نصفُ السعي إلى محو الذاكرة والتاريخ اللذين يسجّلان هذا المحو وتشويه أي لغة وتجريمها كلما حاولت الإحاطة بهذا الهول العظيم؟
لم يستخدم العقاد كلمة إبادة في تلك التغريدة الأولى، ولكن التغريدة أصبحت فيما بعد نواة لكتابه الثاقب الذي لا يُسمي إبادة باسمها فحسب، بل يقدم إدانة مدوّية لجرائم إسرائيل منذ تأسيسها ولكل المنظومة الغربية التي رعتها وهادنتها ودعمتها كنظام فصل عنصري قائم على محو أهل الأرض الأصليين وحامٍ لمصالح الغرب في المنطقة. وقد اختار العقاد العبارة الأخيرة في تغريدته عنواناً لكتابه الصادر في شباط (فبراير) 2025: «يوماً ما سيكون الجميع قد كانوا دوماً ضدّ هذا».
أكثر ما يستوقفني في عنوان الكتاب هو زمن الفعل وما يفيد به من استبصار وتوقّع للصمت والتواطؤ اللذين ما زلنا نشهد عليهما، وما سيتبعهما من تهافت ومراجعات للمواقف وسعي للالتحاق بركب العدالة والشرف بعد فوات الأوان. وقد بدأنا نرى أمثلة على هذا النفاق. ومثال على هذا التحوّل الجذري في مواقف الإعلامي الإنكليزي بيرس مورغان الذي أمضى ما يقارب السنة والنصف مدافعاً عن إسرائيل ومفْسحاً المجال للناطقين باسم الإبادة لنشر أكاذيبهم السافرة في برنامجه. نراه فجأة، منذ ما يقارب الأسبوعين، يتراجع عما سبق ويسمي الإبادة باسمها ويعترف بأنه كان قبل هذا «يقاوم انتقاد الحكومة الإسرائيلية وممارستها».
حاله حال زايدي سميث، الكاتبة الإنكليزية التي نشرت في الخامس من أيار (مايو) من العام 2024، بعد أشهر طويلة من الصمت، مقالاً مخزياً في مجلة «نيويوركر» عن الوضع في الجامعات الأمريكية، ساوت فيه بين مناصري فلسطين والحق من جهة وداعمي إسرائيل وجرائمها العنصرية من جهة أخرى، وفعلت هذا في أكثر الطرق نفاقاً، ولا سيما من قبل كاتبة تدعي علاقة ما مع اللغة. وذلك أنها استخدمت اللغة كوسيلة لمهادنة الشرّ وتبرير القمع. فكانت مقالتها خيانة مبتذلةً للغة بمفهومها الأعم وتمثيلاً ممتازاً على تحوير اللغة واستخدامها كأداة للتضليل والتعمية.
إذ اعترضت سميث على اللغة التي تستخدم لوصف ما يجري في غزة، كلمات كـ«إبادة» أو «صهيوني»، لأنها تجرح مشاعر الطلاب اليهود الذين قد يتعرضون لها و«تستضعفهم». لم تبتذل زايدي سميث اللغة وتستغبي قرّاءها فحسب، بل قبلت عن قصد أو عن غباء الخلط المتعمّد بين الصهيونية واليهودية. فكانت ككثر غيرها بوقاً لتبرير الإبادة الجماعية وممالأة السلطة المعتدية من خلال حجج متعالية سخيفة لا تثبت إلا جبن أصحابها وحرصهم فوق كل شيء، فوق الدم المهدور أمام أعينهم، على مصالحهم الشخصية الضيقة.
زايدي سميث هذه ومعها ما يقرب الأربعمئة كاتب وقعوا بياناً في السابع والعشرين من أيار (مايو) الماضي، بعد مرور 598 يوماً من الإبادة الموثّقة في غزة، وقعوا بياناً طالبوا فيه بوقف إطلاق النار وافتتحوه بسطرين من قصيدة للشاعرة الغزية هبة أبو ندى التي استشهدت في غارة إسرائيلية في العشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
لم يكن قتل هبة في لحظته كافياً لهم. احتاج الكتاب «الشرفاء» ما يقارب السنتين من القتل ومئات الآلاف من الجثث الفلسطينية المعروضة على الشاشات ليستجمعوا الشجاعة على تسمية الإبادة باسمها. وهي على الأرجح ليست شجاعة، بل إعادة حسابات لما يحفظ المصلحة الشخصية. بعد تسعة عشر شهراً من الذبح، ارتأى الكتاب أن يعلنوا بكل ما استطاعوا من ادعاء واستعراض أنّ استخدام كلمات «الإبادة الجماعية» أو «أعمال إبادة جماعية» لوصف ما يحدث في غزة «لم يعد موضع جدل لدى الخبراء القانونيين الدوليين أو منظمات حقوق الإنسان.» فليُبْشرْ العالمُ الحر!
ولمَ التعجّب؟ فنحن نعرفُ أنّ يوماً ما، حين تلتقي المصالح وتزول المخاطر وتملي المنفعة الشخصية إملاءاتها، «سيكون الجميع قد كانوا ضدّ هذا».
يقع كتاب عمر العقاد في عشرة فصول، لكل واحد منها عنوان أو كلمة مفتاح: رحيلٌ، شهادةٌ، قِيَمٌ، لغةٌ، مقاومةٌ، صَنعة، أقلُ الشرورِ، خوفٌ، مغادرةٌ، وصول. ينطلق فيها العقاد من الإبادة في غزة أو يعود إليها رابطاً بين ما تكشفه من عنصرية وظلم في العالم وما اختبره هو في حياته من خلال تجربة عائلته المصرية الأصل في الهجرة إلى قطر ثم كندا وبعدها إلى الولايات المتحدة، وتجربته كشاب عربي-أمريكي في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، كما يستند إلى حياته المهنية كصحافي، متحدثاً عن عمله في مناطق النزاع مثل أفغانستان، وزياراته إلى القواعد العسكرية الأمريكية، وإلى سجن غوانتانامو.
يتناول الكتاب الإمبراطورية الأمريكية وتناقض قيمها الأساسية، لا سيما في ظل حربها على مَن تنصّبهم أعداءها «الإرهابيين». يربط العقاد بين عنف الشرطة ضد السود، والدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل ومصير السكان الأصليين الذين قامت الولايات المتحدة على إبادتهم. ويكشف تناقضاً جوهرياً في فكرة الولايات المتحدة في أصلها كمنظومة وكهوية قائمة على فكرتين متناقضتين: الأولى هي الإيمان بأن روح الأمة الأمريكية هي روح المظلوم النزيه والمُكافح. والثانية هي الاعتقاد الضمني الراسخ بأنها أقوى دولة في تاريخ البشرية ولذا لا يمكن أن تكون مظلومة أو ضعيفة. والتناقض هذا، ليس تناقضاً في الحقيقة، إذا فهمنا أن الأساس الوحيد الثابت الذي تقوم عليه الهوية الأمريكية هو المصلحة الشخصية فوق كل شيء. من يؤمن بالتمرّد الأمريكي على الظلم وبالسلطة الأمريكية المطلقة في آنٍ معاً، يفهم أنّ الفكرتين وُجدتا لخدمة المصلحة الأمريكية بمعناها الضيق الاستغلالي. وضحايا المصلحة الأمريكية هذه هم دائماً المجتمعات المهمّشة داخل الولايات المتحدة والشعوب في مناطق نفوذها حول العالم، هم الذين يتحمّلون عواقب التناقض الأمريكي الوخيمة.
كتاب عمر العقاد قصير، ولكنه عميق في أثره وبعيد في أصدائه. يمزج ببراعة بين التقرير والتأريخ والمذكّرات الشخصية، فيترك في القارئ، لا سيما من مثلي عالق في ورطة الحياة الأمريكية، شعوراً بالارتباك حيال هذه المعرفة التي نملكها جميعاً، يرافقه شعور بالخطر الداهم لأننا اضطررنا أو أجبرنا على التغاضي عما نعرفه إما خوفاً، أو عجزاً، أو حفاظاً على المصلحة الشخصية. ثم تحضر لحظة غزة لتكشف كل مراوغة وتسقط كل محاولة للمهادنة والتغافل.
هي غزة، لحظة الضمير، نهاية الزمن كما نعرفه، بداية العالم الذي لا مكان فيه لمن تقاعس، لمن احتاج سنوات من المجازر ليعثر على إنسانيته المفقودة. هي غزة، لحظة اليقظة من الوهم، لحظة يؤرخها عمر العقاد في تجربته وفي كتابه فيقول:
«ظلّ وهم يرافقني خلال سنوات شبابي الأولى الحالكة. بقي معي حتى خلال سنوات (الحرب على الإرهاب) حين كنت طالباً جامعياً، ثم صحافياً لعشر سنوات، شهدت فيها عنف هذا البلد الرهيب، ورأيته يقضي على مئات الآلاف من البشر ممن يحملون أسماء كاسمي وينتمون إلى أعراق وديانات كالتي أنتمي إليها. كنت أعلم يقيناً أن هناك شقوقاً قبيحة وعميقة في الأساس الذي يقوم عليه ما يُسمّى بـ(العالم الحر) ومع ذلك، كنت أؤمن بأن تلك الشقوق قابلة للإصلاح، وأن الجوهر، أياً كان، لا يزال قابلاً للإنقاذ. بقي هذا الوهم معي حتى خريف العام 2023، حتى المجزرة».
في لحظة المجزرة، سقطت الأقنعة وزال وهم «العالم الحر» إلا عند من باعوا ضمائرهم للحفاظ عليه، وهم المنافقون المنتفعون الواهمون.
Omar El Akkad: “One Day, Everyone Will Have Always Been Against This”
Knopf, New York 2025
208 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية