هل يكون الذكاء الاصطناعي جديرا بمحاكاة الحقيقة؟

د. مصطفى غَلمَان
حجم الخط
0

ما الحقيقة؟
لا شيء يسبق الحقيقة. اللغة والعالم حقيقة، والعقل والوجود حقيقة. حتى الفرضيات يمكنها جعل الحقيقة جزءا من الواقع. فهل يتأخر سؤال المعنى هنا، من الانتقال بالحقيقة إلى الشك مثلا؟
إن ما يتم التعبير عنه وما يُفهم لدى الآخرين، أو ما يتم التفكير به وما يُفهم لدى الآخرين، يلتقي في بحثنا عن ماهية هذه الحقيقة، حيث يتقاطع ذلك مع المعرفة، حتى لو كانت غير بريئة، بحملها خطابا يشحن داخله سلطة تنظم العقول، وتعيد تشكيل الواقع، بما هو مجرد من موضوعات محايدة، يتعرى من أدواته، التي غالبا ما يعاد عبرها إنتاج التحكم الاجتماعي. وهو المآل الذي يؤدي إلى تغدية صحوتنا، وفق ما ينظره ميشيل فوكو: ليست ماهية الحقيقة ما نصبو إليه. بل من قال ذلك؟ ولماذا نصدقه؟
ينبري الفيلسوف البريطاني جورج إدوارد مور صاحب كتاب «الأخلاق»، والذي يبرز كأهم منظر في تطوير نظرية القيم والأخلاق الطبيعية والتي تفاعلت مع الفلسفة التحليلية، إلى تأسيس رؤية تعتبر الأخلاق، التي هي صلب «الحقيقة» وعلمها الناجز، ليست مسألة مقاسة بالأدوات المادية أو العقلانية فقط. بل هي قضية قيمية تعتمد على فهم «الخير» كقيمة مستقلة في حد ذاتها، مشيرا إلى ضرورة فصل الأخلاق عن الأبعاد الأخرى كالدين والعلم، مما يمكن من بناء نظام أخلاقي مستقل يركز على القيم الإنسانية الأساسية.
تقتدر المسألة الأخلاقية، كقيمة قوة في «التفكير بالحقيقة»، ليس باعتبارها خطابا يصوغ بنية العالم وحدوده في تشكيل الواقع، بل في تحطيم دائرة الشك، التي تحجز إنتاج المعرفة، وتهيمن على مدخراتها في بنية الراهن واللامفكر فيه، وكأننا بإزاء مطابقة لا تختل بانعدام نقيضها، وتتداعى في مواجهتها للنقد المحسوس، الذي يفرك صدقيته وسيرورته من معيار اليقين والوضوح والتميز والابتعاث.
ويتمترس المثقفون والفلاسفة، في صلب هذه المقاربة، حيث «يبررون هويتهم وخصوصيتهم وحتى نخبويتهم عن طريق إقامة حاجز منيع يفصل بين عالم المعرفة الذي يعتقد بأنه عالم الحقيقة والحرية، وبين عالم السلطة وممارساتها»(1)، بتعبير فوكو. مثلما هو الحال في الانجرار خلف ما يسميه بـ« الغرس المنحرف»، السادر في ثلمة الحقيقة، والغامض في انحرافه عن معنى ترصدها واستتباعها، في وضوح تام بجعل الجهل بالمعرفة، أو معالجة وضعية اعتبارية ما، شكلا من أشكال الانحراف عن تلك الحقيقة، حيث تتحول القيمة إلى طبيعة باطنية «ماثلة في كل مكان»، ومتماسة مع «طبيعة التغيير» و«نظام التغيير» في بانوتيك (2) يعي تمدد الحقيقة ومعرفتها.
هل تكون الحقيقة، إذن، سجنا للأفكار ومجتمعا لتصريف المعلومات، مهما كانت تقديراتها في الرصد والتجميع والاستقصاء؟ ذلك، أن مسألة التحقق من صحة الأخبار في عملية التتبع الإعلامي، عند تنوع المحتوى، وتشاكل مديات الصور والفيديوهات والتحديثات الشخصية، يوازي في القيمة والتأثير تحسين الأداء الصحفي والإعلامي مع الحرص على تقديم معلومات وبيانات صحيحة، بغاية التداول والنشر وإدارة المعرفة. وهو أمر لا يجاوز البتة بحثنا عن الحقيقة من داخل الصندوق، مع الاعتبارات الموضوعية والثقافية والقانونية، للمحتوى، والذي من أهم خصائصه التي يقوم عليها، التقصي الدقيق ووضع معايير سليمة لكيفية التحقق من الأخبار المكذوبة، ما ينتج عن ذلك كله، من عوامل التدقيق في عناصر الصورة أو الفيديو، كما هو الحال بالنسبة، للزمن والمكان والعلامات الظاهرة والصوت واللغة والمظهر العام للأشخاص.
نعم، الإعلام ينصت لضمير الحقيقة أنى اقتفت أسرارها، وأنى جاوزت مظانها، حيث لا يقصر التفكير في النبش عن مصدرها، دون امتلاك الأدوات والمفاعيل التي تجعل من المغامرة فيها وعدم تجاوز نظامها، أمرا محذورا ومتجاوزا. فهي تلقط أنفاسها من حالة التشكك، والإيغال في تفكيكها إلى وضع لا يلتبس ولا ينوء إلى نقض البراهين. وهو ما يجد محذوراته وتوابعه السلبية أكثر اصطراعا وتجاذبا، مع شيوع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول وسائل الإعلام في عمومها، إلى الطفرة الرقيمة، وبات من اليسير والمتناول تداول معلومات وبيانات مدهونة بالمحتويات الكاذبة المفبركة والزائفة.
وليس خافيا على مهتمي الإعلام والكتابة الصحفية والنشر المعلوماتي، أن يتبنى العالم منذ العام 2016 يوما عالميا للتحقق من صدقية الأخبار على الإنترنيت، اختير لذلك الثاني من نيسان (أبريل) من كل عام، وهو اليوم التالي لما يعرف بيوم «كذبة أبريل»، حيث يرمز الاحتفاء إلى حماية الجمهور من انتشار وباء المعلومات الخاطئة والمزيفة، خصوصا خلال الأزمات المتعاقبة من الكوارث الطبيعية أو الصحية أو الحروب العسكرية. ونحن هنا، نستقطع جزءا لا غنى عنه، في حقل أخلاقيات الصحافة، وارتباطها بجَلْبِ المصادِرِ وفَهْم ومعالجة قضية الموضوعيَّة، والانتباه إلى أثر المدوّناتِ والإِنترنِت عَلى القِيَمِ التقليديَّة للصحافة. إذ غالبا ما يضعنا الإعلام أمام فوهة البحث عن الحقيقة، حتى في وضعية تجاوز الأخلاقيات، التي تصبح تحت رحمة البحث عن صناعة الرأي الموجه، المنحاز لقيم المادية والدوغمائية وعقيدة الامتلاك.
ولأنه لا محيد للإعلام عن الحقيقة كأخلاق ووازع ضميري، فإنه أضحى من الأكيد راهنا، ملامسة هذه الجوانب في أشكال وتأثيرات السياسات الإعلامية التي تنتهجها السلط، على الصحافة والإعلام بشكل عام، والتدخل في رسم ضوابط وحدود أخلاقيات، هي بمثابة المركز الذي تقوم عليه البيئة الثقافية في مجتمعاتنا. والأحداث الأخيرة التي جاءت متسلسلة وصادمة، كوباء كورونا وزلزال الحوز وحربي روسيا وأوكرانيا وحدث 7 تشرين الأول (أكتوبر) وما تلاها من إبادة غزة، تضعنا أمام هذا الامتحان الصعب، حيث تعاني الحقيقة الإعلامية من سوء الانضباط لمبادئ الحياد والمصداقية وتداول حرية الرأي والنزاهة والاستقلالية والموضوعية. وهو ما خصصنا له سابقا فصلا كاملا ضمن كتابنا «في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط».
الذكاء الاصطناعي: محاكاة الحقيقة
يرى سوسيولوجيون معاصرون، أن ثمة إخفاقات في تثبيت علاقة هدفية الذكاء الاصطناعي بما ترومه امتداداته في نشر المعارف وإبداع أنظمة الوعي، وتحسين كفاءة المستخدمين لبرامجه. والغموض وفق السؤال، يكرس مطارحتنا لإشكالية إيجاد بدائل واستراتيجيات لردم الهوة التي تفصل الحقيقة المناط بها تغيير العالم، من قبل الذكاء الاصطناعي، ومحاكاة الذكاء البشري لمساره.
يرى الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي دانيال أندلر، أن ذكاءنا البشري، «لا يُختزل إلى مجرد قدرة على حل مشكلة من أي نوع كان، بل إنه يصف بوساطة حكمٍ الطريقةَ التي نجابه بها المواقف والوضعيات التي نجد أنفسنا متورطين فيها». مؤكدا على أن «الذكاء بمثابة مفهوم معياري صارم، مثل الحكم الأخلاقي أو الجمالي، ولهذا السبب فهو لا يلبث عسير المنال»(3). فالحقيقة باعتقاده، بالرغم من كونها أكثر اكتمالا من الواقع، فهي خير مطلق موضوع خارج الإنسان، سابق لكل فعل وكل تجربة، وبالتالي يعود بناؤها النسقي إلى رؤيتنا لها كمنظار يوجه حماسنا وامتدادنا في الهامش والعمق. كما أن محاكاتها لا يستثني انقيادنا لمطلقيتها، ولنقائها في الواقع والذكاء على حد سواء.
هذا الأمر يعرج بنا إلى التباس محاكاة الذكاء الاصطناعي لحقيقة مجسدة، واقعة تحت نفوذ سلطة تبرمج عوالمها واستتباعاتها الموجهة (المؤدلجة)، على نحو براغماتي ومدبوغ بوقود التطويع والاتباع ومواكبة الإنتاج. وعلى ذلك، يعتقد الأمريكي وليم جيمس، مؤسس علم النفس التجريبي وأحد رواد الفلسفة البراغماتية، أن «الحقيقي» لا يمكن أن يكون معياره ما هو مطابق للواقع، لأن الواقع بالغ الثراء، كثير التغير. ولذلك كان المعيار الذي صاغه هو المفيد والمجدي، وبذلك تكون الفكرة العلمية حقيقية إذا كانت لها تطبيقات خصبة، ويكون المعتقد حقيقيا إذا عاد على صاحبه بالرضى، أي أن الحقيقة في تصوره هي ما تكون فيها هموم الفرد على ما يرام.
فكيف نتمكن من تمييز الحقيقة، إذا كان الذكاءان (البشري والاصطناعي) منذورين للعب صورة الاختزال والمعيارية الحسية وتطابق التفكير؟
يعود بنا دانيال أندلر وفق هذا السياق، إلى النظام الاصطناعي الذكي، الذي «لا يدرك المواقف والوضعيات، بل إنه لا يدرك سوى المشكلات التي يقدمها له الفاعلون البشريون. فعند هذا المستوى بالتحديد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسندنا ويشدَّ من أزرنا. لأنه، في الواقع، بات يحل مجموعة لا تفتأ تزداد من المشكلات الملحة والحيوية». بمعنى أننا لا نسترخص إدراكنا لوجه الحقيقة عندما تكون قاعدة إسناد حقيقية مدركة بالوعي الاصطناعي، ما دام الأصل في الإسناد يعود لصانعه البشري، الذي يمتلك في المرجع والتاريخ والثقافة صفة الصانع (الخالق)، الذي هو من روح الحقيقة ومعدنها المصهور. وهو ما «ينبغي أن يظل بالذات هدفه الأوحد، لا ذلك الهدف المتهافت وغير المعقول الذي يتمثل في البحث عن مضارعة الذكاء البشري أو حتى التفوق عليه. لأن الإنسانية في حاجة إلى أدوات طيعة وقوية ومتعددة الاستخدامات، لا إلى أشباه بشر مجهَّزين بشكلٍ غير إنساني من أشكال المعرفة».
هوامش:
(1)  بانوتيك (من البانوبتية) وهي مشْتَمَل بناء مصنوع بشكل يمكن اشتمال/معرفة ما بداخله بنظرة واحدة، يصفها فوكو: «كونها (الهيكلية البانوبتية) هي عامل زخم بالنسبة إلى أيّ جهاز سلطوي».
(2) ميشيل فوكو: «المراقبة والمعاقبة». ترجمة د. علي مقلد، منشورات مركز الإنماء القومي، ط 1990 ص 142.
(3) دانيال أندلر: «الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري». ترجمة جلال العاطي ربي، دار صفحة 7 للنشر ط1 2024، ص375.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية