لندن ـ «القدس العربي»: أعلن علماء مختصون في الآثار اكتشاف ثاني «مدينة خفية» تحت الأرض في مصر، وذلك بعد أيام قليلة على إعلانهم اكتشاف المدينة الأولى، فيما قال العلماء إن اكتشاف هاتين المدينتين من شأنه أن يعيد كتابة تاريخ مصر القديم بشكل كامل.
وحسب ما نقل تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، عن هؤلاء العلماء فقد تمكنوا من اكتشاف مدينة ثانية مخفية، وذلك بعد فترة وجيزة من اكتشاف المدينة الأولى في نفس المكان، وهو الأمر الذي يُشكل اختراقاً بالغ الأهمية في هذا المجال.
ويقول العلماء إن المدينة الثانية تُثبت وجود مجمع جوفي ضخم يربط أهرامات الجيزة في القاهرة على عمق ألفي قدم تحت سطح الأرض، وأضافوا: «قد تُعيد هذه الأعمدة والغرف المكتشفة حديثًا كتابة التاريخ إذا تأكدت صحتها».
وأعلن فريق الباحثين الإيطاليين لأول مرة اكتشافهم لهياكل ضخمة تحت الأرض أسفل هرم خفرع في آذار/مارس الماضي، ما أثار انتقادات لاذعة من علماء الآثار الذين وصفوا هذه النتائج بأنها «خاطئة» وتفتقر إلى أساس علمي.
ويُعتبر عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس أكبر منتقدي الفريق، إذ يقول إنه من المستحيل أن يتمكن الرادار المخترق للأرض من رؤية آلاف الأقدام تحت السطح.
وعلى الرغم من التدقيق، فقد اكتشف الفريق الآن، وفقاً للتقارير، أعمدةً مماثلة أسفل هرم منقرع، أصغر الأهرامات الثلاثة الرئيسية في الجيزة، وذلك بعد أشهر من اكتشافاتهم الأولية أسفل هرم خفرع.
ويضم مجمع الجيزة، غرب العاصمة المصرية القاهرة، أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع، بالإضافة إلى تمثال أبو الهول، وجميعها محاطة بالغموض نظراً لطرق بنائها غير الواضحة، ومحاذاتها الفلكية الدقيقة، والغرض الذي لا يزال محل جدل.
وصرح فيليبو بيوندي، خبير الرادار من جامعة ستراثكلايد في اسكتلندا والمؤلف المشارك في البحث، لصحيفة «دايلي ميل» أن بياناتهم تُظهر احتمالاً بنسبة 90 في المئة أن يشترك هرم منقرع في نفس الأعمدة مع خفرع.
وتوصل الفريق إلى هذا الاحتمال «من خلال التحليل الموضوعي لبيانات التصوير المقطعي، والتي، كقياسات تجريبية، تشير بقوة إلى أن الهياكل التي حددناها أسفل خفرع موجودة أيضًا تحت هرم منقرع».
وقال بيوندي «نحن نعتقد اعتقادا راسخا أن هياكل الجيزة مترابطة، ما يعزز وجهة نظرنا بأن الأهرامات ليست سوى قمة جبل الجليد لمجمع البنية التحتية الضخم تحت الأرض».
ومن المرجح أن تتكون هذه الشبكة من نظام كثيف من الأنفاق يربط بين الهياكل الجوفية الرئيسية.
وأسر هذا البحث المثير للجدل، الذي لم يخضع بعد لمراجعة الأقران أو يُنشر في مجلة علمية، العالم عند الكشف عنه.
ومع ذلك، فقد وصف عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس هذا الاكتشاف بأنه «هراء» نظراً لتأكيد علمائه استحالة وصول هذه التقنية إلى هذا العمق من الأرض.
وفي حين أن نتائج الباحثين الإيطاليين لم تُثبت أو تُدحض بعد، لا يزال الفريق يمضي قدماً في عمله. وقال بيوندي إن صور الأعمدة أسفل منقرع تبدو مطابقة لتلك الموجودة أسفل خفرع.
وأضاف: «تكشف القياسات عن هياكل تشبه الأعمدة ذات خصائص متطابقة».
وبما أن منقرع أصغر من خفرع، نعتقد أن عدد الأعمدة ربما يكون متساوياً، وإن كان أقل، من تلك التي عثر عليها تحت خفرع.
وقُدِّر طول الأعمدة التي عُثر عليها تحت خفرع بأكثر من ألفي قدم، وتتميز بما يشبه هياكل حلزونية الشكل تلتف حول كل عمود من الأعمدة الثمانية.
وتدعم الأعمدة الموجودة تحت منقرع نظرية الفريق القائلة بوجود «هيكل ضخم» أسفل رمال هضبة الجيزة.
وعندما سُئل بيوندي عن الغرض من هذه الهياكل المخفية، قال: «في هذه المرحلة، ما زلنا نجمع المعلومات لدراسة الأمر بدقة، ولكن يمكننا القول بثقة إن تشغيل هذا الهيكل يعتمد على الأرجح على العناصر الطبيعية: الهواء والماء والنار والتراب».
وأضاف «أن اكتشافات كهذه في عهد منقرع تحفزنا على إعادة النظر في فهمنا للتاريخ المصري القديم وماضي البشرية، مما يفتح آفاقاً جديدة حول أصولنا وقدراتنا».
ويقول بيوندي وفريقه إن هذه الهياكل بُنيت من قِبل حضارة قديمة مفقودة عمرها حوالي 38 ألف عام. ومع ذلك، قدّر علماء الآثار عمر الأهرامات الثلاثة بحوالي 4500 عام فقط.
ويستند الجدول الزمني للباحثين الإيطاليين إلى نظرية مفادها أن مجتمعاً متقدماً للغاية من عصور ما قبل التاريخ قد اندثر بسبب كارثة عالمية، ربما ناجمة عن اصطدام مذنب، قبل حوالي 12 ألفاً و800 عام.
ووفقاً لهذه النظرية، محت الفيضانات والفوضى الناتجة معظم آثار هذه الحضارة، التي نقل الناجون منها معارفهم في علم الفلك والهندسة والعمارة المقدسة إلى ثقافات لاحقة، بما في ذلك المصريون القدماء.
وصرح الدكتور جيمس كينيت، الجيولوجي بجامعة كاليفورنيا سانتا باربرا وأحد أبرز مؤيدي فرضية اصطدام المذنب، لصحيفة «ديلي ميل» أن ثقافة متقدمة للغاية من العصر الحجري في أمريكا الشمالية – شعب كلوفيس – اختفت بشكل غامض في نفس الوقت الذي يُعتقد أن المذنب قد ضرب الأرض فيه.
وقال: «هناك أدلة على انخفاض كبير في عدد السكان في أمريكا الشمالية بدأ قبل 12800 عام». وأضاف: «استمر ذلك لبضع مئات من السنين، ثم بدأوا بالعودة – ولكن بثقافة مختلفة».
وفي حين لا يستطيع كينيت تأكيد حدوث نفس آثار الاصطدام في مصر، إلا أنه يشير إلى أدلة الاصطدام التي عُثر عليها في منطقة بسوريا، التي تبعد حوالي ألف ميل عن الجيزة، باعتبارها أدلة قاطعة.
وقال إنه إذا ضربت حطام تلك المنطقة، لكان من الممكن أن تتسبب في فيضانات هائلة من البحر الأبيض المتوسط ونهر النيل، ما قد يغمر أجزاءً من مصر القديمة.
وتتوافق قصة الطوفان بشكل مدهش مع الأساطير المصرية القديمة.
ويشير أندرو كولينز، الباحث في حضارات ما قبل التاريخ، إلى أن النقوش الهيروغليفية على جدران معبد إدفو، على بُعد حوالي 780 ميلاً جنوب الجيزة، تشير إلى فيضان مدمر قضى على حضارة غامضة تُعرف باسم «الحضارات الأقدم».
ووفقاً لكولينز، تصف نقوش المعبد (المعروفة باسم نصوص بناء إدفو) «منطقة مقدسة» في منطقة الجيزة دمرها «ثعبان عدو» أغرق العالم في ظلام دامس وأغرق الأرض بطوفان عظيم.
ويعتقد كولينز أن الثعبان العدو قد يكون استعارة لمذنب، نظراً لاستخدام الثقافات القديمة له كرمز للأحداث السماوية.
ويُوصف الثعبان في نصوص إدفو بأنه قوة مدمرة تُزعزع استقرار الجزيرة البدائية، ويرتبط أحياناً بـ«قفزة عظيمة» أو حدث مفاجئ وفوضوي.
وقال كولينز لصحيفة «دايلي ميل»: «يصف النص تخزينهم للأشياء المقدسة في هيكل تحت الأرض يُسمى العالم السفلي للروح». وتابع: «أنا متأكد من أن هذا يتعلق بمنظومة كهوف الجيزة وأي هياكل قد تحتوي عليها».
وعلى الرغم من رفض تفسيرات كولينز على نطاق واسع من قبل علماء المصريات السائدين، إلا أنه يُجادل بأن «جزيرة الخلق» الأسطورية المذكورة في النصوص قد ترمز إلى حضارة ضائعة منذ زمن طويل في الجيزة، وطن مقدس دُمّر في كارثة وخُلّد لاحقاً في الأساطير.
ومع ذلك، يردّ علماء الآثار السائدون بأن نقوش إدفو رمزية، وأنه لا توجد إشارة مباشرة إلى الجيزة نفسها.
ويفسرون النصوص على أنها أسطورية، حيث هاجرت الآلهة الناجية إلى مصر بعد الطوفان، ولم تنشأ هناك.
ومع ذلك، يُصرّ كولينز على أن تطور الثقافات القديمة، مثل شعوب غرافيتي في روسيا، الذين بنوا مساكن مستقيمة الخطوط، وارتدوا ملابس مُفصّلة، وربما تتبعوا حركات القمر منذ ما يقرب من 30 ألف عام، يشير إلى أن التسلسل الزمني الرسمي للتاريخ البشري قد يغفل بعض الفصول الحيوية.
وقال: «انظر فقط إلى تطور شعوب الجاذبية في سونجير وكوستنكي في روسيا».
ومنذ ما يصل إلى 30 ألف عام، كانوا يبنون هياكل مستقيمة ربما تكون محاذاة مع القمر، وتجربة الزراعة وارتداء ملابس مصممة خصيصاً، نظروا وتصرفوا مثل الأشخاص الذين يعيشون في العصور الوسطى.