أنطلياس اللبنانية جارة البحر وحاضنة العاميّات ومقلع الفن الرحباني

ناديا إلياس
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: ليست ببلدة ساحلية وحسب بل إنها تراث وهوية وتاريخ وثقافة إنها «أنطلياس –النقاش» الضاربة في التاريخ، هي أخت الشمس وجارة البحر، هي المطحنة القديمة والمغارة التي تحكي قصة الإنسان الأول، هي أنغام الأخوين رحباني اللذين حملا إسمها وعراقتها إلى العالم أجمع مروراً بالعاميات المتعاقبة. إنها قلب المتن النابض بالمعالم الأثرية والسياحية والتاريخية والتجارية التي تجعلها وجهة مثالية للسياح وإرثاً حضارياً عالمياً بامتياز.
زيارة أنطلياس متعة للاستمتاع والجلسات الترفيهية فيها، فهي تمتاز بجمال طبيعتها وبموقعها الجغرافي المتنوع الخلاب ما جعلها واحدة من أجمل الأماكن السياحية في جبل لبنان ومن أجمل المعالم التاريخية والأثرية والسياحية والترفيهية حيث تنتشر فيها المطاعم والمقاهي والمولات التجارية التي تجذب السياح والزوار من مختلف أنحاء العالم.

صلة الوصل

تعد أنطلياس صلة الوصل بين بيروت وكسروان وجبيل وصولاً إلى الشمال، ولا يمكن للعابرين من العاصمة بيروت باتجاه الشمال إلا العبور بها والعكس صحيح. كذلك تربط ساحل المتن الشمالي بوسطه وأعاليه، تمتد طولاً من الشرق إلى الغرب على ضفتي النهر الذي يحمل اسمها، وهذا ما دفع الرحالة هنري لامنس للقول: «إن موقع أنطلياس حسن جداً، لا بد أنه لفت منذ قديم الزمان أنظار الأهلين فسكنوه وعمروه»، هي بلدة عريقة حافظت على تنوعها وعلى سحرها الطبيعي والتاريخي والجغرافي والثقافي والعمراني على الرغم من حركة البناء الحديث الذي تنحو إليه، فهي تضم العديد من الأبنية السكنية الرائعة والعديد من الغابات والبساتين والمنحدرات الجبلية والوديان والينابيع والمنتزهات والمغاور الطبيعية والتاريخية الأثرية.

موقعها الجغرافي وتسميتها

أنطلياس بلدة قديمة وحديثة في آن معاً، موقعها جميل جداً على مساحة تمتد نحو 2 كلم2 وعلى ارتفاع نحو 10 أمتار عن سطح البحر، تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط في قضاء المتن في محافظة جبل لبنان شرق العاصمة بيروت والتي تبعد عنها نحو تسعة كيلومترات، بلدة ضاربة جذورها في عمق التاريخ الحضاري والأثري وذلك استناداً إلى تفسيرات عدة ومنها إثنان على الأرجح يعتقد بأنهما الأقرب إلى الحقيقة، حيث يرجح المؤرخون بأن تفسير الاسم الأول للبلدة يعود إلى الجذور الفينيقية من خلال وجود معبدين قرب ينابيع الفوار وهما على اسم الإله «عنان» والإله «عليان» الفينيقيين، وانطلقت تسمية «انطليان» من تزاوج الإسمين وتطورت لاحقاً تحت تأثير «السين» الإغريقية فأضحت بتسميتها الحالية أنطلياس استناداً إلى التفسير الثاني للاسم الذي أتى من الحقبة الإغريقية، حيث أقام اليونانيون القدامى فيها ثلاثة معابد للشمس: الأول لعبادة شروقها في موقع بر إلياس، وتكتب بالأصل «بارهيليوس» أي شروق الشمس، أما المعبد الثاني فهو على خط مسار الشمس بين الشروق والغروب في بقعة قب إلياس حيث أقيم معبد يرمز لقبة ظهورها وقت الظهيرة، أما المعبد الثالث والأخير فأقيم في موقع أنطلياس وهو مخصص من أجل عبادة الشمس في وقت الغروب، وقد ظهرت أعمدة وتيجان رخامية وقبب تشير إلى هذا المعبد لدى القيام بورشة حفر أساسات لأحد المراكز التجارية المجاورة لساحة البلدة، وأتى تفسير التسمية إلى كلمة «انطيليوس» (Anthelias) والتي تعني «إزاء الشمس» أي البقعة القائمة مقابل الشمس عند مغيبها.
وهناك آراء أخرى متعددة ومتنوعة تتجاوز هذين التفسيرين المذكورين لتسمية أنطلياس باسمها ومنها سرياني الأصل وآخر روماني وصولاً إلى اعتبارات دينية وإلى ما سواها من الاعتبارات.
ووفقاً للمعلومات المتوافرة فإن أصل الاسم سرياني نظراً إلى وفرة المياه والينابيع والعيون المائية فيها، أما الروماني الأصل فمرده إلى موقع البلدة وإطلالتها على مدينة بيروت. أما بالنسبة إلى الآراء الدينية حول التسمية فترجع إلى رواية تتناقلها الأجيال حول النبي ايليا مار إلياس شفيع بلدة أنطلياس، والذي «كان هارباً وملاحقاً من قبل الوثنيين، فقام باجتياز بقعتي بر إلياس وقب إلياس في سهل البقاع، إلى أن تمت محاصرته فلم يجد وسيلة سوى اللجوء إلى داخل صخرة في السلسلة الغربية لجبال لبنان حيث احتمى فيها وعبر لاحقاً منها إلى المغاور الجوفية الممتدة داخل السلسلة الجبلية إلى شاطئ المتوسط ليصل إلى نبع الفوار ويخرج بعدها متدفقاً معه هذا الفوار المائي الكبير والشهير».

فوار الفن الرحباني في أنطلياس

عند فوار أنطلياس الذي أصبح فوّار الفن الرحباني، صارت أنطلياس عاصمة لحركة ثقافية ومنطلقاً للإبداع سنةً بعد سنة، كيف لا وهي التي احتضنت كبار الفنانين والمثقفين والشعراء والأدباء وأبرزهم الأخوان الرحباني عاصي ومنصور وشقيقهما إلياس الرحباني والسيدة فيروز التي لا تزال تقيم في منطقة أنطلياس –النقاش لغاية اليوم، وجسدت سيرة الأخوين رحباني مسيرة نهضة فنية ليس في لبنان وحسب بل في الشرق والغرب رواها الكبير الراحل منصور الرحباني بتفاصيل ولا أدق للشاعر هنري زغيب، يوميات ضَنى وشقاوة وكَد وجُهد عاشها الصغيران عاصي ومنصور حتى بلوغهما خشبة مسرحٍ مُرتجَل في مقهى فوار أنطلياس، يقدمان عليه ألاعيب وتمثيليات شعبية يكتبها عاصي في صحيفته «الحرشاية» ويدوزنها منصور في صحيفته «الأغاني» وتنتهي بهما غالباً هاربين في بساتين أنطلياس، ومع ذلك تابعا طريقَ النحل في المُثابرة ليبلغا هياكلَ إلهة الشمس بمسرحيات أيقظت أعمدة بعلبك على غُزاة جُدُد يحيون عظمَتها بمفاخر شعب راقٍ يزيدها فخراً.
أمضى الأخوان رحباني طفولتهما في كنف عائلة مميزة كما يقول منصور في أحاديثه إلى هنري زغيب إنها أثّرت في نتاجهما الأدبي، والد قبضاي محب للموسيقى ربّى عائلته في مطعم فوار أنطلياس، ووالدة جليلة قوية الشخصية ربت عائلتها مع الوالد وجدة قوية تحمل العصا، وتلقيا تعليمهما متنقلين بين مدرسة راهبات عبرين في أنطلياس ومدرسة فريد أبو فاضل ومدرسة كمال مكرزل ومدرسة اليسوعية في بكفيا.
وتوفي والدهما حنا الرحباني شاباً ما اضطرهما إلى ترك المدرسة باكراً، فدخل عاصي سلك الشرطة في بلدية أنطلياس ودخل منصور سلك الشرطة العدلية في بيروت في سن السابعة عشرة، بعدها تلقيا الإعداد الموسيقي الشرقي أولاً على يد الأب الانطوني بولس الأشقر في أنطلياس، ثم درسا الموسيقى الغربية لتسعة أعوام على يد الأستاذ برتران روبيار.
وتزوّج عاصي بنهاد حداد (فيروز) سنة 1955 فشكل الثلاثة معاً عاصي فيروز ومنصور، الثالوث الرحباني الجديد، وأنشأ الأخوان مسرحاً لبنانياً خاصاً قوامه العودة إلى الينابيع بقوالب موسيقية شرقية وعربية متلائمة، وأنتجا غزيراً في أنواع الفن المتعددة.
وشهدت أنطلياس مستجدات ووقائع عدة منها: اكتشاف كسار عقيل، حيث دلت على إنسانها الأول في أنطلياس، وكانت نتيجة التحاليل تفيد بأن الهياكل العظمية تعود إلى ما قبل 35 ألف سنة، وفي هذه الواقعة عُثر على رفات رجل يعود إلى 30.000 سنة بالقرب من كهوف قصر آل عقل، وأرسلت الجمجمة إلى المتحف الوطني في بيروت وباقي الرفات شُحنت إلى الولايات المتحدة للحفاظ والدراسة.
تعاقب العاميّات من أنطلياس إلى كل لبنان، ففي عام 1820 كانت العامية الأولى، إذ تجمع آلاف اللبنانيين في ساحة أنطلياس ودير مار إلياس احتجاجاً على الضرائب التعسفية من قبل الدولة العثمانية، وتعاهدوا ان يكونوا متحدين من أجل رفع المظالم الاجتماعية عن حياتهم، أما العامية الثانية فكانت في عام 1840 حيث أقسم اللبنانيون من القرى والطوائف كافة على مَذبح مَار إلياس ـ أنطلياس بعدم الخيانة، بل أن يكون القول واحداً والرأي واحداً كما جاء في نص العامية الذي صاغته الجماهير المنتفضة، على خلفية النزاعات التي شهدتها أنطلياس بين الطوائف المسيحية والدرزية في فترات من العصر التاسع عشر، وورد في ميثاق العامية الثانية: «إنه يوم تاريخه قد حضرنا إلى مار إلياس- أنطلياس ونحن المذكورة أسماؤنا به بوجه العموم من دروز ونصارى ومتاولة وإسلام المعروفين بجبل لبنان من كافة القرى، وقسمنا يمينا على مذبح القديس المرقوم بأننا لا نخون ولا نطابق بضرر أحد منا كلياً. بل يكون القول واحداً والرأي واحداً».

عيد الليمون

تنعم أنطلياس بخيرات عدة ولاسيما منها الليمون (البرتقال) والموز وكان لديها سهل خصب وشديد الخضرة حتى مطلع العشرينات، يمتد من نهر بيروت حتى نهر الكلب، وسهل آخر ضيق على ضفاف نهر ينبع من جبل لبنان ويصب في البحر الأبيض المتوسط، ويمتلئ هذا السهل بأشجار البرتقال والموز، ونظراً لخيرات الليمون فيها وبأرضها الخصبة، خصصت أنطلياس عيداً لليمون كتقليد سنوي. وكان هذا العيد محطة وطنية ونشأ في الأحد الأول من شهر نيسان/ابريل في عام 1945 وحضره ثلاثون ألفاً، وأُقيم فيه معرضان للزراعة والصناعة، وجرى عرض للسيارات المزينة، وخُصصت جوائز وُزعت على المواهب المتجلية، والعيد الثاني كان في عام 1946، في الأحد الثاني من شهر نيسان/ابريل، برئاسة الشيخ بشاره الخوري وحضره خمسون ألفاً، انسحبت خلاله السيارات من العاصمة بيروت حتى جونيه، وقد مشى أمام السيارات التي توشحت بأشكال السفن، والطائرات، والأشجار المختلفة، فرسان يمثلون ثلاثة من أبطال لبنان: فخر الدين، وبشير الكبير، ويوسف بك كرم، وقد وضع الأخوان عاصي ومنصور الرحباني أغنية خاصة بمهرجان الليمون، أذيعت يومها من إذاعة الشرق الأدنى، ولاحقاً توقف إحياء عيد الليمون في مطلع الخمسينيات.
ولكن مع تزايد الكثافة السكانية في المنطقة في الجزء الثاني من القرن العشرين، تمت إزالة جميع المساحات الخضراء واستبدالها بمباني سكانية وتجارية، وعليه فقد تقلصت بشكل ملحوظ هذه المساحات الخضراء.

مغاور وينابيع أنطلياس الطبيعية

عرفت أنطلياس بمغاورها الطبيعية وأشهرها على الإطلاق مغارة البلاني، وهي لوحة عجيبة الجمال فيها صخور مدهشة الأشكال، وكانت بيتاً للإنسان القديم، وفيها رسومات جدارية، وقال عنها الرحالة هنري لامنس «إنها راقية إلى الطور السابق للتاريخ، وآثار المياه فيها ظاهرة على حضيضها وجدرانها ولما يرى في وسطها من الحصى المصقولة باحتكاك المياه. والمرجح أن قسماً من الصخور في باطن المغارة انخسفت فسدّت مؤخرة الفوهة القديمة التي كانت تسيل منها المياه، وذلك في إعصار قديم جداً، لأن هذه المغارة أصبحت بعدئذ مأوى لأهل لبنان الأولين».
وإنما للأسف تحولت هذه المغارة إلى ضحية الكسارات التي قضمت وخربت الآثار والجماليات الطبيعية.
كما تكثر في أنطلياس ينابيع المياه التي تتجمع في بقعة واحدة ومن بين هذه الينابيع تنور السلطنة وهو أغزر وأقوى ينابيع الوادي وأكثرها عمقاً، تتجه مياهه شمالاً إلى طاحونة السلطنة حيث تعمل على تشغيل دواليبه، ثم تنحدر لتشغيل طاحونة الدير ثم تصل إلى مجرى النهر الرئيسي.
نبع الفوّار الشهير وهو ثاني الينابيع وأشهرها ويتميز بفوهتين فوارتين، تتجه ثلث مياهه إلى القناة الفوقا (قناة الزلقا)، أما الباقي من المياه فيوزع على عدد من الطواحين ويروي القسم الشمالي من بساتين أنطلياس والنقاش والضبية.
ومن بين الينابيع أيضاً هناك نبع الوادي المعروف بغزارته، وقد شيدت قناته على قناطر قديمة، وتتوجه مياهه لتشغيل طاحونة الوادي ومن ثم إلى النهر حيث أقيم على مجراه سدان بهدف ري الأراضي، فضلاً عن نبع المقصبية وهو من أصغر ينابيع أنطلياس وتنمو في محيطه نباتات القصب والغزاز.
وتوسط ساحة أنطلياس في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين «مقهى الدولاب»، حيث تم تركيب دولاب حديدي على قناة المياه التي تجري تحت سطح الساحة، وكان يدور الدولاب على الطاقة المائية وتعلق به أوان تحمل الماء من مجرى القناة إلى مجرى خاص يستفاد منه للخدمة في مجال تبريد المرطبات والفواكه والحمضيات، أما الفائض فيعود إلى القناة نفسها.

المعالم الدينية

تكتسب أنطلياس أهمية دينية وثقافية مميزة نظراً إلى الأماكن الدينية التي تحتضنها وأبرزها دير مار إلياس شفيع البلدة، ويعود تاريخه إلى أجيال المردة الذين كانوا في جبل لبنان في القرن السابع 680 ويرجح بأنه كان برجاً بناه هؤلاء لمراقبة الساحل ومدخل المتن، وكانت قد اكتشفت تحت الساحة آثار قديمة تشير إلى مدى قِدم الكنيسة والدير والذي قام على أنقاض البناء القديم الذي دكت معالمه وجدد بناؤه مرات متتالية، وهو الآن في عهدة الرهبنة الأنطونية الذي استلمته من البطريركية المارونية في عهد البطريرك بولس عواد في عام 1723، ثم قامت بإدخال تعديلات عديدة عليه في عامي 1893 و1895.
وتتميز أنطلياس بتنوع مقراتها الدينية، إذ نجد فيها مقر بطريركية الأرمن الأرثوذكس الكرسي الرسولي في بيت سيسيليا، كما أن هناك كاتدرائية القديس إلياس وهي الكرسي الرسولي للكنيسة الكاثوليكية المارونية، وكنيسة القديس ميخائيل للروم الأرثوذكس والمقر الشتوي لبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في الربوة وهي عقارياً تابعة لأنطلياس.

الأهمية الثقافية

أولت أنطلياس الثقافة أهمية قصوى فعرفت بأنها بلدة «مجلة الرياض»، أُولى المجلات في ساحل المتن لرئيس لجنة النادي الأدبية فريد أبو فاضل، وبلدة المتحف الخالد لقبلان مكرزل، ولم تبخل بعطائها الثقافي فنشأت في كنفها وفي دير مار إلياس أنطلياس «الحركة الثقافية –أنطلياس» وهي علامة فارقة في الثقافة الوطنية، وتهدف هذه الحركة التي نشأت إبان الحرب اللبنانية كصرخة ضد التطرف والعنف والتزلف، إلى تأمين المناخ الأمثل الذي يؤسس لحوار صريح ومنفتح في شتى الميادين بين التيارات والاتجاهات المختلفة من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية، ومن أبرز أنشطتها تنظيمها السنوي لـ«المهرجان اللبناني للكتاب» في مقرها في دير مار إلياس فضلاً عن تنظيم الندوات السياسية ومراجعات الكتب والمسرحيات.

التطور
والازدهار

تعتبر أنطلياس واحدة من أكثر المناطق اللبنانية ازدهاراً نظراً لأعداد المصانع والمجمعات التجارية المهمة التي تضمها وأبرزها شهرة على الإطلاق مجمع «ABC» و«Le Mall» اللذان يقعان على تخوم ضبية ودور السينما والمدارس العريقة، كما يوجد فيها شارع مخصص للمصارف وهو يضم أكثر من خمسة مصارف ناهيك عن شارع المطاعم الذي يقصده الزوار من أنحاء العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية