هل يواجه ريان شرقي مصير محرز مع غوارديولا؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»:

مثل زين الدين زيدان وكريم بنزيمة، ملامحه العربية لا تشبه جنسيته الفرنسية، وابتسامته الهادئة تخفي الكثير من المفاجآت والحيل الكروية لخصومه، هو الجزائري الأصل/ الفرنسي الهوية ريان شرقي، الذي يجمع بين الموهبة الطبيعية النادرة وبين المرونة التكتيكية وما يُعرف بذكاء الملاعب، كجوهرة أو كما يقولون في بلاده «ظاهرة العقد»، متسلحا بما يملك من سحر وإبداع بين قدميه، ويتجلى ذلك في شجاعته في المرور من لاعب أو اثنين في مواقف لاعب ضد لاعب، إلى جانب قدرته العجيبة على اللعب بكلتا القدمين بنفس الجودة والكفاءة والمهارة، لدرجة أنه لا أحد يعرف إذا كانت قدمه اليمنى هي مصدر قوته أم اليسرى، وفوق كل ما سبق، يُجيد مباغتة حراس المرمى بالتصويبات القوية من أي مكان في الملعب، ومن القلائل الذين يطوعون موهبتهم لمصلحة الفريق، تارة بتقديم الهدايا في ظهر المدافعين عندما يشغل مركز صانع الألعاب أو المهاجم الوهمي، وتارة أخرى بالعرضيات المثالية من كلا الجانبين حين يُطلب منه اللعب كجناح أيمن أو أيسر، وغيرها من المميزات والمواصفات التي جعلت المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، يضغط على إدارة المان سيتي، للحصول على توقيعه من ناديه السابق مقابل حوالي 40 مليون يورو.

بنزيمة الجديد

قبل ست سنوات، بدأت رحلة شرقي مع الشهرة والنجومية في عالم الساحرة المستديرة، بعد تصعيده إلى الفريق الأول لنادي ليون بعمر 16 عاما، وآنذاك أحدث ضجة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية، بعد مساهمته في فوز فريقه على نانت 4-3 في الدور الرابع لكأس فرنسا، كأصغر لاعب في تاريخ النادي يتمكن من تسجيل هدفين وصناعة مثلهما في أول مشاركة أساسية، وسبقها في أكتوبر/تشرين الأول 2019، بحصوله على أول فرصة للظهور مع الفريق الأول على مستوى الدوري الفرنسي، بمشاركته كبديل على حساب ماكسويل كورنيه في آخر 10 دقائق أمام ديجون، بقرار شجاع من المدرب الحالي لمنتخب بلجيكا رودي غارسيا، بعد أبيات الشعر التي كان يسمعها من مدربي قطاع الشباب عن ظاهرة ليون الجديد، مثل المقولة المأثورة لمدرب الشباب تحت 18 عاما برونو غينيسو، الذي تغنى باكتشافه قائلا: «لديه قدرات استثنائية، ورغم صغر سنه، إلا أنه كان ناضجا ولديه تكتيك رائع يذكرني بموهبة حاتم بن عرفة»، وبالمثل قال عنه مدرب فريق الناشئين تحت 15 عاما سيريل دولشي: «لديه قدرة رهيبة على حسم المباريات بطريقة لم أرها من قبل»، وهي المؤهلات التي جعلته يشق طريقه نحو فريق الشباب قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الـ16 على هذا الكوكب، أو كما قالت صحيفة «ليكيب» الشهيرة: «شرقي أصبح أصغر لاعب يسجل في دوري أبطال أوروبا للشباب تحت 19 عاما»، بفضل أهدافه الثلاث الهاتريك التي مزق بها شباك أوكسير وهو بعمر 15 عاما و33 يوما فقط، الأمر الذي أثار إعجاب عمالقة الدوري الإنكليزي الممتاز وأوروبا، في مقدمتهم مانشستر يونايتد وبرشلونة وبايرن ميونيخ، لكنه فَضل البقاء مع ناديه حتى إشعار آخر، وتأكيدا على صدق نواياه ورغبته، وافق على توقيع أول عقد في مسيرته الاحترافية في 2022، رغم أنه كان يستطيع التوقيع لأي عملاق آخر في أوروبا.
بعد صعوده الصاروخي في بداية العقد الحالي، أخذت مسيرته منحى هبوطيا في آخر موسمين، بدأت بتعرضه لإصابة تسببت في ابتعاده عن الملاعب لفترة طويلة، ثم بمشاكل مع مجلس إدارة ناديه والاتحاد الفرنسي، لأسباب تتعلق في المقام الأول بمستقبله في فترة ما بعد ليون، وأيضا عدم استقراره على المنتخب الذي سيدافع عن ألوانه على المستوى الدولي، بعد أكثر من عامين من المفاوضات مع مسؤولي الجزائر، كادت أن تنتهي بالتحاقه إلى صفوف محاربي الصحراء، لولا عودته القوية في نهاية موسم 2023-2024، التي كانت سببا في انضمامه إلى قائمة المنتخب الأولمبي الفرنسي الذي حصل على الميدالية الفضية في أولمبياد باريس 2024، بعدها نجح في استعادة جزء كبير من مستواه الرائع الذي كان عليه في بدايته مع الفريق، والحديث عن الموسم الأخير، الذي ختمه بأرقام جيدة جدا، منها هز شباك الخصوم 12 مرة، بالإضافة إلى تقديم 19 تمريرة حاسمة من مشاركته في 44 مباراة في مختلف المسابقات، منها ثنائية في شباك مانشستر يونايتد في مباراتي الذهاب والإياب في ربع النهائي لبطولة اليوروبا ليغ، لتنقلب حياته ومسيرته رأسا على عقب في الأمتار الأخيرة للموسم المنقضي، بدأت بحصوله على استدعاء لتمثيل منتخب فرنسا في عطلة يونيو/حزيران الجاري، ثم بانتقاله إلى عملاق الدوري الإنكليزي، كأول خطوة حقيقية نحو تحقيق أحلامه وطموحاته الكبيرة في عالم كرة القدم، أن يسير على خطى مواطنه ومثله الأعلى كريم بنزيمة، الذي بدأ مشواره من نفس المحطة الفرنسية ليون، ومن ثم تحول إلى أسطورة في ريال مدريد بين عامي 2009 و2023، والفائز بجائزة أفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول» في 2022.

محرز
وغوارديولا

من تابع مباراة فرنسا وإسبانيا في نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية، سيفهم جيدا لماذا وقع اختيار بيب غوارديولا على ريان شرقي، والإشارة إلى تأثيره الكبير على أحداث المباراة، إذ أنه شارك كبديل في آخر 25 دقيقة، في وقت كانت تشير النتيجة إلى أنها في طريقها لخسارة مذلة للديوك على يد الماتادور الإسباني، لكن فجأة وبدون سابق إنذار، قرر هذا الشرقي، سحب البساط من تحت أقدام لامين يامال وكل النجوم والمواهب المتفجرة في الملعب، بتسديدة على الطائر سكنت شباك الحارس الإسباني، وبعدها بدقائق قليلة انطلق بطريقة ولا أروع من الجهة اليمنى، ثم أرسل العرضية النموذجية التي جولها كولو مواني برأسه في الشباك، بعد هدف داني فيفيان الخاطئ في مرماه، لتنتهي المباراة بفوز بطل اليورو بنتيجة 5-4، بعدما كانت 5-1 قبل مشاركة الجزائري الأصل، الذي أصبح ثالث لاعب فرنسي يتمكن من التسجيل والصناعة في أول ظهور مع الديوك هذا القرن بعد لويس ساها أمام بلجيكا عام 2004 ومارفن مارتن أمام أوكرانيا عام 2011، كأفضل مكافأة لصاحب الـ21 عاما بعد موسمه الاستثنائي في الليغ1، الذي ختمه بصناعة 125 فرصة، كثالث أكثر لاعب صناعة للفرص في الدوريات الكبرى بعد برونو فرنانديز (158 فرصة) ورافينيا (152)، أو وفقا لشبكة «أوبتا»، لم يصنع أكثر منه في اللعب المفتوح سوى فرنانديز ورافينيا وصلاح، الفارق أنهم شاركوا في أكثر من 50 مباراة، لكنه توقف عند 44 مباراة.
وكل ما سبق يفسر أسباب تعاقد غوارديولا معه، حيث عانى المان سيتي طيلة الموسم الماضي، من نقص حاد على مستوى الإبداع وصناعة الأهداف لكبير السفاحين إيرلينغ هالاند، مع حالة الهبوط الجماعي للاعبي الوسط والأجنحة الطائرة في مقدمتهم برناردو سيلفا، وجاك غريليش، وفل فودن والبقية، وفي وجود لاعب متنوع الحلول ومفعم بطاقة وحيوية الشباب العشريني، سيكون الفيلسوف الكتالوني قد عثر على مصدر جديد وفعال لصناعة الفرص، سواء من العمق بعد رحيل الأشقر البلجيكي، أو من على الأطراف، كما كان يفعل قائد المنتخب الجزائري رياض محرز والأرجنتيني جوليان ألفاريز، لكن كلمة السر في نجاح ريان تحت قيادة بيب، ستكمن في مدى التزامه بموقعه ومكانه في الثلث الأخير من الملعب، وفي رواية أخرى، سيتوقف نجاحه السريع على مدى تأقلمه واندماجه على نظام غوارديولا الذي يُقيد اللاعبين بالتحرك في أمتار معينة داخل الملعب، وفي نفس الوقت يحد من إبداع وسحر أصحاب المهارات الخاصة، وأشهرهم رياض محرز، الذي قضى أغلب أوقاته مع الفريق على مقاعد البدلاء، فقط لأنه كان يفضل الاعتماد على الحل الفردي في بعض المواقف الحاسمة، وهذا تقريبا ما يميز ريان شرقي، الذي يُجيد مهاجمة المساحات الشاغرة في وسط ودفاعات المنافسين، باعتباره واحدا من أكثر حاملي الكرة إنتاجية في أوروبا، وأشبه بالسهم الزئبقي الذي يُجيد تغيير اتجاهاته وسرعة حركة القدمين لتجاوز المدافعين بالعقل بدلا من السرعة الجنونية، فهل يا ترى سيعطي فريق بيب غوارديولا الإضافة التي يبحث عنها بعد رحيل دي بروين وباقي المحتمل خروجهم هذا الصيف؟ أم سيواجه نفس مصير رياض محرز على مقاعد بدلاء السيتيزينز؟ هذا ما سيُجيب عنه صاحب الشأن في الفترة القادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية