«سالفتان» وسلفيون

حجم الخط
0

يشكل الفكر علامة مهمة على حقيقة الجماعات البشرية، بخاصة عندما يتجلى في الأدب والفن. ويستند الباحثون إلى شِعر جماعة بشرية ما لاستخلاص سمات المجتمع في مرحلة معينة من تاريخها. ففي شِعر الخوارج على سبيل المثال، ملامح عقليتهم السائدة، فلقد نقلت كتب التراث حكاية إمرأة خارجية آثرت التخلي عن رغد العيش من أجل القتال في سبيل رأيها، وأنها قالت عند خروجها أبياتا تشهد على حالها فكريا، انقلها من الذاكرة :
غادرتُ رمحا ليناً مَسّه وجئتُ رمحاً مَسّه قاتلُ
شتان من ذا عسلٌُُُ ُ سائلٌ ُ وذاكَ منه سُمّه سائلُ
مطعونٌ ذا كم فيه من لذةٍِ، وأمُ مطعونٍ بذا ثاكلُ
قد لايرى بعضنا في هذه الأبيات إلا جانبا معينا في حين أنها تجسد أمامنا إمرأة حرة ذات شخصية قوية ووعي واضح، فهل كانت هذه المرأة حالة فريدة نادرة تلك الأيام ؟
أمَا كانت ترسم بعض ملامح مجتمع صدر الإسلام، والذي ما كان الفقهاء والكهان قد توصلوا إلى ترويض الناس فيه، وإشاعة إضطهاد النساء لأسباب واهية مازلنا نلمسها إلى اليوم ؟
مرت حقب على أبيات تلك الخارجية، أوصلتْنا إلى صورة (أحدث) لعصر استكمل فيه الذكور الهيمنة على الأمهات والزوجات والبنات، بدليل حَملهُ إلينا بيتان بليغان لسيدِ ذكرِ كامل الأوصاف، يُسفّه دون قصد ما قالته الخارجية.
مطياتُ السرورِ فُويْق عشر إلى العشرين واجتنبِ المطايا
وإن ضاق المجال فزدْ قليلا وبنتُ الأربعين من الرزايا
هكذا إذن فالنساء (مطيات) كما الدواب التي كان سيادته «يمطتيهن» في تنقله.
في أبيات السيدة الخارجية، والسيد الهُمام تلخيص بليغ لحالة مجتمع السلف الصالح حتما.
ألسنا نلمس في مجتمعاتنا الحاضرة ديمومة فكر المطايا وانحسار فكر المرأة المتحررة ؟
ألا يستند أصحاب (فتاوى) نكح القاصرات، وجهاد النكاح اليوم إلى النهج الذي سار عليه ذلك الذكر الكامل الأوصاف، الذي كان ينظر إلى والدته بصفتها مطية، ولم لا ؟ أليس ما قاله من (التراث) الذي يسبغ عليه كثيرون نوعاً من القداسة؟
ألا نعيش في زمن عاد فيه المسلمون إلى سلفهم الصالح وانقسموا إلى سنة وشيعة لأسباب غامضه كأنما أصل الخلاف حادثة جرت بالأمس القريب…
ألا يجوز لنا التساؤل وقد تحولنا إلى سنة وشيعة، لماذا لا يكثر الخوارج.. والخارجيات في أيامنا ؟

مهند حسن – كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية