نابوكوف وبونين: من الإعجاب إلى الكراهية

نادراً ما ينسجم الكُتّاب الموهوبون، إذ تُعيقهم المنافسة. وتؤكد قصة العلاقة بين فلاديمير نابوكوف وإيفان بونين هذه الأطروحة تماماً. وُلِد كلاهما في روسيا القيصرية، بفارق ثلاثين عاماً. عندما كان الكاتب والشاعر الروسي إيفان بونين نجماً أدبياً لامعاً، كان فلاديمير نابوكوف قد بدأ للتو خطواته الأولى في عالم الأدب. كان بونين قريباً من أولئك الذين آمنوا بأن المبدعين المهاجرين يجب أن يكونوا حُماة التقاليد الثقافية والروحية الروسية الأصيلة. أما نابوكوف، فقد انتمى إلى مجموعة صغيرة من المهاجرين، الذين فضّلوا عدم الاهتمام بالماضي، بل المضي قدماً، وتبنّوا أسلوب التفكير والعيش الغربي.
بالنسبة لبونين، كانت المهمة الأساسية في المنفى هي تطوير ما اعتبره الأكثر قيمة في الأدب الروسي – عبادة الحقيقة، والوضوح، والسعي الروحي الأبدي، مقابل ما هو غير طبيعي في كل مظاهره، سواء أعمال الحداثيين أو الثورة باعتبارها انقطاعاً حاداً في المسار الطبيعي. دافع بونين عن الثقافة الروسية التي كانت في تناقض صارم مع الابتذال. وكان قدوته بوشكين، وتولستوي، وتشيخوف. أما نابوكوف فقد انعزل في منفاه، ونادراً ما عبّر عن رأيه في الثورة والاتحاد السوفييتي، لكنه كتب مقالاً بعنوان «اليوبيل» في الذكرى العاشرة للثورة. ويبدو تصوره للثورة والشيوعية جمالياً، وموقفه متعالياً.

تلميذ بونين المجتهد
في مارس/آذار 1921، أرسل الكاتب الشاب فلاديمير سيرين (الاسم الأدبي المستعار لنابوكوف) رسالةً إلى بونين، مُعترفاً فيها بحبه لعمله، أي أن كتابته عن مشاعره ليس مجازياً، بل هو مباشر وصريح: «أرسل إليكَ عدة قصائد، مختارة عشوائياً، وأغتنم هذه الفرصة لأخبرك كم شجعني ما كتبته عن إبداعي المتواضع، لاسيما وأن هذه الكلمات الطيبة صادرة منك، أيها الكاتب الوحيد – في عصرنا التجديفي الملتبس- الذي يُقدِّس الجمال بهدوء، مُستشعراً الجمال في كل شيء، في تجليات الروح البشرية، وفي رسم ظل أرجواني على رمال رطبة، ونقاء وعمق وإشراق كل سطر، وكل بيت لا يُضاهى. اعذرني على سوء التعبير: إنه صعبٌ مثل صعوبة إعلان الحب، الحب القديم. باختصار، أودّ أن أُعرب لكَ عن مدى سعادتي الغامرة، بمعرفة أن هناك من ألجأ إليه في هذه الأيام التي نعيشها في ظلام اليتم». لم يبخل نابوكوف بالإطراءات، فوصف مدى سعادته عندما نظر «من مكانه إلى القمة المتلألئة (أي بونين)، حيث نقشت على الصخرة كلمات أبدية لا تُضاهى».
في رسالته التالية، يروي نابوكوف، كيف أن فكرة دواوين بونين الشعرية التي تنتظره في وطنه دفأته وهدهدته في منتصف الشارعٍ في ليلة ماطرة، «تتألق في الأماكن كقطعة مطاطٍ مبللة»، حيث «تداعب الرياح الأشجار» و»تتساقط أشجار الكستناء بصوتٍ قصيرٍ كثيف». لا بد من القول، إن نابوكوف بنكاته اللاذعة والمُزدريّة تجاه معاصريه، ونرجسيته المُتغطرسة البارزة، واستهانته بالأدباء الكلاسيكيين، فإن آخر ما يُمكن توقعه منه إعلان حبه لأي شخص آخر غير المرأة. لكن لا، يُقسم نابوكوف بالولاء لإلهام بونين، وسيدافع لاحقاً عن الكاتب في وجه الحداثيين في النقد الأدبي، وسيُجرّب العديد من تقنياته الأسلوبية، ومن بينها سيُسلّط الضوء بشكل خاص على رؤية بونين الفريدة للألوان – نابوكوف نفسه معروف بأنه شخص قادر على التأثر بومضات من الألوان والصور المُصاحبة من اللمسات والروائح والأصوات وغيرها من الأحاسيس الخارجية، واختتم نابوكوف رسالته بالعبارة التالية: «إلى المعلم العظيم من الطالب المجتهد». رداً على ذلك، أرسل بونين إلى نابوكوف ليس فقط رسالةً دافئةً ومشجعةً، بل أيضًا كتابه «سيد من سان فرانسيسكو».

في عام 1926، نُشرت أولى روايات نابوكوف، «ماشينكا»، التي اعتبرها الباحثون أكثر أعمال نابوكوف تشابهاً مع أسلوب بونين. كتب المؤلف على النسخة المخصصة لبونين:
«إيفان ألكسيفيتش العزيز والمحترم للغاية، أنا سعيد وخائف من إرسال كتابي الأول إليك. من فضلك لا تحكم عليّ بقسوة». تحتوي هذه النسخة من رواية «ماشينكا» على ملاحظة واحدة. «أوه، كم هو سيئ!» كُتبت بخط يد بونين على هامش الفقرة التالية من الفصل الثامن: «لم تكن هذه مجرد ذكرى، بل حياة، أكثر واقعية، وأكثر «عمقا» – كما يكتبون في الصحف – من حياة ظله في برلين. لقد كانت قصة حب رائعة، تطورت بحذر حقيقي وحنون».
ازداد اهتمام بونين بنابوكوف مع ظهور منشورات نابوكوف الجديدة في أواخر عشرينيات القرن الماضي. كانت أعمال الكاتبين تُنشر غالباً بالتزامن، في المجلات الأدبية الروسية الصادرة في باريس. تمتلئ رسائل نابوكوف إلى بونين في الفترة من 1929 إلى 1930 بالحنان والاحترام.. في ديسمبر/كانون الأول 1929، أرسل نابوكوف إلى بونين نسخة من كتاب «عودة تشورب» مع الإهداء: «إلى إيفان بونين، الأستاذ العظيم من تلميذ مجتهد. ف. نابوكوف»، رداً على ذلك، أرسل بونين في فبراير/شباط 1930 إلى نابوكوف نسخة من كتابه الصادر حديثاً «حياة أرسينييف: أصول الأيام» مع كلمة إهداء: «إلى ف. سيرين. عزيزي فلاديمير فلاديميروفيتش، من كل قلبي وبحب كبير لموهبتك الرائعة.
بدأت أولى تلميحات الانزعاج في دائرة بونين تجاه نابوكوف بالظهور في أوائل الثلاثينيات، بالتزامن مع زيارة نابوكوف الأولى لباريس وتزايد شعبيته. هل شعر بونين بوجود منافس في نابوكوف؟ على أي حال، لم يُظهرا بعدُ عداءً صريحاً تجاه بعضهما. كما تفاعل نابوكوف بإيجابية بالغة مع فوز بونين بجائزة نوبل في الآداب عام 1933 – وأرسل إليه برقية تهنئة: «أنا سعيد جداً بحصولك عليها».

بوادر الخلاف بين نجمي الأدب الروسي
تحول نابوكوف تدريجياً من هاوي كتابة ناشئ يقلد تشيخوف وبونين إلى كاتب مستقل بأسلوبه الخاص. وقد تم الاعتراف به في الأوساط الأدبية، وتزايد عدد معجبيه وقرائه الدائمين بسرعة. وبدأت تُسمع أكثر فأكثر في أوساط الكتّاب الروس المهاجرين، أقوال مفادها ان نابوكوف هو المنافس الوحيد لبونين. بالطبع، أثار هذا استياء بونين. سعى مجتمع المهاجرين بأكمله إلى تحديد الكاتب الذي يحتل المكانة الأولى في الساحة الأدبية. على سبيل المثال، في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، قال الكاتب الروسي المهاجر مارك ألدانوف، إن على بونين الاعتراف بأن الصدارة الأدبية الروسية قد انتقلت إلى نابوكوف. في هذا الوقت، كان بونين يمدح سيرين بين أصدقائه من حين لآخر، بشكل متحفظ للغاية، قائلاً إنه يتمتع بموهبة هائلة، لكن قصائده ضاعت في أساليب وأصوات الآخرين.
كتب بونين لاحقاً: «نثر نابوكوف مكتوب ببرود شديد، ضار. لكن مع ذلك، لا يمكن مقارنة أي من الأدباء الشباب به». سيلتقيان لأول مرة بعد 12 عاماً من تبادل الرسائل في برلين، في 30 ديسمبر 1933 في حفل تكريم بونين لمناسبة حصوله على جائزة نوبل في الآداب لذلك العام، نظمه على شرفه الناشر جوزيف هيسن، مع خطابات وقراءات لأعمال بونين، ورغم أن بونين لم يكن متوقعاً حضوره الاحتفال، إلا أنه وصل في اللحظة الأخيرة. ألقى نابوكوف خطاباً غنائياً عن شعر بونين، حيث كرر النقاط الرئيسية لمراجعته لقصائد بونين المختارة، التي كتبها ونشرها في عام 1929، كما قرأ أيضاً قصائد بونين المفضلة لديه.. مع ذلك، فإن معاصري نابوكوف عرفوه  كشخص مختلف تماماً – متكبر، ساخر، ولاذع تجاه الآخرين، وكثيراً ما كان يتحدث باستخفاف عن الكُتّاب المشهورين. لم يكن إعلان حبه لزملائه الكُتّاب، من حيث المبدأ، من سماته المميزة. زار نابوكوف باريس للمرة الثانية في 28 يناير/ كانون الثاني 1936، حيث أقام في شقة صديقه المقرب الكاتب والسياسي إيليا فوندامينسكى في شارع فرساي. وكانت شقة بونين تقع في مكان قريب، في شارع جاك أوفنباخ.

بعد نصف ساعة من وصوله، كان نابوكوف «يجلس بالفعل مع بونين، الذي كان في حالة سكر طفيفة في أحد المطاعم» (رسالة نابوكوف إلى شاخوفسكايا، 2 فبراير 1936). وقد ذكر نابوكوف في مذكراته ما يلي عن هذا اللقاء: «عندما التقيت به، كان منشغلاً بتقدمه في السن بشكل مرضي. منذ الكلمات الأولى التي تبادلناها، أشار بسرور إلى أنه أكثر استقامة مني، مع أنه يكبرني بثلاثين عاماً. كان يستمتع بجائزة نوبل التي حصل عليها للتو، وكما أذكر، دعاني إلى أحد مطاعم باريس الفاخرة لإجراء محادثة صريحة. للأسف، لا أطيق المطاعم والمقاهي، خاصة الباريسية منها: حشود من الخدم المتعجلين، والغجر، ومزيج الخمور، والقهوة، والوجبات الخفيفة، والموسيقيين الذين يتجولون من طاولة إلى أخرى، وما شابه ذلك. المحادثات الصريحة، والاعترافات على طريقة دوستويفسكي ليست من الأشياء التي أحبها أيضاً. كان بونين، وهو رجل عجوز نشيط ذو مفردات غنية وغير عفيفة، في حيرة من عدم مبالاتي بطائر البندق، الذي كنت قد اكتفيت منه عندما كنت طفلاً، وكان منزعجاً من رفضي مناقشة الموضوعات الأخروية. بحلول نهاية العشاء كنا بالفعل نشعر بالملل الشديد من بعضنا. قال بونين بمرارة بينما كنا نتجه نحو رفوف المعاطف: سوف تموت في عذاب رهيب وفي عزلة تامة. أردتُ مساعدة بونين في ارتداء معطفه، لكنه أوقفني بإشارة فخورة من يده. واصل الكفاح بأدب – كان يحاول مساعدتي الآن – وخرجنا في عتمة مساء شتوي باريسي باهت. كان رفيقي على وشك أن يُزرّر ياقة معطفه، عندما تحول وجهه اللطيف فجأةً إلى تعبير عن الحيرة والانزعاج. فتح معطفه بحذر، وبدأ يبحث في مكان ما تحت إبطه. جئتُ لمساعدته، وبجهد مشترك، سحبنا وشاحي الطويل، الذي حشرته الفتاة بالخطأ في كم معطفه. خرج الوشاح تدريجياً، كان أشبه بفكّ مومياء، واستدرنا بهدوء حول بعضنا بعضاً، ما أثار استهزاءً فاحشاً لدى ثلاث عاهرات. بعد أن أكملنا هذه العملية، واصلنا طريقنا في صمت إلى الزاوية، حيث تصافحنا وافترقنا».

وأظهر هذا اللقاء أن الحوار الإبداعي بين الكاتبين قد انتهى، وأنهما أصبحا بعيدين على المستوى الإنساني. ولاحقاً علق بونين على ما كتبه نابوكوف قائلا: «نشرسيرين (نابوكوف) باللغة الإنكليزية كتاباً طُبع على غلافه، لسببٍ ما، تاجٌ ملكيٌّ فوق اسمه. يحتوي الكتاب على ملاحظاتٍ موجزة عن كُتّابٍ مهاجرين التقاهم في باريس في الثلاثينيات، وهناك صفحةٌ عني – كذبةٌ حمقاء، كما لو أنني جررته بطريقةٍ ما إلى مطعمٍ روسيٍّ فاخر (مع غجر) للجلوس والشرب والحديث معه، ، كما يحبّ جميع الروس أن يفعلوا، لكنه لا يطيق ذلك. أنا لم أزر مطعماً معه قط».
بعد اثني عشر عاماً من رسالته الحماسية الأولى إلى معلمه الأدبي، كتب نابوكوف إلى زوجته فيرا، أن بونين مثل سلحفاة عجوز نحيفة، تحرك رأسها الهرم ذا العيون الباهتة. في عام 1950، لمناسبة الذكرى الثمانين لميلاد بونين، أُقيم احتفال في نيويورك. اقترح مارك ألدانوف على نابوكوف قراءة أحد أعمال بونين، لكنه رفض ذلك. وشرح قراره قائلاً: «ضع نفسك مكاني. كيف لي أن أقول كلمات ذهبية عن رجل غريب عني في كل ما فيه، وعن كاتب نثر أضعه في مرتبة أدنى من تورغينيف؟».
من ناحية أخرى بات بونين لا يطيق أعمال سيرين (نابوكوف) . ويقول في رسالته المؤرخة في 17 يوليو/تموز 1935 إلى رئيس تحرير المجلة الأدبية الروسية الصادرة في باريس «سوفريميني زابيسكي»: لقد تلقيت العدد الجديد من المجلة. لقد أزعجني سيرين بشدة، لا تُطاق! ما قيمة هذه التفاصيل البائسة ليس ثمة كلمة واحدة مكتوبة ببساطة – ولا كلمة واحدة حية! الأمر الرئيسي هو مللٌ جهنميٌّ لدرجة أنني أرغب في تحطيم النوافذ. بشكل عام، إنه أمرٌ مريعٌ للغاية».
من الجدير بالذكر أن نابوكوف كان يقلل من شأن أي كاتب بارز، لا يستطيع التحرر من تأثيره، فقد هاجم دوستويفسكي، وتورغينيف، وتشيخوف وغوركي وغيرهم من كبار الكُتّاب. ويلمح بونين إلى هذه الحقيقة، في رسالته إلى الناقدة إليزافيتا مالوزيموفا، بتاريخ 7 ديسمبر 1937: «أعتقد أنني أثّرت في كثير من الناس. ولكن كيف يُمكن إثبات ذلك، وكيف يُمكن تحديده؟ أعتقد أنه لولا وجودي، لما وُجد سيرين (مع أنه يبدو للوهلة الأولى مُبدعاً للغاية)».
هل كان كل هذا تنافساً إبداعياً، كما يحدث أحياناً بين الكتّاب، أم كراهية متبادلة؟

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية