يتعرض مسلمو مانيمار المعروفون باسم الروهينغا والذين يسكنون اقليم أركان إلى عملية إبادة وتطهير عرقي من قبل البوذيين بصورة وحشية قل نظيرها في التاريخ حيث يتم قتلهم بأساليب وطرق يعجز العقل أن يعي ويتصور واقعها، ويمارس في حقهم القتل المستعر وحرق للأملاك والمساجد والمدارس وذلك لإزالة كل أثر لهذه الأقلية المسلمة في مانيمار. إن هذه المأساة المفزعة تدور وتمارس مع مسلمي مانيمار منذ أمد بعيد وسنين طويلة لكن حدة وتيرتها ارتفعت واشتدت في السنوات الأخيرة.
هذه الإبادة الظالمة أدت إلى عملية تطهير عرقي على أرض الواقع إذ كانت نتيجتها مقتل عشرات الآلاف وفرار أعداد كبيرة إلى خارج حدود مانيمار، والذين ينجحون بالفرار ليس حالهم أفضل من حال اخوانهم الذين يقعون في قبضة بوذيي مانيمار فالذين ينجحون في العبور إلى بعض الدول المجاورة يكون مصيرهم الموت من الأمراض والجوع أو القتل من قبل تجار مافيات الأعضاء البشرية كما تحدثت وكشفت بعض التقارير الصادرة بعد اكتشاف مقابر جماعية لهؤلاء المشردين في تايلاند. اما الطامة الكبرى في التعامل مع الذين ينجحون في الفرار إلى خارج حدود مانيمار هو ما تمارسه الدول الإسلامية المجاورة مع هؤلاء المنكوبين إذ تمنعهم من دخول اراضيها وتبقيهم عائمين وهائمين في البحار وتهدد كل من يدخل حدودها بالاعتقال واعادته إلى بلده أو المياه الإقليمية لتتقطع بهم السبل، ذلك بدل احتضانهم ومساعدتهم والتدخل لحمايتهم لمسؤولية الرابطة والالتزام العقدي مع هؤلاء المسلمين. إن المذابح والجرائم المفزعة التي يتعرض لها الروهينغا امام صمت العالم والمجتمع الدولي وعدم تدخله لحمايتهم يسجل ضمن النفاق العالمي وازدواجية المواقف، هذا العالم الذي يتشدق بنظريات حقوق الإنسان وحق الأقليات وهو يصم إذنيه ويغمض عينيه عن هذه المأساة البشرية المفزعة وفي المقابل تجده يتحرك على عجل وبقوة إذا كان الأمر يتعلق مع غير المسلمين. وفي الصورة نفسه نجد المواقف المخزية من دول العالم الإسلامي إزاء هذه الكارثة البشرية لا سيما من الدول المجاورة.. أليس لهؤلاء المظلومين حق الإخوة والدين وحق المسارعة في انقاذهم وتخليصهم من مأساتهم التي تقشعر منها الأبدان ؟!، لكن الصمت هو سيد الموقف في سياسة هذه الدول. إن الإنصاف في المواقف هو سيد الدول الرشيدة والتي تقدر البشرية والقيمة الإنسانية وتجعلها في سلم أولوياتها وهذا ما يفتقده العالم في هذا العصر الذي طغت فيه المادة والمصالح الأنانية على القيم الراقية فكانت الازدواجية المقيتة هي السائدة، فكم قضية بسيطة وصغيرة تحرك لها العالم اجمع وضخم أحداثها وهي لا تحتاج لكل ذلك ؟!، ولكن ذلك كان ويكون لأن من يسوس العالم يرى في مصلحته هذا الموقف !.
وفي السياق نفسه نجد الصمت والتغاضي الإعلامي المقصود، فلماذا لا يثير الإعلام وهو صوت الشعوب هذه القضية على نطاق واسع ليفرض على شعوب العالم ومؤسساته التحرك الجّدي الفعال لإجبار العالم على التدخل لوقف هذه المجازر المروعة ؟. كما أننا نلاحظ ونجد أن منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن القضية على استحياء دون تفعيل حقيقي وإثارة ملفتة للنظر على مستوى العالم. عند النظر في مواقف الدول والمؤسسات والمنظمات والإعلام نجد الازدواجية في المواقف من حدث إلى آخر مما يفقد هذه الهيئات الثقة في عقول ونفوس الشعوب. ويشكل وصمة عار في جبين الدول المتشدقة بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وكذلك في جبين أبناء جلدتهم وخاصة دول الجوار وذلك للمسؤولية المبدئية والدينية عليهم.
إن مأساة مسلمي الروهينغا هي امتداد لمآسي المسلمين الجمة والتي سببها افتقار المسلمين للاستقلال السياسي الحقيقي القائم على عقيدة الأمة، فالحل لكافة مشاكل ومآسي الأمة لا يتحقق إلا بعودة الأمة لوحدتها الشاملة في كيان سياسي يقوم على العقيدة الإسلامية التي هي سر عظمة الأمة ومكانتها بين الأمم.
عطية الجبارين – كاتب فلسطيني