■ عام التناقض والمفارقات الخطرة، هذه هي الصفة الأكثر التصاقا بكشف حساب عام السيسي الأول في الرئاسة.
المفارقة المقصودة ظاهرة ومدمرة، فلدى مصر رئيس جديد جرى انتخابه بما يشبه الإجماع الوطني، لكن الرئيس الجديد لايزال يحكم بالنظام القديم نفسه، مع فوارق الإيقاع في العمل، وربما الفوارق في الاختيارات. تنفجر التناقضات في التصرفات السياسية والاقتصادية، ويبدو الشد والجذب متواترا، ومع أحوال من التربص، ربما تجعل مصر على حافة خطر جديد، فقد جرى انتخاب السيسي دفعا لخطر الإرهاب، لكن الفساد في مصر أخطر من الإرهاب، فقد يقتل الإرهاب أشخاصا أو يفجر منشآت، أو يثير اضطرابا، لكن الفساد يقتل البلد، ويستنزف شعبية الرئيس، ويكاد يقوض دواعي الأمل في رئاسة السيسي.
ولا خوف على مصر من حرب الإرهاب، فلديها واحد من أقوى جيوش العالم، ولديها تجانس اجتماعي وثقافي وجغرافي فريد، يجعلها عصية على التفكيك، وعلى بلوغ أي جماعة مسلحة من خارج الدولة لأهدافها، مهما بلغت قوة هذه الجماعة، ومهما بلغت صنوف دعمها إقليميا ودوليا، فسوف تظل مصر قبضة يد، وعلى «حطة إيد» مينا موحد القطرين قبل آلاف السنين، وسوف تنهزم الجماعات الإرهابية المسلحة، فالذي يلجأ للسلاح في مصر يكتب نهايته، ويذهب في السكة التي لا يعود منها أحد، وهذا ما يحدث بإطراد في مصر، فالإرهاب يسوغ أسباب القمع، والدولة تعيد بناء جهازها العصبي المركزي، وتلتف أجنحة الدولة الصلبة من حول نواتها في الجيش، والأجهزة الأمنية تتحسن كفاءتها، والنجاح الملحوظ في حرب الإرهاب يحسب لصالح رئاسة السيسي، وإن كان الاحتشاد ضد الإرهاب مما يقلص خرائط الحريات العامة إلى حين، ويكاد يميت معنى السياسة في مصر، والنتائج ظاهرة في تداعي مظاهر التحركات الاجتماعية الجماهيرية في الشارع، وفي القيود الثقيلة المفروضة على حق التظاهر السلمي، وفي التزايد المهول لأعداد المحتجزين في السجون، التي وصلت لعشرات الآلاف، أغلبهم من غير المتهمين بالتورط في عنف وإرهاب مباشر، وهو ما التفت له الرئيس السيسي أحيانا، وأقر علنا بوجود مظالم هائلة، وتعهد بإخلاء سبيل غير المتورطين في عنف، وإن لم تجد الرغبة المعلنة سبيلا إلى التنفيذ الكافي، اللهم إلا في حالات لا تتجاوز بضع مئات من الشباب المفرج عنه، وبإعاقة ملموسة من أجهزة تنتمي للنظام القديم الذي يحكم به الرئيس.
ومن السياسة إلى الاقتصاد، بدت إعاقات النظام القديم أكثر ظهورا، فقد بدا السيسي في أول عامه الرئاسي مهتما بالاقتصاد أولا، وبطريقة بدت أخلاقية تماما، وبعيدة عن معنى الانحياز الاجتماعي والاقتصادي الصريح، وركز بالذات على تعبئة الموارد، وعلى حاجة مصر إلى نهوض نوعي، يضاعف في سنوات إجمالي الناتج القومي إلى ما يقارب السبعة تريليونات جنيه مصري، وبدلا من البحث عن موارد نهوض باسترداد الأموال المنهوبة، وخوض حرب لا هوادة فيها ضد البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، توقف نزيف الفساد الذي يهدر قرابة 250 مليار جنيه سنويا، وتلجم تهريب الأموال الذي استنزف 300 مليار دولار في سنوات المخلوع مبارك، وتسترد حق الدولة في مئات المليارات الضائعة في الأراضي المنهوبة، بدلا من الحسم، لجأ السيسي إلى مهادنة مرئية مع النظام القديم، بجناحه السياسي في البيروقراطية الإدارية والأمنية المسيطرة لا تزال، وبجناحه الاقتصادي في عائلات رأسمالية المحاسيب، التي كونت أغنى طبقة مقابل أفقر شعب، وتعدت ثرواتها المنهوبة ما يملكه أغنياء الخليج مجتمعين، بما مكنهم من خوض حرب ضد السيسي الذي لم يبادرهم بحرب، وكسبوا على خرائط عامه الرئاسي الأول حروبا تلو حروب، وأفشلوا مبادرته الأولى المعروفة باسم «صندوق تحيا مصر»، فقد تصور السيسي أن مناشدة الأثرياء المصريين، وهم من أغنى أغنياء العالم، تصور أن المناشدة سوف تؤتي ثمارا، وتوقع أن يجمع «صندوق تحيا مصر» تريليونات الجنيهات، وتصور أن بوسعه جمع مئة مليار جنيه في أسبوعه الأول، وفوجئ على ما يبدو بخذلان المليارديرات، الذين رفضوا الدفع لصندوق تصوره الرئيس نواة إنقاذ، وخاضوا ضد الرئيس «حرب تكسير عظام» علنية، وهو ما دفعه للتحول من المناشدة إلى ما يشبه الإنذار، وعلى طريقة قولته الشهيرة «هتدفعوا يعنى هتدفعوا»، ولم تخضع «رأسمالية المحاسيب» لتهديد الرئيس، بل خاضت ضده حروبا أخرى، فازت بها جميعا، فهى تملك الثروة وقنوات الإعلام وأحزاب السياسة، وتحشد ملياراتها لشراء مقاعد البرلمان المقبل، وتحويل قوتها المالية والإعلامية إلى أداة ضغط سياسي، فوق الضغط الاقتصادي، بما جعل الرئيس أكثر حذرا في الاقتراب من امتيازاتها، بل بادر إلى تقديم امتيازات جديدة للطبقة الأغنى، ومن نوع خفض الضرائب على الدخل وعلى الشركات، من 25٪ إلى 22.5٪، ومع إلغاء ضريبة التضامن المضافة على الأغنياء بنسبة 5٪ لثلاث سنوات، وهو الضغط نفسه الذي استمر صاعدا إلى نهاية العام الرئاسي الأول، بخوض «رأسمالية المحاسيب» حربها الظافرة في البورصة، وإجبار الرئيس على إلغاء وتأجيل قراره بفرض ضريبة متواضعة على أرباح البورصة، لا تزيد نسبتها على عشرة بالمئة من الأرباح، وهي أقل بمراحل من النسب المناظرة في الدول الرأسمالية، ومع ذلك سحب الرئيس قراره خضوعا للضغط، ورفع ما يشبه راية الاستسلام البيضاء، وكان تزامن قرار إلغاء ضريبة البورصة مع تعيين أحمد الزند وزيرا للعدل، كان التزامن نذيرا وعلامة على توحش النظام القديم، واستيلائه على قرار الرئيس حتى إشعار آخر.
بدا الرئيس وحيدا في عامه الأول، وسط أنقاض جهاز إداري مترهل عديم الكفاءة، نخره سوس الفساد إلى أبعد مدى، وعجزالسيسي عن تحريكه وإنهاض همته، وبدلا من أن يلجأ الرئيس إلى حرب تطهير، تصور أن ضرائبها ثقيلة في وقت الحرب على الإرهاب، بدلا من اختيار حرب التطهير، لجأ الرئيس إلى حصنه الأقوى، لجأ إلى المؤسسة التي جاء من صفوفها، والتي خدم فيها لأربعين سنة مضت، ويعرف انضباطها وكفاءتها المذهلة في تنفيذ المهام، لجأ السيسي إلى الجيش، وإلى هيئاته الاقتصادية والإنشائية والصناعية، وحقق إنجازا يشبه الإعجاز، كما جرى في شق قناة السويس الجديدة، الذي تحقق في وقت قياسي صاروخي، وبطريقة الرئيس المفضلة، التي يلخصها دائما في سيرة الإنجاز في أقصر وقت وبأعلى جودة وأقل تكلفة، وهو ما بدا ظاهرا في مشروعات أخرى كشبكة الطرق بآلاف الكيلو مترات، وإنشاء مدن جديدة بكاملها، على ضفاف قناة السويس في منطقة الإسماعيلية، أو فوق جبل الجلالة على البحر الأحمر، أو في بواكير إنجاز مشروع استصلاح مليون فدان جديدة، وضمن تصور يضيف أربعة ملايين فدان زراعي في سنوات، أو في إحياء الهيئة العربية للتصنيع، أو في تطوير صناعة السلاح بعد ركود امتد لعقود، أو في إحياء المشروع النووي السلمي، وإعداد البنية الأساسية لمحطات «الضبعة» النووية الخمس، أو في استخدام طاقة الحد الأقصى لمصانع الجيش وورشه في تجهيز آلاف المركبات العسكرية والشاحنات المدنية، وتوفيرها لدعم الاقتصاد المدني بشروط وأسعار ميسرة، كذا التوسع غير المسبوق في إنشاء مجمعات صناعية، ومجمعات «بتروكيماويات» بالذات، وهو ما خلق قطاعا اقتصاديا صناعيا جديدا في مصر، قد تصح تسميته برأسمالية الجيش، وهي رأسمالية دولة من نوع مختلف، تديرها هيئات الجيش بانضباط وكفاءة وجدية، وتضم إلى الآن ما يفوق الألف شركة مدنية، ويعمل فيها ما يفوق المليون مهندس وفني وعامل، وتبدو كورشة عمل هائلة، تضيف إلى خرائط الاقتصاد الانتاجي دما وقطاعا عاما جديدا، يعمل بأساليب محترفة، ويحرم «رأسمالية المحاسيب» الموروثة من فرص نهب جديدة، وإن تردد الرئيس في تصفية الحساب القديم مع الناهبين، لكن تقدم «رأسمالية الجيش» على حساب «رأسمالية المحاسيب»، يوفر أسبابا موضوعية لتربص وصدام محتمل، قد تكون تأخرت مواعيده، وإن كان الظن أنها ستأتي قطعا، ولا تغيب في حسابات الرئيس الذي تراجع مرات أمام رأسمالية المحاسيب، وإن كان تكوينه الشخصي المخابراتي، مما يوحي بهدوء ظاهر، وعدم استعجال لصدام لا مفر منه.
نعم، امتاز عام الرئيس السيسي الأول بقوة الإنجاز، وإن كانت الآثار الشعبية المباشرة للإنجاز قد تتأخر إلى نهاية عامه الثاني كما قال مرارا، لكن الملمح الظاهر في طريقته، وربما في رؤيته، هو أولوية الدولة، وراقب ـ مثلا ـ ما جرى في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، فقد كان عملا خالصا للسيسي بامتياز، وحقق نجاحا فاق التوقعات في جلب الاستثمارات، وكان الطرف المصري في كل الاستثمارات الناجزة أو المفترضة، وباستثناءات نادرة، هو الدولة، وكثيرا ما يكون طرف الدولة هو الجيش، أو هيئات قريبة منه، أو خاضعة لإشرافه، خاصة في مجال الطاقة، التي يتبنى السيسي مشروعا طموحا لمضاعفة انتاجها في مصر، وهو طموح يبدو ممكن التحقق، خاصة مع نجاح الرئيس غير المنكور في السياسة العربــــية والإقليمية والدولية، وتحريره للقرار المصري من التبعية الموروثة لواشنطن، وإفساح المجال لتعاون مؤثر مع الكبار الصاعدين اقتصاديا وعسكريا، وبما يمكن من تطوير قــــوة الجيش وصناعة السلاح، والبدء في حركة تصنيع واسعـــة، يتكامل فيها الشق المدني مع العسكري، وربما تتطــــور إلى إحياء القطاع العام الصناعي القديم، وبما يضيف إلى معنى الاستقلال الوطني، ومعنى التقدم إلى حركة تصنيع شامل تحتاجها مصر بشدة، بينما يبدو معنى «العدالة الاجتماعية» غائبا بالجملة، وصفرا كبيرا في سجل الرئيس السيسي إلى الآن .
وقد لا يتسع المقام للاستطراد في ذكر تفاصيل مهمة، لكن الملمح العام لعام السيسي الأول يظل ظاهرا، فقد امتاز أداء الرئيس بالشيء ونقيضه، امتاز بقوة الإنجاز المدعوم أساسا من الجيش، وامتاز بضعف الانحياز للفقراء والطبقات الوسطى، الذين زادت حياتهم جحيما بسبب خفض دعم الطاقة بالذات، بينما هم الذين ساندوا الرئيس في الاكتتاب الشعبي المذهل لمشروع قناة السويس الجديدة، وجمعوا 64 مليار جنيه في أسبوع، وفي المسافة الممتدة بين قوة الإنجاز وضعف الانحياز، يكمن مأزق الرئيس، وتناقضات نظامه الخطرة، التي تنتظر ضربة حسم تأجلت كثيرا .
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل