قبل الدخول في مثال العمارة المحلية في العراق سنوات الثلاثينيات، لا بد من تمهيد يؤسّس للملاحظات.
العمارة المصرية سنوات الثلاثينيات
امتدادا لسنوات الاستعمار بداية القرن والعشرينيات، واستقبال الحداثة الفنية الوافدة منذ القرن التاسع عشر، ثم تشكل الدولة الوطنية المستحدثة، الفرِحة بفرادتها المتوهَّمة، شهد العالم العربي سنوات الثلاثينيات، معمارا (مستحدثا) بنِيّة هجر «الأسلوب الكولونيالي» الغربيّ الذي كان يسعى لإدراج ومزج العناصر الوطنية والمحلية التاريخية بعمارته الجديدة المنتصرِة، كان من نتائجها خلطة معمارية هجينة وعمائر متماثلة، لا روح فيها أحيانا على طول بلدان آسيا وافريقيا الخارجة من رحم الاستعمار، أو بالكاد، وفي أحسن الحالات عمارة تقلّد العمارة الأوروبية، أو تستجلب عناصرها المعمارية المحلية إلى النسق المعماري الأوروبي.
في مصر، ومنذ الربع الأول من القرن العشرين، عاش المعماريون إرهاصات المرحلة النهضوية ونشاط الحركة الليبرالية المصرية وصعود نزعة وطنية متوثّبة. فظهر في مطلع القرن العشرين معماريون يشتغلون في اتجاهين مهمومين بمعضلتي (التأصيل) و(التجديد) التي تؤرق الثقافة العربية حتى يومنا. التأصيل انطلاقا من المعماريين المستشرقين، عبر روّاد العمارة المصريين أمثال مصطفى فهمي، ومن قبله محمود فهمي، وتعمّق هذا الاتجاه لاحقاً على أيدي قطبي العمارة التقليدية المصرية رمسيس ويصا واصف، وحسن فتحي.
الاتجاه الثاني، كان يتجه نحو (تحديث) الرؤى المعمارية و(تجديد) الخطاب المعماريّ المعاصر، وليس الانهماك بـ(الحداثة) و(المعاصرة) ـ فالفارق الدلاليّ كبير بين «التحديث» و»الحداثة» وبين «الحديث» و»المعاصر» ـ عبر التفاعل مع منجزات الثقافة الأوروبية والدراسة في المعاهد الغربية، فعاد علي لبيب جبر ومحمد شريف نعمان ومحمود رياض ومحمد رأفت ومحمود الحكيم، من الذين أكملوا دراستهم في إنكلترا، وكان من المعاصرين لهم الأخوان حسن ومصطفى شافعي وأحمد شرمي وأحمد صدقي وآخرون من الذين أكملوا دراساتهم في مدرسة الفنون الجميلة في باريس وسواها. ونقل بعضهم مفاهيم لوكوربويزيه و»مصرّها» أمثال سيد كريم العائد من دراسته في سويسرا بعد الحرب العالمية الثانية في نهاية الأربعينيات.
المأزق، وهو مشترك في جميع أنحاء العالم العربي، سوى استثناءات، هو أن مصر شهدت على مدى أربعة عقود ما بين الحرب العالمية الأولى، ونهاية الحرب العالمية الثانية انهماكا معماريا بقضية الهوية الثقافية والحضارية. وهو ما شهده العراق تشكيليا في الأقل منذ سنوات الأربعينيات وبالمفردات نفسها: «الهوية الحضارية» حسب بيان جماعة بغداد للفن الحديث. إن مرجعيات هذا التأصيل والتجديد المعماري المصري كان يجد في العمارة المملوكية والفرعونية (والقبطية) والإسلامية أصلا، وكان من نتائجه سنوات الثلاثينيات والأربعينيات عمائر لا تضيف لمسة مغايرة لروح العمارة المصرية الفرعونية والمملوكية والإسلامية الأصلية. كان مفهوم الهوية الحضارية يحمل عند التطبيق، التباساَ، خاصة أنه كان يشيح غالبا عن «مفهوم الحداثة» العميق مطوّعا إياه لصالح المفاهيم القديمة السائدة، أو متجاهلا «كلية» المفهوم ثقافياً وإنسانياَ واجتماعياً، مستخدما إياه بطريقة لفظية أحياناً.
بعبارة أخرى كان يجري الاعتقاد حينها في مصر الحديثة أن مجرد إضفاء بصمات خارجية فرعونية أو مملوكية على النماذج المعمارية الجديدة كفيل بتجديدها ووضعها في عالم الحداثة. في الخمسينيات والستينيات الملكية هرع المعماريون المصريون في المقابل على نطاق واسع (لاستلهام) النموذج الغربيّ للعمارة، كما في العراق. يعرف الجميع الأمثلة. لم يُحلّ المأزق بهذا الطريقة أيضاً.
سنتوصّل إلى هذه النتيجة عند رؤية أمثلة معمارية جليلة في القاهرة، حتى بعمارتها المستحدثة، كنقابة الأطباء (تأسست النقابة في القاهرة عام 1920 ثم عام 1926) ونقابة المهندسين (تأسست في سنة 1946) والمعهد الملكي للموسيقى العربية (تأسس عام 1914 وافتتح في عهد الملك فؤاد الاول سنة 1922).
السياق الثقافي والتاريخي والروحيّ المعقد والثري لمصر، لم يكن يسمح بنمط ثابت من العمارة. فهي بلد تتعايش فيه طبقات أركيولوجية معمارية متباينة، وتعيش فيه مختلف أصناف العمائر الحديثة والقديمة، ولمختلف الطبقات الاجتماعية، المدينية والريفية، ولديها كلها «ذاكرة معمارية متيقظة». فقد كانت العمارة السكنية في مصر، قبل شيوع فكرة الشقق، تستهدي حتى سنوات الثلاثينيات، بل الخمسينيات بنماذج العمارة السكنية السائدة في العصر المملوكي، والعصر العثماني (وهذه هي استمرارية التقاليد والمعارف المحرومة منها بلدان أخرى في المنطقة). يصير جليا الآن أن الطراز المملوكي على سبيل المثال، ضارب في الوعي الشعبيّ كما الوعي المعماريّ المثقف. وكانت أبرز أنواعها السكنية (القصور)، و(المنازل الخاصة «تدعى المنازل القاهرية»)، و(المباني السكنية المجمعة «تسمي الربوع») وكذلك (المباني السكنية الملحقة بالمباني الدينية).
أما القصور فكانت عمائر فاخرة تُستخدم أيضا للاجتماعات الرسمية والمناسبات. أما المنازل الخاصة «تدعى المنازل القاهرية» فتشمل العمارة السكنية التقليدية في القاهرة في الفترة من أواخر عصر المماليك (1259 ـ 1517) حتى العصر العثماني (1517 – 1805)، حيث كانت فكرة المنازل الخاصة منتشرة. أما الربوع فهي منازل جماعية لذوي الدخل المحدود أو التجار وعوائلهم، وتقع فوق مباني الوكالات، أي في الطابق العلوي من الوكالة ولها مدخل منفصل، أو في بعض الاحيان توجد الربوع في مبان منفصلة. كان تصميم المباني السكنية المملوكية والعثمانية يمتاز بوجود بضعة عناصر مثل: المقعد» و»الفناء الداخلي»، «المشربية»، قاعة الاستقبال «القاعة الرئيسية». وعلى مستوى المسقط الأفقي تتميز بالمدخل المنكسر، والـ «سلاملك»، إلخ. وكانت هناك ثلاثة أنواع رئيسية من المنازل السكنية تضرب في تقاليد القرن التاسع عشر، بقي جُلّها حتى يومنا: منزل العائلة الواحدة، مجموعة من المنازل حول فناء واحد، المباني السكنية التقليدية وتتكون من شقتين أو ثلاث شقق.
هذه التصاميم تتابع غالبا النماذج العثمانية والمملوكية، وبعض التقاليد الفرعونية القديمة المتوارثة. وهي تصاميم في غاية الثراء المعماري. ونقطع بأن مهندسيها لم يكونوا من الأسماء المجهولة. وفي هذه المنازل السكنية نلاحظ أن الواجهات الخارجية للعمارة أقل أهمية من تصاميمها الداخلية ووظائفها، خلافا لغالبية العمارة الحديثة التي تركّز عموماً على الواجهات الخارجية، أكثر من تصاميمها الداخلية ووظائفها. رغم ذلك لا يجري تسليط الضوء الكافي على العمارة السكنية المصرية وأسماء وإنجازات معمارييها، حتى لو لم يكونوا من المجهولين.
لا مثيل لذلك في العراق الحديث الذي ظل سياق العمارة فيه حكرا على الأرستقراطية المرتبطة بالدولة العثمانية، التي رغبت بإعلان غناها وتميّزها وتفوّقها وسطوتها، عبر بناء (القصور) الفخمة، وسط شعب فقير، مُفقَر، كان يجري النظر إليه بازدراء، وإلى تاريخه العريق بتجاهل له، أو بجهل به. أما العمارة السكنية في العراق، فلا تمتلك مثل استمرارية تقاليد مصر، أو أن تقاليد العراق عانت من الانقطاع، فلم يبق شيء نعرفه حتى عن تقاليد العباسيين السكنية، إلا إذا اعتبرنا طريقة سكنى العراقيين الحالية امتدادا لها، أو إذا اعتبرنا أن هناك «ذاكرة معمارية» على شاكلة كل ذاكرة أخرى: ذاكرة شعرية وذاكرة بصرية وذاكرة سمعية وأخرى فمّية، إلخ تؤدي إلى توطين تقاليد محددة في العمارة، ونميل إلى فكرة «الذاكرة المعمارية»، التي تجد لها تبريرا ومصداقية في الأهمية الاعتبارية والوظيفية الممنوحة لـ(أسطوات البناء) حفظة هذه الذاكرة ونَقَلتَها من جيل لجيل.
العمارة التونسية سنوات الثلاثينيات

لو صوّبنا أنظارنا شطر تونس، بوصفها مثالاً مغايراً لمعضلة تراجع الممارسة المعمارية المحلية، مُنْجَزاً وأسماءً في البلد، لوجدنا أن الطراز المعماري السائد، أقلها في عمارة العاصمة، يوصف مرة بأنه آرت ديكو Art déco ومرة فن جديد Art nouveau. وهما فنانان أوروبيان قريبان أسلوبياً من بعضهما.
الفن الجديد لار نوفو (Art Nouveau) هو أسلوبُ ساد في العالم، في الفن والهندسة المعماريةِ والتصميمِ، وبَلغ الذروة في بِداية القرنِ العشرين (1880-1914)، لكن هذا التاريخ إشكالي حقاً. البعض يعتبر عام 1890 عام ظهوره، وهو في تقديرنا ال
أقرب للدقة. يتمَيَّزُ بتصميماته المتُجَدَّدِة،
وركون تصميماته على الخطوط المنحنية، واستلهام أشكال الأزهار والنباتات عموماً. انطلق من فرنسا ووجد له صدى أكبر في بلجيكا، حيث قدّم فيكتور هورتا وهنري فان دي فيلد مساهماتَ رئيسيةَ في مجال الهندسة المعماريةِ والتصميمِ. كما شهد الآرت نوفو البريطانيِ تطوّراً أكبر في الحِرَفَ والفنونَ التطبيقية. وكان المركز الأكثر أهميةً في بريطانيا غلاسكو بما أبدعه تشارلز رينيه ماكينتوش. الفويرقات التي اتخذها هذا الفن حسب البلدان، لا تمنع من رؤية المشترك: يتميز لار نوفو بالاكتشافية l’inventivité، وحضور الإيقاع والألوان والزخرفة المستلهَمة من أورق النبات والحشرات والحيوانات، التي تُنتج كلها «حسيّة» ما في الديكور اليومي. وهو فن شامل بمعنى أنه يشغل كل الفضاء المتيسّر من أجل خلق عالم شخصيّ كان يُعتبر ضرورياً لازدهار الإنسان في بداية القرن العشرين.
أما مدرسة لار ديكو L’Art déco فقد ظهرت في فرنسا، من الهواجس نفسها، بعد عام 1910 وانتشرت في أوروبا عام 1920 قبل انطفائها في أوروبا سنوات الثلاثينيات. وكانت فاعلة في أعمال الفنون الزخرفية والعمارة والتصميم والموضة وجميع الفنون البلاستيكية. وقد اتجهت نحو الخطوط البسيطة والتشكيلات الكلاسيكية والاستخدام المختصر للديكور وبالرغبة بالعودة إلى التنظيم والسيمتيرية (التماثلية) وإلى الرصانة. يُذكر أنها استوحتْ خطوطها من العديد من الطرز البدائية كالخطوط الافريقية والفرعونية والأزتيكية وغيرها. إذا ما كانت مفردات لار ديكو متنوّعة، فإن وحدته الأسلوبية تأتي من الاستخدام الهندسيّ géométrie ونزعة التهندُس géométrisation (إذا صحّت الكلمة رديفاً) لأغراض ديكورية في المقام الأول، كما أن حضور الزينة المخصوص على واجهات البنايات يستهدف تقديم صورة عن أصحابها والآمرين ببنائها، أو أنها تستحث فكرة اللهو والمتعة مثل الواجهات التجارية والمحلات الحديثة، وصالات السينما، وكذلك في العمارة السكنية التي يصير الديكور فيها علامة على التمايز الاجتماعي. إن بوادر لار ديكو Art déco ظهرت كرد فعل ضد الفن الجديد l’Art nouveau بداية القرن العشرين في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا، حيث جرى نقد أشكال هذا الفن على أساس كونها «لينة» بل إن أسلوبه «مائع»، فاتجه الفنانون والمعماريون إلى الخطوط البسيطة والتكوينات الكلاسيكية. في النمسا استبدل بسرعة الخط المتموج السائد في لار نوفو بشبكة من الخطوط المتعامدة وبأحجام بسيطة، تحت تأثير المعمار والمصمم الأسكتلندي ماكينتوش. وكان كل من جوزيف هوفمان وموسر وأوتو فاغنر ووايتر ويركشتات الفنانين الأساسيين لهذا الاتجاه.
ونرى أن هناك امتداداً وخيوطا تربط بين لار نوفو ولار ديكو، تتمثل جوهرياً في أنهما يستندان إلى نزعة تزويقية لا غبار عليها، وكلاهما يمتدان إلى أنواع عديدة من أنواع الفن: من العمارة حتى تزويق الأشياء البسيطة اليومية. الفارق بينهما يظل حول خيارات التزويق: بالخطوط المائعة اللينة التي فضّلها لار نوفو، أو بالخطوط البسيطة الكلاسيكية الصارمة التي فضّلها لار ديكو.
جل العمارة التونسية الجديدة كانت وفق أسلوب هذين الفنين. وعلى يد معماريين فرنسيين (تعتبرهم بعض الثقافة التونسية من المواطنين التونسيين). ففي سنوات الثلاثينيات، شهدت تونس نشاطًا معمارياً مهماً، حيث ظهر معماريون ساهموا في تشكيل المشهد المعماري السائد في عاصمة البلاد. يُذكر من بين هؤلاء المعماريين في سنوات الثلاثينيات:
إيمي كريف Aimé Krief 1911-1997: المهندس المعماري الذي اشتهر بتصميمه لكنيس أور تورا في تونس. جون سيباج Jean Sebag 1909 ـ 1978: المهندس المعماري الذي عمل مع إيمي كريف في تصميم كنيس أور تورا.
إضافة إلى هؤلاء، هناك العديد من المعماريين المنسيين، وكلهم من أصول فرنسية، ممن عمل في تلك الفترة، وساهم في بناء العديد من المباني. وفي الحقيقة لا نعرف اسما محليا تونسيا واحدا حتى ذلك الوقت بالتحديد. كما أننا نتعرّف على العاصمة تونس بصفتها «مختبرا عالمياً» للآر ديكو Art déco والآر نوفو، بحيث لا يوجد في العالم، وفق تقديرنا، بلد آخر يحتوي هذا الكمّ من بنايات هذين الفنين، من أشهرها المسرح البلدي والبالماريوم وفندق غراند دو فرانس ومبنى دو غويدي. جل البنايات ظلت مأهولة بالمستوطنين الفرنسيين حتى رحيلهم بعد استقلال تونس عام 1956. من ثم سكنها التوانسة حتى يوما.
كان عامة الشعب التونسي، عدا أرستقراطية العاصمة قليلا، تبني وفق تقاليدها المتوارثة، على يد بنائين محليين لا نعرف عن غالبيتهم شيئا. المأزق في تونس مزدوج ومعقد. ثمة في تونس رغم ذلك «ذاكرة معمارية» يبني الناس بيوتهم وفقها، ذاكرة متوارثة وضاربة بأقدم العصور القرطاجية والرومانية والريفية والإسلامية، والمعمار الفرنسي الاستعماريّ. يكفي أن نشاهد عناصر «ذاكرة هذه العمارة» متمثلة في ما يُباع جاهزاً منها مصنوعاً بالقوالب، باعة الأحياء وطرق المواصلات العامة، لعرفنا عمق توطّنها في المجتمع التونسيّ.
العمارة العراقية سنوات الثلاثينيات
لكن الصيغة الأقوى لهذه «الذاكرة المعمارية» راسخة وقوية في العراق الذي لا يمتلك رسوخ وتوارث تقاليد مصر العمرانية ومحفوظات ملكيتها غير المنقولة، ولا مأزق الإرث المعماري الاستعماريّ التونسي الذي لم يُمح من الذاكرة، رغم سطوته، تقاليد العمارة الشعبية المحلية والريفية.
يوجد في العراق اليوم من 5 إلى 10 منازل فخمة تُصنّف (قصوراً) من سنوات الثلاثينيات. قصران منها يبدوان قريبين للغاية من تصميم المنزل الذي رسمه العباسيّ يحيى الواسطي لقصر سيدة في بغداد. هل محض صدفة؟ أم أن إرث العمارة العباسية ـ السلجوقية كان راسخاً في مكان ما من الوعي الثقافيّ؟
الصورة في الوسط: مقامات الحريري المحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية (برقم Ms Ar 5847) من رسم الواسطي (عام 1240م تقريبا): قصر سيدة عباسية (الورقة f120). رَسَم الواسطي عمارة لخان مماثل للخانات العراقية المعروفة، مما يدلّ على دقته التوثيقية وأمانته.

يشابه تصميم الواسطي منزل المغنية سليمة مراد وأختها ريجينا في ثلاثينيات القرن العشرين (يمينا). كان منزل سليمة مراد يقع على شاطئ دجلة قرب مستشفى المجيدية. من المثير للفضول قول الكاتب أمين المميز مؤلف «بغداد كما عرفتها» إن «قصر سليمة مراد لم يشيِّد مثله منذ العهد البويهي والسلجوقي». يسارا: منزل رشيد عالي الكيلاني في الأعظمية، راغبة خاتون شمال بغداد، شُيّد بين السنوات 1925 ـ 1935. بحضور الصور، من العبث أن نشرح الملامح المشتركة في التصميم، كأنها خارجة من مكتب معماري واحد (ومثلها بدرجات متفاوتة في بغداد تصاميم منازل مكي حسين بهية وناجي الخضيري وصالح صائب الجبوري). ملامح تستدعي بالضرورة وجود «ذاكرة معمارية» نقلت التصاميم من جيل لجيل. وهذا لا يمكن تفسيره فقط بغياب حركة معمارية عراقية مستقرة ومتوارثة، ولا تأويله بإمكانية تقليد المعماريّ العراقي للعمارة السكنية العثمانية (التي لعلها كانت تستهدي بدورها بالعمارة السلجوقية).
من المرجّح إذا لم يكن أكيداً، وجود معماريين ومهندسين عراقيين من القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلاديين، لا نعرف لهم حضورا ولا فاعلية، بقوا يشتغلون وفق الأنماط التاريخية للعمارة العباسية السلجوقية، ومع انطفائهم التدريجي أورثوها لأسطوات البنّائين الضروريين لتشييد بيوت الناس.
من المرجح أن يكون مصمّمو هذه القصور قد استهدوا، إضافة لذاكرتهم، بكتالوغات ذلك الزمن المعمارية المقبلة من إسطنبول، وكان الزبون يختار منها التصميم الذي يعجبه. لقد انتقل الإرث العمراني العثماني إلى العراق، كالقشلة ودار الوالي وقبة السراي والمحاكم القديمة وجامع الوزير. لكننا لا نعرف في عراق العشرينيات والثلاثينيات، إلا أسماء قليلة للمصممين، منهم معماريّ عراقي تكوَّن بدوره ثقافياً ودراسياً في سياق الثقافة العثمانية، هو نعمان منيب المتولي (1898ـ 1961) الذي صمّم بضعة منازل في بغداد: منزل توفيق السويدي الذي نفذ عملية البناء فيه الأسطة الماز 1932، ومنزل ناجي الخضيري في الأعظمية 1930، ومنزل سلمان الشيخ أحمد الداود في شارع أبي نواس، وسوق الأمانة، وفندق الأمير، وبناية جمعية الطيران العراقية، ودار سينما الزوراء 1937 (بأسلوب آر ديكو Art déco).
يكون أقرب للاحتمال أن أساتذة البناء البغداديين (الأسطوات) هم عملياً أكثر شغفا بمعمار هذه القصور، تحت إشراف شخص متعلم، بل معماري يقدّم أفكاراً نظرية ومخططات تاركاً التنفيذ لهم. ذلك أننا نعرف أن بعضهم عمل تحت إشراف بعض المعماريين: مرة المعمار التركي نطقي بك، ومرة في منزل إسماعيل الشوربجي الذي وضع تصاميمه معماري يوناني نجهله عام 1931. ومرة ثالثة بإشراف المعماري شريف يوسف (عمارة فتاح في شارع الرشيد). وبينما شدَّت العمارة العثمانية السكنية عملياً جيل المعمارين العراقيين الأول (نعني الجيل العشريني قبل ظهور جيل الحداثة الثلاثيني) أمثال أحمد مختار إبراهيم (1908ـ 1958) وشريف يوسف (1907-1998) ومن عاصرهم، أو لحقهم أمثال حازم نامق (1927ـ 2013) وجعفر علاوي (1915 ـ 2005) وعبد الله إحسان كامل (1919ـ 1985) ومدحت علي مظلوم (1913-1973) وسامي قيردار (1910ـ 1964)، فإن فاعلية أسطوات البناء ومساهماتهم في عمائر هذا الجيل لا تُنكر ولم تُدرس بشكل كاف.
يقول الجادرجي: «حسبما أعلم أن أول المعماريين الذين دخلوا العراق، هم معماريّون بريطانيّون جاؤوا مع الجيش البريطاني في مطلع العشرينيّات من القرن الماضي. أمّا في الثلاثينيّات فكان هنالك مهندسون أجانب وليس معماريين». ويقول خالد السلطاني: «كانت الممارسة البنائية في العقد العشريني تنطوي على تداخلات وتقاطعات في النهج بين طرق البناء التقليدية وأساليب العمارة الجديدة».
وفي أغلب الظن أن تصميم هذه القصور البغدادية في تلك السنوات، بغياب حركة معمارية راسخة ومعماريين وقّعوا البنايات بأسمائهم، كانت خلطة إبداعية، للأسطوات فيها حصة وافرة. كما أن تقسيم العمل بذلك الغياب، لم يكن أمراً يجري التشبُّث والالتزام به. جميع المعطيات تبرهن على إنهم لم يكونوا عمّال بناء عاديين ولا أسطوات بارعي التنفيذ، فإن ذاكرتهم المعمارية كانت مشحونة بالتفاصيل الجمالية والتقنية. الأسطوات هم نقلة وذاكرة العمارة العباسية.
شاعر ومؤلف عراقي