ما زالت أوطاننا في بلاد العرب ـ إلا ما رحم ربي منها – تدير ظهرها للمبدع العربي تاركة إياه يلهث وراء لمّ شتات صرح إبداعه، وبناء مقومات مشروعه الأدبي أو الفكري، من أجل توسيع بقعة الضوء المعرفية في مجتمعه، أو ترسيخ قيم الإبداع والارتقاء بالذائقة الجمالية. وهي المهمة العامة التي ينبغي للدولة أن تنهض بها وتخطط لها وتديرها، بحكم مسؤوليتها وإمكاناتها، بدلاً من أن يتحمل المبدع الفرد أعباءها لتجابه مسيرته عنتاً ومصاعب إضافية، لا قبل له بها. ليس هذا فحسب وإنما هي تغضّ الطرف عمّا يقوم به بالنيابة عن مؤسساتها الثقافية، طالما كان مشروعه بعيداً عن فلسفتها، غير مقترب من مساءلتها، أو توسيع دائرة الحوار في إبداعه بين الأدب والحياة، أو الحرية والإبداع، فإن حاول ممارسة حريته في الحوار والمساءلة، فإن حريته ستكون مهددة بالفقدان. ذلك هو القانون الذي يحكم معظم مجتمعاتنا ويمثل أحد الأسباب التي تحول دون تقدّمها واستمرار حركة النهضة، كلما تجلّت مقدماتها، وشهدنا ظهور حلقاتها وبروز قامات فكرية وثقافية تقدّم طروحات تنبئ عن ثراء فكري ومعرفي وإبداعي في كل مرحلة. وبدلاً من أن يحمل لنا القرن الحادي والعشرون آملاً جديداً، وتباشير انعطاف نحو التقدم والتحولات الناجحة، والتماسك الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإشاعة قيم الديمقراطية الحقة، بوغتنا بتفشي حالة الانقسام، واتساع مساحة التشظي، وبروز نزعات الأصولية والحروب التي دفع المواطنون، وعلى رأسهم المبدعون والمثقفون ثمنها غالياً، في شكل هجرات وبعد عن الأوطان، متوزعين في الشتات، مرغمين ومضطرين.
ولعل ما يُحسب للمبدع العربي الذي وجد نفسه في ديار الشتات مرغماً، أنه لم يستمر في استحضار وطنه، والتعبير عن هويته وتمثيل مفردات مجتمعه، فضاءاتٍ وأجواء وشخصيات، طيلة عقود من الإقامة خارج وطنه فحسب، بل وجدنا هذه التمثيلات تزداد كثافة وحضوراً، لتشكّل ثيمة محورية في نتاج هؤلاء المبدعين بأشكال مختلفة وطرائق متنوعة، من دون أن تغيّر هذه المرة شيئاً في كيان مؤسسات الدولة تجاه هذه الرموز الإبداعية أو تدعوها إلى أن تتخذ مواقف تليق بما تركته من بصمة أو منجز صار موضع احتفاء الجميع بها. وها هو الأديب والشاعر والمثقف حميد سعيد وقد امتد عطاؤه الشعري الخصب في مغتربه، لتتدفق مسيرته عقب تحرره من مسؤولياته السابقة، وتتنوع اتجاهاته، وتتّقد صوره، وتتّخصب رموزه، وتصفو لغته حتى إني فوجئت بمجموعاته التي كنت انقطعت عنها زمناً، لأجد نفسي لا أملك إلا الضياع بين صفحاتها أخطّ من الهوامش والملاحظات والتأطير، الذي لا أعلم متى يمكنني الوقوف فيه، ولا كيفية البدء به، ومن أين تكون القراءة أو تنتهي رحلتها بين هذه السعة من الرؤية وشعابها وجمالياتها.
من هنا فلم يكن غريباً أن يحظى شعر حميد سعيد بالفوز بجائزة ذات مكانة كبيرة وسمعة طيبة كجائزة سلطان العويس الثقافية مؤخراً، بعد مسيرة حافلة بالخصب والثراء والتنوع، حفلت بصور الحوار بين الثقافات، وبالحسّ الإنساني المتّقد، وباللغة الرائقة وبتمجيد كفاح الإنسان ورحلته عبر الحضارات والأزمان والثقافات، وإلى جانبه تفوز الروائية إنعام كجه جي، التي لم تفتأ تقدّم أعمالها الروائية التي حفلت بها الفضاءات الثقافية، وتناولتها أقلام الدارسين والنقاد وهي تحكي ملحمة الأوطان اللافتة، في مجدها وانكسارات إنسانها وتراجع تقدمه وفرص عيشه، لتأتي الجائزة مؤكدة رمزية المبدع العراقي الذي يرفع اسم بلده، من دون أن يكون للدولة أي موقف أو اهتمام بحدث كبير كهذا. يحدث هذا في بلدِ أولى الحضارات، فهل له من تفسير يا ترى؟
كاتب عراقي