ما بين الحمار والملجأ … أيهما أكثر إنسانية؟

في زاوية ما من غزة، حيث تهدم البيوت على رؤوس الأطفال قبل أن يتعلموا العد، كان يقف طفل في العاشرة، لا يحمل بندقية، ولا يعرف عن العالم أكثر مما يمر عبر شقوق جدران بيته المهدم… لكنه يعرف ما يكفي ليخاف من كلمة اسمها «غارة».
كان يحمل دلواً من البلاستيك، ممتلئاً بنصف لتر من الماء فقط. خطواته حذرة، ليس لأنه يخاف من القناص…لا، هو فقط كان يخشى أن يسقط الماء. الدلو ليس له. ولم يكن ذاهباً ليشرب. كان يبحث عن الحمار.
حمار رمادي اللون، اسمه سندباد، وهو الاسم الوحيد الذي لا يقصف في غزة، لأنه ليس على لائحة المطلوبين. الحمار مربك، لا هو أليف ككلب، ولا جليل كحصان، لكنه الرفيق الوحيد المتبقي لعائلة هذا الطفل. كان ينقل لهم ما تبقى من الحطب، أو يساعد في الهروب حين تغلق الأزقة، أو يقف بلا حركة حين ينهمر الصراخ والدم.
الطفل كان عطشاناً. شفاهه جافة كصحراء شاحبة ، وعيناه فيهما رماد أكثر من الضوء. لكنه حين رأى الحمار، ركض نحوه، مد يده بالدلو وقال: اشرب… قبل ما تموت.
عبارة بسيطة، لكنها تفضح هشاشة هذا العالم. طفل يسقي حماراً كي لا يموت، بينما آلاف الكبار في هذا الكوكب لا يمدّون كوب ماء لطفل يقصف كل صباح.
أين الإنسانية؟ لا، ليس هذا هو السؤال.
السؤال هو: لماذا، في هذه البقعة المحاصرة، يبقى الطفل أكثر إنسانية من كل مؤسسات الأمم المتحدة مجتمعة؟ كيف يعرف أن للعطش طعماً مراً، وأن الموت لا يجب أن يكون مصير الحمار المسكين… حمار بريء من كل الحروب والذين يخوضونها.
ويبقى باب الملجأ مغلقا
في مكان آخر، في مدينة محتلة أشد أماناً من غزة، رغم كل الحروب التي يشنها محتلوها على جيرانهم، وقف عامل آسيوي أمام باب ملجأ إسرائيلي خوفاً من الصواريخ الإيرانية التي تلعلع في سماء تل أبيب وهو يحمل بطاقة هوية قانونية. كان يعرق، ليس من الخوف فقط، بل من التعب. طوال الأسبوع كان ينظّف المراحيض في مبان فارغة، ويغسل الصحون في مطاعم تطبخ طعاماً لا يأكل شيئاً منه، لكن حين دوّت صافرة الإنذار، قرّر أن يحتمي.
ركض نحو أقرب ملجأ. لكن باب الملجأ أغلق في وجهه. حارس مسلّح نظر إليه ببرود وقال: هذه الملاجئ للإسرائيليين فقط.
حاول العامل أن يشرح. أشار إلى الصواريخ في السماء، إلى الأرض التي ترتجف تحت قدميه. لم يكن يتكلم العبرية جيداً، لكن كلمة «حياة» مفهومة في كل اللغات.
مع ذلك، أغلقت الأبواب في وجهه.
جلس أمام الملجأ، ووضع رأسه بين يديه.
ربما فكر في زوجته أو في أمه التي لا تعرف أنه في بلد يقصف ويقصف. ها هو ، للمرة الأولى، يكتشف أنه أقل من حمار في غزة.
على الأقل، هناك، طفل يعطي الماء لمخلوق لا يتكلم ولا ينطق. هنا، لا أحد يمد يده لإنسان لمجرد أنه لا يملك هوية زرقاء.
نعم، قد يبدو المشهد كوميدياً في ظاهره… عامل آسيوي يطرد من ملجأ يفترض أن يحمي البشر، وحمار يسقى الماء قبل صاحبه. لكنها ليست كوميديا عادية. إنها كوميديا سوداء، بكل ما تحمله الكلمة من عبث.
كأن رأس هذا العالم يدور في دوامة هزلية: إسرائيل تقصف، إيران ترد، أمريكا تبارك لإسرائيل، الغرب يطبل ، والعالم يغيّر صورته الشخصية على فيسبوك ثم يعود إلى النوم.
لكن الحقيقة هناك، في التفاصيل الصغيرة: في صوت طفل يقول «اشرب»، وفي يد تطرق باب ملجأ لكنه يبقى مغلقاً.
في هذه اللحظة، وسط هدير الحرب بين إيران وإسرائيل، وبين الطائرات التي ترسم الموت على خرائط غير مرئية، نعود إلى صورة الطفل والحمار. ذلك الطفل لم يدرس الفلسفة، لكنه فهم درساً لم يفهمه نيتشه: أن من يقدّم الماء لحيوان في لحظة عطش، أكثر إنسانية من ألف عقل يبرّر الإبادة.
وذلك العامل، الذي جلس تحت صاروخ محتمل السقوط، لم يكن يطلب كثيراً. كان يطلب سقفاً. لكنه اكتشف أن في إسرائيل، الملجأ لا يعني نجاة الجميع، بل فقط من تنطبق عليهم شروط الدولة العنصرية.
ربما ستنتهي هذه الحرب كما تنتهي كل الحروب: بلا إجابات.
ستكتب تقارير، ويعقد مؤتمر سلام، وتنشر صور مؤثرة، ثم ينسى كل شيء.
لكن الطفل لن ينسى سندباد.
والعامل لن ينسى صوت الباب وهو يغلق في وجهه.
والتاريخ؟ التاريخ يملك ذاكرة طويلة، أطول من القذائف، وأشد صمتاً من الخوف.
في روايات القرن الواحد والعشرين، البطل لم يعد يحمل سيفاً. صار يحمل دلواً من الماء. والعدو لم يعد يرتدي خوذة، بل بدلة رسمية، وهو يتحدث عن الأمن والدفاع والحق.
في هذا العالم، لا نحتاج أكثر من مشهد بسيط: طفل يسقي حماراً، وعامل يريد أن يحتمي في ملجأ موصدة أبوابه، كي نفهم أن الإنسانية فعل صغير لا يحتاج موافقة دولية.
في النهاية، السؤال ليس: من سينتصر في الحرب؟
بل من يتبقى فيه ما يكفي من الإنسان الإنسان كي يموت بشرف.

 كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية