من معاناة المرض الذي هدّ مفاصلَ هواجسها، إلى التعلّق بتراب الوطن الذي تجشّمت غصص التلّهف له، تركّز فكر نادية تويني، الذي بذلته جسراً يمتدُّ بين الفاصل إليه والحائل عنه.. تعرّت كلماتُها من التجاذبات الأفلاطونيّة في التحليل السوسيولوجي المثالي، وتدثّرت ببردة التمنّي في فلسفة السيميولوجيا، التي تشخّصُ الأمكنة وتجزّئ الماورائيّات إلى محطّات تُرى وتُكتب وتُعاش. وقد انغمسَ أدبُ نادية تويني بتلابيب السياسة التي أشرقت على عالمها، من خلال النافذة التي فتحها زوجها غسان تويني عندما أسّس دار النهار، فآزرت حريّة التعبير وناهضت الظلمَ والتطرّف والتدخّلات الطائفية، وانعكسَت آراؤها في زوايا شعرها شلالاتٍ من التحسّر على مصاطب الوجع.
كان شعر تويني الذي يعي عذاباً كونيّاً يركنُ للطوباويّة المطلقة، حتّى إن لم تمل إليها في الظاهر، وقد تجنّدت استيهاماتها الذاتيّة في تتبّع إحساسها نحو عدم المكوث في لحظةٍ تأمليّة محدّدة، فهي ترشق الأفكار الكونياليّة بحجارةٍ من الترويع، ثمّ تطلق سهام الشوق إلى وطنٍ يسكنها وتلتمسُ جروحه، لتصبحَ جزءاً من علّتِها، لتصبحَ طريحة التراب الذي تشبّثت أناملها بحفنة طيبه. فلم تعبأ بنظرة البيئة التي عاشت فيها عندما نقضت قانونَ المجتمع، وتزوّجت من غير دينها، وكذلك عندما كتبت فرانكفونيّتها بحس الثورة، وعبّرت خلف المتاريس الاوروبيّة عن شجنٍ خفي لا ملاذَ له سوى التمرّغ على صدر الأرض التي عشقتها.
كان المسعى التحويلي لها عبر التدليل على ما كان عليه لبنان وما آل إليه بعد التشنّجات الجهنّمية التي مرَّ بها، فطبّقت مثل أورفيوس قانون الجذب الإغريقي للكائنات المتحرّكة، وكانت امرأة في جسم طيرٍ صغير، يغرّدُ عبر سحاب الحنين وينبضُ بسياسةٍ فكريّة حصريّة، تندّدُ بالإرهاب الذي حاربته عائلة تويني على مرّ الأزمنة.
في قصيدة «بيروت» تقولُ تويني:» إن تكن غانية، عالمة، أو ورعة/ شبهَ جزيرةٍ للصخب، للألوان والذهب/ مدينة تجارة، ورديّة اللون تُبحر كباخرة/ تبحثُ في الافقِ عن حنانِ مرفأ/ ألفَ مرّةٍ ماتت وألفَ مرَّةٍ قامت من الموت/ بيروت القصور المئة وبيريت الحجارة/ يقصدونها من أيّ مكان ليرفعوا التماثيل/ تدفعُ الناسَ إلى الصلاةِ وتجعلُ الحروبَ تصخب/ لنسائِها عيونُ الشواطئ التي تُوقدُ في الليل/ وشحّاذوها يشابهون عرّافاتٍ غابرات/ في بيروتَ كلّ فكرةٍ تسكنُ منزلاً/ في بيروتَ كلّ كلمة إنّما هي تباهٍ/ في بيروت تحلّ الأفكارُ والقوافل».
هذا التدفّق التعبيري لا يحتاجُ إلى ترَفٍ مناوري ليحدثَ هزّةً داخليّة، فالطوفانُ متربّصٌ في داخلها، يصطلي الرفضَ المطلق للواقع، ويحجم عن التريّث ليهزَّ صيرورتها الساكنة، ويستقبلُ أكثر الكلمات حذقاً في التنفيس الفلسفي عن الانخراط الوجداني في عالم الجنون العاطفي في عشق الوطن والرؤيا التخمينيّة للدمار الذي حلَّ على الجميع. فهي لا تحبّذ الكلمات البراغماتيّة، أي العمليّة وتستخدمُ العبارات الدالّة على التمزّق الداخلي في كيانها الذي هشّمته الحرب وضيّعه الموت، وحيّره هذا المصير المخزي لبيروت، وهي النجم المتوهّج في عين السماء، التي تحدّت الموت وغرّبت الشجون وقهرت الأحزان، فهي ترثيها ولكنّها تفرطُ في جذبها نحو الحياة، تعلّلُ لنفسها بأنّه لا سبيلَ إلى تلك المدينة المزدحمة بابتساماتِ الليل والفتنة والسكون. وتتجاوزُ بهذا الأسلوب الشاعري إلى التصوّر الفلسفي الذي يتأبّطُ سحرَ المدينة.
وبين نادية تويني وشاتوبريان الكاتب الفرنسي الثوري خطوطٌ مترابطة، تختلفُ فيها النبرة الخطابيّة والتعبيريّة وتأتلفُ في الهدف المباشر. فقد آل فكر الاثنين إلى الانفتاح والاندماج في لبّ المجتمع الحضاري، وجمعتهما الكتابة الرومانسيّة الحالمة التي نضح بها جبين قصائدهما، كما خلَّدَ الاثنان الأماكن التاريخيّة التي سكنتهما، كما ذكرهما من عاصرهما بحواسّ الخلود.
لم يزحزحْ صخرة الوجع التي جثمت في كيان تويني أيّ تهيّؤات، فقد عانت من علّة الداء وعلّة الحب اللامشروط للوطن، كتبت فهيّأت للمجهول، وعبّرت فشرّعت طاقات الأمل أمام حلمٍ بائسٍ وضائع، في نبرةِ تحدٍّ وتوكيدٍ مثبّت الجوانب، وتجريدٍ غنائيّ ناعم النغمات، ففي قصيدتها «الباقون على قيد الحياة» تقول:» عٌصفور على الغَرب يَحُطّ. بالكاد في يديك يتعنّت الليل، والحُبّ مثلما رائحة يتمدّد، هكذا هو الفَجر الذي يَشُلُّ منّي حتّى القَدّ/ لو أمكنني أن أقول ليسَ لي غيرُ صَمت واحد، لو أمكنني في الضّوء الذي لا يُجيب أن أصنع من صرخة بلاداً / بخطوة هي خُطوة المُحيط أمنح الماء اسماً، والسّماءُ ستُجَنّ / الأرضُ تعرّفتْ على شفتيّ / سنبقى على قيد الحياة حَدَّ أنّنا سنضحك من ذلك/ ما الذي نقوله للرّيح التي تُقطّع أوصالنا، للخوف الذي يَقْطعُ رؤوسَنا؟ / كلّ إنسان نائم هو جزيرة / هل كنتُ تلك الصّورة المُثَقّبة بألف قلق والتي تنزفُ من الذّاكرة / يتعلّقُ الأمر بصباح ينفلتُ من بين أصابِعي، صرخاتُهُ من كلّ الألوان».
هذا التعطّش النفسي للحريّة والسلام نلمحُه في عضلات التكابر على الحقيقة الأليمة في الضعف الموجود والمنحشر في سلسبيل الكون منذ وُجدت القوّة، والتهكّم على الخوف الذي يهدّ أكتافَ الأمان، والتنمّر على الريح التي تفتكُ بالعقول الحرّة. فهي تستخدم مصطلح القلق التاريخي الذي يحرّك الوجود ويتلظّى بالشك الواجم كي تطلق احتجاجاتها، وما يبرز عنها يكاد يخفى، ويطمس في سرياليّة موحّدة تغمرُ عباب القصيدة، وتؤدّي إلى معانٍ مزدوجة تضاجعُ سكون الجزيرة المتأهّبة للنزف الداخلي المؤلم. وتبرز الريح كعنصر التمرّد على ما هو واقع.
وتظهرُ أيضاً بين نادية تويني وبول فاليري خطوطُ تقاطعٍ واضحة، إذ دعا كلاهما إلى التنوّع الثقافي والعرقي لتثرى الحضارة بما يسخّره هذا التخالط الهادف إلى خدمة المجتمع. ويتّضح تأثّرها في نمط كتابتها بأسلوب فاليري الناضج والرومانسي الصارخ الذي يجهر بالحب وبالطمأنينة، وكذلك في تجنيد الحداثة، لتلعب دوراً في نطق ما لا ينطق، وصناعة ما يصعب على الكتّاب الكلاسيكيّين. ففي إحدى قصائد فاليري يقول: «سنكون بخير هنا، وحيدين وكما يحلو لنا/ وإلى مَن يجعلني أقترب بقوّة هذا الزمن المخيف؟ / «دائماً» و” كل شيء” يعيد إليّ أنفاسي/ «دائماً” هو أنتم و” كل شيء” هو أنتِ وحدكِ/ هذه الأسرّة الكبيرة، هذا الصمت، وتلك المشاعر بالعزلة الكاملة/ وحده الحب يمكن أن يشغلنا بأفعال حنونة وبكلمات قريبة من الإنسان، قريبة بالحجم وبالزمن أيضاً/ ليس بيننا سوى بضعة ايام، في هذه الظروف، لكنها قد تجعل الحياة.. لا تُطاق/جرّد أن أتذكّر تلك السنوات من قبل (أي منذ أن تعارفنا) وتلك الفراغات.. كانت تخترقني/ سنمضي، وأنا أحب».
حملت نادية تويني هموم الوطن وشجونه ومضت قبل أن تشهد عرس السلام فيه الذي لم يحن بعد، تركت بعضاً من حبرها وصمتها في مسامات المكان وتوقّف الزمان على وقع خطاها التي تردّدت في المضيّ نحو النهاية، ولأنّ الحتف للجسد هو نهضةُ البعث للروح، بقيت في منأى عن النسيان، ولم يأفل بريق قصائدها مع تغيّر الزمن. ربّما أودعت في قصائدها صلواتها اللاهبة والتائقة للمسة ضوء، وكانت ثقافتها السياسيّة هي التغيير الجذري في كلّ أنحاء الوطن، تركت همساتها الناعمة في بوح القصائد، وبين السياسة والفكر والقلب حبالٌ تمتد وجبالٌ لا تهد، قد تصلُ يوماً إلى أعالي السماء التي تؤرّخُ الابداع وتترك سحابها يزحفُ في عوالم صوفيّة لا يعرفها سوى الشعراء.
كاتبة لبنانية