يعد تيار “الفن الجديد” من أقصر الفنون البصريّة عمرا، رغم استحالة التحقيق في هذا الشأن، نظرا لتفاعل التوجهات والمدارس في ما بينها وارتباطها بتيارات أخرى داخل أوروبا وخارجها، في علاقة تأثر وتأثير على غرار الامتداد الملحوظ بين خصائص “الجديد” و”التزويقي” مجمل الفنون المستوعبة داخل المحور الأوروبي وبسبب التحويرات المتعددة للوظائف والمواد التشكيلية.
شهدت البدايات الأولى لهذا التّيار الفنّي الناشئ أواخر القرن التاسع عشر رغبة ملحة في القطع مع تقاليد المجد اليوناني والروماني القديم، والسّلتي ثم القوطي إبان العصر الوسيط، مصحوبا في ذلك باندفاع شمولي لاحتواء عدد من النشاطات الجمالية والحرفية التقليدية الموسومة قطعا بالغرابة بالعين الغربية، منها المستلهم من حركة الاستشراق، ومنها الوافد إلى القارة العجوز عبر المعارض العالمية والكولونيالية، لاسيما عبر الفن الأولي أو البدائي والزنجي والإسلامي والافريقي والأوقيانوسي والتأثير الياباني، إلى جانب حضور الأرابيسك في الإعلان والعمارة والفرسك والتصميمات الحرفية المتعددة. غير أن فترة اضمحلال هذا الفن مع بداية الحرب الأولى، جاءت سريعة بسبب عجزه عن التواصل والابتكار من جهة، فمثل بذلك اتجاها منفصلا عن واقعه، لاسيما في خضم الثورة الصناعيّة التي غيرت التقاليد والنظرة الفنيّة، بإدخال مواد وتقنيات جديدة، ومع ارتباط النشأة الأولى لتأسيسه بمراجع وجذور غير أوروبيّة تعزّز التوجه الكولونيالي (الاستعماري) المتميز بالاستعلاء والنمطية والتمسك برسائل وشعارات البروباغندا من جهة أخرى فكان حضوره بمثابة محطة عابرة في المسار البصري التشكيلي عامة. هذه العوامل يمكن أن تفسر حساسيته المفرطة في التفاعل مع المحيط التقليدي المعتاد، فبمجرد ما أثبت وجوده وترسخت مفاهيمه المستوحاة من الشجر والنبات والحجر والكائنات، حضرت بوادر اضمحلاله وتفككه، فشكلت بذلك الجذور الشرقية المُحرَّفة والمواد الأجنبية المضافة بأنواعها نهاية مبكرة لأوجه حتى قبل تحقيق المجد والخلود.
عند قراءة عمل النمساوي ألفونس موشا “حلم يقظة” (1897) الذي يجسد حضور بورتريه سيدة بيضاء محاطة بعناصر طبيعية وإكسسوارية جديدة نجد تقاطعا بارزا مع البعد الآخر المستوحى من الفضاءات الثقافية البعيدة عن المركزية الثقافية الأوروبية، التي كانت وعاء نموذجيا لاستلاب المواد والخامات (الخشب، الحجارة الكريمة، المعادن، العاج، المساحيق الصّباغية والذهبية)، ثم إعادة إدماجها في المجتمعات الكولونيالية الخاضعة لها في شكل إنتاجات طباعية ورقية دعائية وأعمال تشكيلية مصنفة تشمل احتواء عدد من الفنون غير الأوروبية والأخرى التي أنتجها الواقع الاستعماري وتصديرها في ثوب أوروبي ضمن سياسة التوسع والهيمنة الاستعماريّة، على غرار تداخل تسريحة الشعر مع الزهر، والثوب مع الشكل الهندسي المعتمد، إلى جانب الإشارة التخطيطية لخصوصيات هيكل آسيوي ياباني في أعلى العمل، مثَّل حضور العنصر الرئيس وهو المرأة بهندام شرقي تقليدي محاطا بتشكيلات نباتية وزهرية، تحولا جديدا وابتعادا عن جواهر الأمجاد اليونانية والرومانيّة وتخليا مفضوحا لا مبرر له عن الأبعاد والمواد الكلاسيكية التي أسست قواعد أركان الفنون البصرية آنذاك (البعد الأكاديمي، الإرث اللاتيني، المثالية، المرجع الفلسفي، الميميزيس،
ولد هذا المنجز الفني في فترة شهدت انفتاحا على المحيط الخارجي نتيجة تطور مفهوم الاستشراق ومزيد توسع المستعمرات التي تتنافس حولها القوى الإمبريالية المهيمنة منذ نهاية القرن التاسع عشر، لاسيما بعد مؤتمر فيينا عام 1884، الذي كرس التّقسيم وأعاد الهيمنة للقوى الطاغية وبخاصة الإمبراطوريات الحديثة (فرنسا، إنجلترا، ألمانيا، إيطاليا). فكان العمق اللّوني المستلهم من الطبيعة الصحراوية في اللوحة (أعلى الجسد، الثوب) وكثافة الخطوط المستمدّة من الغابات المطريّة الافريقية والآسيوية (الدوائر، الخطوط المنحنية) مؤشراً لحضور عنصرين أراد موشا تمريرهما وهما على التوالي
لعل الحضور القوي للشخصية الأنثوية جعل الرسالة الفنية تدور حول موضوع حساس تضعف أمامه كل الأقلام وتتنافس الريَشات على إنجازه، وهو موضوع المرأة. لذا فقد ولد حاملا لمعطيات عدّة تستبطن في أغلبها رمزية الاستعلاء وتجليات المظهر الأوروبي النسوي البديع والمهيمن من جهة وللوجه والجسد الشرقي الغامض المثير والشهواني من جهة أخرى. إن وضعيّة الجلوس التي تظهر فيها المرأة في وسط اللوحة لا تحتاج لخلفية لكي تضيف البعد الواقعي ولا تحتاج لمرجعيّة لتشرّع حضورها الطاغي والمهيمن كأحد أركان الدعاية الرسميّة الكولونياليّة وهي عودة لتجسيد البورتريهات الرسولية الغربية، وإن بشكل أيديولوجي وهو ما يفضح بواطن التفكير الثقافي والفلسفي المركزي لدى الدوائر الأوروبيّة. ويتماهى هذا التقدير، خاصة في خضم الأوج الاستعماري والتهافت على تقاسم العالم، مع اعتبارها مجرد معلقة دعاية سياسية موجهة لمزيد تهيئة وتأطير الجمهور الأوروبي، خاصة لاستلاب الشعوب المستعمرة. إن شئنا الحديث عن السمات الفنيّة، كما هو مطروح لوجدنا أن اللوحة حاملة لارتسامات مجدّدة من حيث الشكل والمضمون. فالأشكال مستنبطة من نماذج طبيعية لخطوط مستقيمة تارة ومنحنية طورا، ودوائر وأقواس حاضرة بقوة في الطبيعة دون غيرها. تتجسد شموليتها واختلافها عن المرجع اللاتيني في تأسيس النظرة الشمولية التي لم تسبقها إليها أي حركة فنيّة أخرى، منها اتحاد الفنون الجميلة عبر التكامل بين المعمار والرسم والنحت والتعويل على البعد النفعي والعملي، على غرار الإنتاجات الحرفية والواجهات الدعائية، والعمل على نسف المنحى الفلسفي والمضمون الفكري وتغييره بمضمون أيديولوجي نمطي والسعي لإدماج الفنون المهمشة الغير أوروبية لاحتوائها بالعودة إلى الطبيعة نظرا لما توفره من بساطة في الفهم وجمالية في الطرح.
باختيار “حلم يقظة” يكون العمل قد صرح عن خفايا توجهاته الشمولية، سواء تقنيا عبر المزج بين الخط والشكل، وهو ما ندر وجوده سابقا، أو حسيا عبر استلهام ألوان تمثل بيئة دخيلة (المستعمرات) أو رمزيا عبر الإيحاء بمعطيات أرستقراطية سلطوية وتسويق نموذج المركزية الثقافية التي يكون فيها الغرب المخلص للغريب والمعلم للعنصر السكاني المحلي وحامل الحضارة والازدهار. وهو ما يتجاوب رأسا مع حملات النّشر والتشهير والدعاية الاستعماريّة في تلك الفترة، لاسيما من خلال المعلّقات التي شكلت المجال الرئيس لإنجازات موشا، ما يحيلنا إلى حضور المرأة ودورها في سلم التغييرات. كانت هذه العلامات بمثابة المرآة العاكسة لتنافس الإمبراطوريات، وفرض مخططات إرادتها على أرض الواقع.
لا شك في أن التصنيفات الفنيّة الجديدة المُلحقة بالسلة الأوروبية شكلت جذورا تاريخية قديمة لتعبيرات ثقافية متعددة ظلّت متمسكة بيئتها الأصليّة منذ قرون، من ذلك نجد: الفن الافريقي (الزنجي، الأوّلي، البدائي) واللاتيني (الهندي، الأمريكي الأصلي، المايا، ما قبل الكولومبي)، والشرقي (الإسلامي، المنمنمات، الأرابيسك) والآسيوي (الياباني، الصيني)، وهو ما تستحضر بعضه هذه اللوحة التي تعد واحدة ضمن سلسلة لوحات نسائية عكست المساعي المتعددة لتقديم وجه مختلف للفن الأوروبي، يتميز بالجمالية والسمو يضم الفنون التشكيلية الكبرى دفعة واحدة (المعمار والنحت والرسم) شأن الفن الجديد، والرغبة في توظيف مواد وخامات جديدة بداية من العناصر العضوية الحية وصولا إلى العناصر الصناعية التزيينية وهو ما يحيلنا إلى الانفتاح على التكامل مع الفن التزويقي، خاصة بالمحافظة على الشموليّة والتصميمات اليدوية والبعد الهندسي، رغم التحولات الكبرى مع بوادر الازدهار الصناعي وتدفق الثروات (Art déco).
٭ كاتب تونسي