بغداد ـ «القدس العربي»: لا يكاد يمر يوم إلا ويشهد العراق، مزيدا من الإجراءات والدعاوى والتظاهرات، ضمن محاولات تقييد حريات الناشطين والإعلاميين وإسكات الرأي المعارض او المنتقد لسلبيات وعمل المسؤولين الحكوميين والنواب، وسط انتقادات محلية ودولية لتراجع أوضاع حرية الرأي والانتقاد الإيجابي.
ملاحقة إعلاميين
وفي إطار ملاحقة مقدمي البرامج التلفزيونية في القنوات العراقية، بسبب آرائهم، تعرض عدد من مقدمي البرامج إلى إجراءات وتهديدات لقيامهم بتوجيه انتقادات لمسؤولين وكشف الفساد وانتقاد الطائفية.
فقد كشف الإعلامي والمحامي عدنان الطائي عن تلقيه تهديداً من سفير لم يسمه ولكنه وصفه بأنه «محبوب من الجماعة» في إشارة إلى طرف إقليمي، مشيراً إلى ممارسة ضغوط عليه، تسببت بإيقاف برنامجه على قناة «يو تي في» بشكل مؤقت، مستغرباً من اتهامه بتجاوز اللياقات بينما كان ينتقد في تلك الحلقة «الخطاب الطائفي» الذي تصاعد مؤخراً خلال أجواء التحشيد والتسخين الانتخابي.
وذكرت الهيئة أنها قررت «إيقاف برنامج الحق يقال، الذي يقدمه الإعلامي عدنان الطائي»، مبررة ذلك أن «القرار جاء بعد تسجيل مخالفات تتعلق بمضامين الحلقة التي تضمنت خروقات صريحة لقواعد البث الإعلامي».
هيئة الإعلام والاتصالات العراقية (حكومية)، ذكرت أيضا أن القرار يقضي «بمنع ظهور الإعلامي سلام عادل فليح على شاشات التلفزيون ومشاركته في البرامج الإعلامية لمدة ثلاثة أشهر»، موضحة أن «القرار جاء على خلفية مخالفات إعلامية تتعلق بمضامين برامج شارك فيها تضمنت خرقا لقواعد البث الإعلامي، أبرزها التحريض على العنف والكراهية»، حسب قولها.
وفيما نشر الإعلامي ومقدم البرامج ياسر عامر في ايار/مايو الماضي، عبر حسابه، مقطع فيديو يُظهر مكالمة هاتفية تتضمن تهديدًا له بالقتل في حال تحدّث بسوء عن النظام السياسي، قال عامر في تعليقه: «أُحمّل جميع الأجهزة الأمنية مسؤولية سلامتي وسلامة عائلتي»، فإن الناشط والمحلل السياسي بشير الحجيمي، تم منعه من الظهور في وسائل الإعلام المحلية. وجاء في وثيقة صادرة من هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية، في اذار/مارس الماضي، «بالنظر لقيام هيئتنا بمنع ظهور المومأ إليه من أجل منحه فرصة كافية لمراجعة أدائه الإعلامي، إلا أنه لم يغير من خطابه ولم يكترث للسياقات المهنية والقانونية، لذا تقرر منعه من الظهور الإعلامي اعتبارا من تاريخ صدور هذا الكتاب وحتى إشعار آخر».
ومعروف عن الحجيمي انتقاداته اللاذعة الجريئة لأداء الحكومة وبعض الأحزاب المهيمنة على السلطة.
وقد اعتادت هيئة الإعلام والاتصالات، منع العديد من المحللين السياسيين أو الناشطين أو مقدمي البرامج في القنوات، من الظهور عبر شاشات القنوات المحلية أو مواقع التواصل الاجتماعي، على خلفية آرائهم وانتقاداتهم لأداء الحكومة وبعض الأحزاب المتنفذة.
أما الباحث السياسي أراس عبد الخالق، فقد قام في اذار/مارس الماضي، برفع دعوى قضائية ضد النائب مصطفى سند، على خلفية مضايقات ومشادة كلامية جرت بينهما بعد اقتحام الأخير القناة الفضائية التي يعمل فيها، مع عناصر حمايته، وقام بـ«إساءات» علنية واتهامات شخصية له بالوقوف مع تنظيمات إرهابية.
المحاكم تلاحق الناشطين
وليس بعيدا عن السياق ذاته، أصدر القضاء العراقي، مؤخرا، أحكاما ضد بعض الناشطين على خلفية نشاطاتهم المعارضة في عدة محافظات، بناء على دعاوى قضائية رفعها نواب من أحزاب السلطة ضدهم.
فقد أصدرت محكمة الحمزة الغربي في محافظة بابل (وسط العراق) حكماً بالحبس 4 أشهر ضد 10 ناشطين، من ضمنهم الناشط البارز ضرغام ماجد. وصدر الحكم بناء على دعوى مقدمة من النائبة عن ائتلاف «دولة القانون»، دنيا الشمري، بحجة الإضرار بالممتلكات العامة أثناء التظاهرات المطالبة بالخدمات والإصلاح.
وفي أعقاب قرار المحكمة، قام زملاء المعتقلين، من الناشطين، بإغلاق بوابة المحكمة رافضين الحكم الصادر بحق الناشط ضرغام ماجد ورفاقه. وأظهر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، بعض الناشطين وهم يلقون بأنفسهم أمام عجلات الشرطة التي تقل ضرغام ماجد وبقية الناشطين، وسط دعوات للأهالي بعدم السماح بسجنهم. ونتيجة للضغوط الشعبية، قررت النائبة دنيا الشمري، لاحقا التنازل عن الدعوى القضائية التي أقامتها على الناشط ضرغام ماجد وناشطين آخرين، وشموله بالعفو العام بعد الحكم عليه بالسجن 4 أشهر.
وفي بغداد، أصدرت محكمة قرارا بسجن الناشط المدني محمد عاشور، 4 أشهر، على خلفية دعوى تشهير أقامتها ضده النائبة عن تيار الفراتين سهيلة الساعدي. وقد نظم العشرات من أهالي الحسينية، شمالي بغداد، تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإطلاق سراح عاشور، فيما ناشدوا رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى بالتدخل وحل الأزمة على وجه السرعة.
وجاء قرار محكمة الحسينية، بإصدار حكم بحبس محمد عاشور 4 أشهر بتهمة «الإساءة» للنائبة عن تيار الفراتين سهيلة الساعدي، على خلفية منشور فيسبوك كتب فيه «عليها السلام» بعد اسمها وصفتها.
وكان عاشور علل سبب كتابته منشور إلى النائبة عليها السلام، بسيطرتها على كروبات الفيسبوك الفاعلة في منطقة الحسينية ببغداد ومنع مشرفي تلك الكروبات من كتابة أو نشر أي شي يتعلق بتلكؤ الخدمات أو أداء الساعدي.
وقد نشر عاشور على موقعه، تعرضه لاعتداء من عناصر حماية الساعدي عليه، إضافة إلى رفع دعاوى بين الطرفين، ما دفعه لكتابة تغريدة ساخرة بدأها بعبارة «إلى السيدة النائبة عليها السلام.. أرجو الموافقة على نشر منشوراتي».
وفي محافظة ذي قار، أصدرت محكمة الجنايات في نيسان/ابريل الماضي، حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً بحق الناشط البارز في تظاهرات «تشرين» – التي اندلعت في وسط وجنوب العراق عام 2019 – إحسان أبو كوثر.
وجاء قرار محكمة جنايات ذي قار بحق الناشط البارز في التظاهرات إحسان أبو كوثر، بعد إدانته بجريمة قتل أحد المتظاهرين من أنصار التيار الصدري، الذين هاجموا تجمعا لثوار تشرين عام 2019 لفض التجمع.
وتداولت مواقع التواصل، اعترافات عبر فيديو مسرب، يظهر الناشط أبو كوثر، وهو يشير إلى مشاركته في تبادل إطلاق نار خلال مواجهة مسلحة بين المتظاهرين في ساحة الحبوبي ـ معقل التظاهرات في ذي قار ـ وعناصر من التيار الصدري، منوها إلى أن «المواجهة أسفرت عن إصابة الكثيرين من الطرفين، ومقتل آخرين».
وكان الناشطون المعتصمون في انتفاضة تشرين الثاني 2019، الداعية إلى الإصلاح ومحاربة الفساد، اعتبروا حادثة الصدام بين متظاهري ساحة الحبوبي، وأنصار التيار الصدري، هو إحدى محاولات أحزاب السلطة لإنهاء الاعتصام.
وقد أثار قرار المحكمة انتقادات واسعة، من الناشطين والمؤيدين لتظاهرات «تشرين» على منصات التواصل الاجتماعي، الذين وصفوا الحكم بانه «مجحف» ويؤكد «ضياع» العدالة في البلاد، لاسيما مع إصدار أحكام «مضحكة» بحق سُرّاق وفاسدين كبار، تم إطلاق سراحهم لاحقا، حسب قولهم.
ولم تكن الناشطات بعيدات عن الملاحقة، عندما أصدرت محكمة جنح النجف، حكماً بالحبس بحق ناشطة لإساءتها إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.
وقالت مصادر قضايئة، إن الحكم صدر في أيار/مايو الماضي، على الناشطة المدعوة «رنا عبد الحليم الصميدعي» بالحبس أربعة أشهر وفق أحكام المادة 372 بسبب تجاوزها على آل الصدر.
وعُرفت الصميدعي بمواقفها المناهضة لسياسة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وقد وجهت له انتقادات لاذعة عبر مقاطع فيديو وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».
وكانت الناشطة والإعلامية وعضو اتحاد الأدباء والكتاب في النجف رنا الصميدعي، تعرضت إلى الاختطاف بالنجف في العام 2020 غير أنه تم إطلاق سراحها لاحقا من عملية الاختطاف.
عقوبات شاملة على ناشطي المحافظات
وفي ظاهرة غريبة عن العراق، برزت مؤخرا حالة تفشي قمع الرأي وتقييد الحريات في محافظات بأكملها، ما أثار موجة احتجاجات وانتقادات شعبية وسياسية.
فقد كشفت مصادر حقوقية في الأنبار غرب العراق، الاستهداف الواسع للناشطين ومنتقدي السلطة والفساد في المحافظة، حيث شهدت مدن الأنبار مؤخرا، حالات تضييق على ناشطين ومدونين معارضين، وصلت إلى حدّ الاعتقال والإبعاد الجماعي من الوظائف، وذلك على خلفية نشرهم انتقادات لأحزاب أو سياسيين أو مسؤولين محليين.
وذكرت تلك المصادر، انه خلال الأشهر الأولى من عام 2025، تم نقل 28 موظفاً من دوائرهم، بسبب آرائهم السياسية وانتقاد الحكومة المحلية، أو لمشاركتهم في نشاط أو فعالية سياسية. مؤكدة أن هذه الانتهاكات تتم عن طريق رفع الدعاوى الكيدية، أو نقل الموظفين بعيدا عن مناطق سكنهم أو التهديد بالاعتقالات، كما جرى اعتقال 13 ناشطا في المحافظة خلال عام 2024.
وأضافت المصادر، أن الحزب الحاكم في الأنبار «تقدم» الذي يقوده رئيس البرلمان المقال محمد الحلبوسي، قام بمعاقبة ونقل الموظفين الذين يبدون آرائهم المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال العمل مع جهات منافسة للحزب الحاكم. كما حصل مع نقل شيخ عشيرة «البو مرعي»، أركان خلف الطرموز، مع 8 أفراد من عائلته، إلى ناحية الوفاء، وذلك بسبب مشاركته في الانتخابات المقبلة، كمرشح عن تحالف «عزم» الذي يقوده المنافس خميس الخنجر.
وأشار مراقبون إلى أن هذه الإجراءات زادت في الفترة الأخيرة، مع قرب الانتخابات واشتداد المنافسة في المحافظة، التي أوجدت أجواء متوترة وضغوطا بين الأحزاب في محافظة الأنبار وعلى الناشطين أيضا.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس ما يعرف بـ«مجلس إنقاذ الأنبار»، حميد الهايس، في لقاءات متلفزة ورسائل عبر مواقع التواصل، أنه «لا يوجد ناشط أو صحافي أو موظف يستطيع التعبير عن رأيه، بسبب سياسة الحزب الحاكم المتسلطة، والعقوبات التي يفرضها على الناشطين والمعارضين».
ويقول الهايس «الواقع يشير إلى أن الأنبار تعاني من نقص كبير في الخدمات، وارتفاع في معدلات البطالة، وزيادة كبيرة في نسب الفساد والسرقات ونهب المال العام»، داعيا الحكومة العراقية ومجلس القضاء الأعلى ومفوضية حقوق الإنسان، للتدخل «من أجل حفظ الحريات المدنية، وكرامة المواطن التي تتعرض للإهانة».
وكانت هيئة النزاهة قد شنت حملة لملاحقة الفاسدين في الأنبار وإلقاء القبض على العديد من موظفي البلدية والضريبة والتسجيل العقاري، وخاصة في قضية بيع الأراضي الحكومية، من خلال فرز 150 ألف قطعة أرض وبيعها إلى المواطنين بطريقة غير قانونية. إضافة إلى مخالفات كثيرة منها الفساد والفشل في إدارة خدمات المحافظة.
وفي البصرة، أعلنت تنسيقية التظاهرات في قضاء المدينة، بأن هناك «موجة من الغضب الجماهيري واستنكارات من العشائر والشخصيات السياسية والاجتماعية والتي تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي على إثر مذكرة الاستقدام التي صدرت بحق الشيخ عبد الغفار العوضي قائد حراك تظاهرات قضاء المدينة، بناء على دعوى من ديوان محافظة البصرة تتهم فيها الشيخ العوضي بتحريض المواطنين على التظاهر ضد محافظ البصرة. وقالت اللجنة التنسيقية أنها دعت من خلال إعلام اللجنة التنسيقية إلى ضبط النفس والتريث تجنبا للوقوع في ما لا تحمد عقباه، على حد تعبيرها.
وكان أهالي شمالي محافظة البصرة، نظموا وقفات احتجاجية غاضبة رفضاً لأمر الاستقدام القضائي الصادر بحق العوضي، حيث شددوا على أن العوضي لم يرتكب أي مخالفة قانونية، وأنه يمثل صوت المطالبين بحقوقهم المشروعة، وهددوا باتخاذ خطوات تصعيدية في حال عدم الاستجابة لمطالبهم. ما دفع محافظ البصرة، أسعد العيداني، لتوجيه القسم القانوني في ديوان المحافظة، للتنازل عن الدعوى القضائية المرفوعة ضد الشيخ عبد الغفار العوضي.
وحول هذه القضية، طالب النائب عن محافظة البصرة عدنان الجابري ديوان المحافظة، بالتركيز على حل مشاكل البصرة المتراكمة، بدلًا من الانشغال بملاحقة الناشطين واستهداف الأصوات المدافعة عن حقوق المدينة.
وانتقد الجابري ما وصفه بـ«تسخير القسم القانوني في المحافظة لقمع حرية التعبير»، مؤكدًا أن «استهداف الناشطين والرموز الدينية والوطنية الذين يطالبون بحقوق المدينة المنكوبة يُعد خروجًا عن المهنية، خاصة وأن هؤلاء لم يخرجوا عبثا، بل تضامنا مع المواطنين الذين يطالبون بأبسط حقوقهم، مثل الماء الصالح للاستخدام».
انتقاد السكوت عن المغيبين
وضمن انتقادات أوضاع ملف حقوق الإنسان، فقد سلط النائب المستقل عن حراك تشرين علاء الركابي الضوء على ملف المغيبين في محافظة ذي قار، محذّرًا من أن بعض حالات الإخفاء القسري تعود إلى ما قبل احتجاجات تشرين 2019، وتحديدًا إلى مرحلة انتخابات 2018، من دون أن يُكشف عن مصيرهم حتى الآن.
وقال الركابي في لقاء تابعته «القدس العربي»، إن «هناك أسماء معروفة، مثل فرج البدري وسجاد العراقي، اعتقلتهم جهات أمنية رسمية في تلك الفترة، لكن لم يظهر لهم أي أثر حتى اليوم»، مضيفًا: «لدينا ثلاثة أو أربعة أسماء نعرفها، أما الباقون فمصيرهم مجهول تماما».
وعن الناشط المفقود سجاد العراقي، قال: «سجاد اختُطف منذ سنوات، ولا تزال عائلته تطالب حتى الآن بمعلومة واحدة، عن مكان دفنه على الأقل، إن كان قد فارق الحياة، ليتسنّى لهم تشييد قبر له».
وعدّ الركابي أن «طريقة التعامل مع أهالي الناصرية تنطوي على ممارسات أمنية قمعية، تُذكّر بممارسات الأجهزة الأمنية إبان النظام السابق»، مؤكدًا أن هناك «عملًا ممنهجًا يعيد إنتاج الأساليب القمعية القديمة».
ودعا إلى «محاسبة الجهات التي تتعامل مع المواطنين وكأنهم مجرمون، رغم أنهم في الغالب من الشباب البسطاء الذين لا تتجاوز أعمارهم 17 أو 19 عامًا»، مردفًا أن «ما يجري اليوم لا يختلف عن ممارسات الطغاة».
وهذه الحقيقة أشار لها المبعوث الأممي محمد الحسان، خلال تقديمه إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، في العاشر من الشهر الحالي، عن التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في العراق، حيث أكد: «ثقتنا كبيرة في القضاء العراقي، وكلنا ثقة بقدرته على حل أزمة المغيبين والمحتجزين في السجون».
شبكة اغتيالات
وفي تطور خطير عن حملات إسكات الأصوات المعارضة، أعلن جهاز المخابرات العراقي، اعتقال شبكة «إجرامية» ذات ارتباطات خارجية، حاولت تنفيذ عمليات اغتيال وإخلال بالأمن العام في العراق، ومنها محاولة قتل إعلامية.
وقال الجهاز في بيان في أيار/مايو الماضي، أنه «تم تنفيذ العملية بناء على معلومات استخبارية دقيقة ومتابعات ميدانية على صلة بمحاولة شروع بالقتل استهدفت إحدى الإعلاميات خلال شهر شباط/فبراير الماضي، حيث تم التوصل من خلالها إلى أذرع الشبكة الداخلية وارتباطاتها الخارجية، وبعد استحصال الموافقات القضائية وتحديد أماكن تواجد عناصرها داخل العراق تمت مداهمة أوكارهم واعتقالهم بعملية استباقية ومتزامنة في أكثر من محافظة».
وبثّ الجهاز، مقطعاً مصوراً، يظهر في أحد أجزائه، حادثة رمي المادة الحارقة «ماء النار» على إحدى الإعلاميات، في نهاية شباط/فبراير الماضي. نفذها شخصان مجهولان، في منطقة الكرادة وسط بغداد، ما أدى إلى تعرضها لإصابات بحروق في وجهها وأنحاء متفرقة من جسمها، جرّاء المادة الحامضية الحارقة، تم على إثرها نقلها إلى المستشفى.
وأدان منتدى الإعلاميات العراقيات، الاعتداء الذي طال الإعلامية نور الخفاجي، ووصف الحادثة بانها» تعكس تصاعد العنف ضد النساء بشكل عام والصحافيات بشكل خاص في العراق»، مطالبا الجهات المعنية بفتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات الحادثة، وضمان تقديم الجناة إلى العدالة بأقصى سرعة.
تقييم دولي لأوضاع الحريات
ويذكر أن العراق حل ضمن قائمة الدول التي تُعدّ خطرة للغاية على حياة الصحافيين وحرية وسائل الإعلام، وفق التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود.
وكشف تقرير المنظمة الصادر في أيار/مايو الماضي،عن بقاء العراق في مرتبة متراجعة لحرية الصحافة على مستوى العالم، حيث حل بالمركز 155 بين دول العالم في آخر تصنيف، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية باتت من أبرز العوامل التي تُفاقم هشاشة المؤسسات الإعلامية، عبر أشكال متعددة مثل تمركز الملكية الإعلامية، وتأثير المعلنين والممولين.
وتُظهر بيانات المؤشر الاقتصادي الذي تعتمده المنظمة «أن وسائل الإعلام تواجه معضلة حقيقية بين الحفاظ على استقلاليتها وضمان بقائها الاقتصادي، كما يؤكد التقرير أن الاعتداءات الجسدية على الصحافيين، رغم كونها واضحة للعيان، ليست إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، إذ تشكل الضغوط المالية عائقًا متناميًا أمام حرية العمل الإعلامي، ما يجعل واقع الصحافة أكثر صعوبة سنة بعد أخرى، إضافة إلى تهديدات مستمرة يواجهها الصحافيون العراقيون نتيجة عدم الاستقرار السياسي والضغوط»، حسب التقرير.
وهكذا تتنوع أشكال مساعي قمع الرأي وحرية التعبير للمعارضين والإعلاميين والناشطين، عبر إقامة الدعاوى القانونية أو إيقاف البرامج التلفزيونية أو الاعتداء المباشر عليهم، من قبل شخصيات تنتمي لأحزاب متنفذة أو من هيئات رسمية ومحاكم، والهدف النهائي إسكات الأصوات المعارضة التي توجه انتقادات إلى بعض المؤسسات الحكومية أو السياسيين والمسؤولين بالفساد والتقصير في توفير الخدمات. مع ملاحظة أن محاولات تقييد الرأي وقمع الأصوات المعارضة، تتصاعد مع اقتراب موعد الانتخابات.