من المستبعد أن تحظى التجربة الفنية بتفردها، ما لم تمتلك أفقها الجمالي الخاص بها، الذي تنأى به عن غيرها من التجارب المشاعة والمتداولة. ولعل تجربة الفنان المغربي خليل غريب، اندرجت تلقائيا ضمن هذه الخانة، فور اقتناعه عند بداية السبعينيات بجدوى اطمئنانه إلى رؤيته الذاتية للعمل الفني، نكاية في التقعيدات والتنظيرات المتداولة، والعالقة بالتلابيب. أما بالنسبة لمُسَلَّمةِ الأفق الجمالي المؤشر على خصوصية الفنان وهويته، فتجد مرجعيتها في سياق الدلالة البيولوجية لمفهوم التنوع، التي تتفاعل على أساسها مقومات الوجود ككل، بشقيها الجامد والحي. وهو السياق ذاته الذي يسمح بمقاربة ظاهرة الاختلاف المطلوبة مبدئيا بين تجارب وعوالم الإبداع الفني.
ذلك أن الاختلاف، هو المحك الذي تحتكم إليه التجارب في تأكيد فرادتها وتميزها، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تمتلكه من عمق جمالي، فضلا عن حدود المسافة، التي تؤمن استقلاليتها عن باقي التجارب السابقة أو المحايثة. بمعنى أننا غير معنيين هنا بالاختلاف التمويهي، الذي يحاول عبثا أن يطمس مرجعياته الفنية، عبر إعادة إنتاجها بصِيغ مفتعلة، قد توحي للمتلقي البسيط بجِدَّتها، وبفرادة اجتراحاتها، فيما هي في الواقع، مجرد تنويع استنساخي وهجين، على إيقاعات تشكيلية معروفة سلفا، ومشعة بحضورها القبْلي في ذاكرة الفنون البصرية .ولنا أن نغامر هنا بالتأكيد على أن الأساليب الأكثر هيمنة عبر مختلف المحطات الأساسية التي عرفها تاريخ الفنون التشكيلية، لا تقطع مطلقا مع تقنية التنويعات التحريفية، الممارسة على الأعمال الكبيرة، بغية استثمار ثقلها التاريخي، المؤثر ضمنيا في توجيه وتأطير ذائقة المتلقي. وهو السياق الذي يستشعر فيه المتلقي ذاتُه ُألفةً تساهم في رفع الحجاب الفاصل بينه وبين ما يراه من أعمال، باعتبار أن الملامح الأساسية للأصل، تمارس حضورها في خلفية التلقي، ملقية ظلال جماليتها على اللوحة المتفرعة عنها. وهي ظاهرة على درجة كبيرة من الأهمية، والتي تستدعي ما أمكن من المساءلة ذات المنحى التفكيك، الذي قد يفضي في نهاية المطاف، إلى طرد شعوب وقبائل من المدَّعين والعابثين بِقِيَمِ التشكيل وعوالمه.

والجدير بالذكر، إن التجارب الحريصة على إخلاصها الجذري لهويتها، والمتمردة على سلطة المرجعيات الفنية المألوفة – كما هو الشأن بالنسبة لتجربة خليل غريب – غالبا ما تكون عرضة لتجاهل المتلقي العادي، نظرا لعدم قابليته للتورط في إشكاليات فنية تتعارض مع مجالات استئناسه وأُلْفَتِه، ومنقطعة الصلة بذائقته الجمالية التي تكون مندرجة سلفا، ضمن تعاقدات قرائية، معترف بها من قبل دوائر القرار النقدي. ومن المؤكد أن تجربة خليل غريب، تمتلك ما يكفي من مقومات هذه القطيعة، التي تنأى بها عن تعاقدات دوائر القرار النقدي، إلى جانب عزوفها الذاتي عن تبني مقولات القيمين عليها. لذا، سيكون من الطبيعي أن نعتبر استنتاجنا هذا، بمثابة مدخل فعلي وموضوعي، لمقاربة ما دأب خليل غريب على مفاجأتنا به من أعمال، على امتداد مساره الفني، حيث سنستشف في وجودها خارج الدوائر الرسمية للتشكيل المغربي والعربي، نقطة قوة تستدعي من القراءة محاورتها برؤية فكرية وجمالية مغايرة، تنسجم مع رؤية مبدعها، المنزاحة كلية عما هو مألوف ومتعارف عليه.
وإذا كان من الضروري توصيف إواليات هذه الرؤية، فإننا سوف نتلمس بعض سماتها حالما نقتنع بجدوى تعقب خطوات خليل غريب، خلال تجواله السري في فضاءاته الخاصة، منقبا عن تُحَفِه الفنية، الشبيهة بلُقىً نادرة لا تهتدي إليها عينُ أحدٍ سواه. والقول بتعقب خطواته، هو في الواقع ضرب من المصادرة على المطلوب بلغة المناطقة، بالنظر لاستحالة التعرف على ملابسات الطقس الذي يمارس فيه خليل تجواله السري، سواء من حيث التوقيت، أو من حيث المكان، وأيضا من حيث الأحوال الباطنية الغامضة التي يكون عليها، وهو مستغرق تماما في مناسك البحث والتنقيب. ثم تلك اللُّقَى التي لن يكون لها أي شأن يذكر ما لم تلتقطها أصابعه هو، بالذات. فالصدفات المشاعة على الشاطئ، ليست سوى صدفات باهتة وعادية، تنتظر لحظة التقاطها من قِبَلِه، كي تتحول وهي معروضة أمامك الآن إلى لآلئ حقيقية، لن تطال قيمتها الرمزية مضاربات أسواق البورصة، المتخصصة في مقالب البيع والشراء. ثم مَنْ هذا الذي أوحى إليك بأن خليل غريب، يتكتم على طقس تنقيبه عن تحفه الملقاة على قارعة الطريق بلغة الجاحظ، والتي تتأهب لمعايشة لحظة دنو ذبدبات أصابعه من ذبدباتها؟ أحيانا يخيل إليك، وفي ذلك الطقس المستعصي دائما على التوصيف، أن تلك اللُّقى هي التي تقتفي أثره فوْرَ مروره بها، ودون أن يكون له أدنى علم بذلك، إلى أن يفاجأ بها خلسة، وقد تحلقت حوله داخل مرسمه الشبيه بخلوة حميمية، مشرعة على مواويل نداءاتها. ولك أن تتخيل ذلك الحوار العجيب، الدائر بين خليل وكائناته، آلاء الليل وأطراف النهار. حوار العاشق المتيم الذي استطاع أخيرا، أن يظفر بوصال «لُقاه « التي كانت إلى حين غائبة عن دائرة الرؤية، ومثقلة مع ذلك بوعود مفاتنها.

وها هي ذي الآن في متناول غبطته، بعد «بحث!» ملتبس، ليس لأي كان أن يكشف عن تفاصيله، بالنظر لاندراجه ضمن الاستراتيجية المتفردة التي يعتمدها خليل غريب في تهيئته لجمالية عوالمه وتفردها.
لكن والحالة هذه، ما المطلوب من المتلقي الذي قادته ربما صدفة ما إلى قاعة العرض، وأوقفته هكذا أمام هذه الكائنات التي وزعها الفنان أمامه بكل ما جاشت به جوانحه من فيض الحنان، الرقة، والوله. نقول «كائنات»، لِما هي عليه من بهاء، أمسى مضاعفا أمامنا حالما نفخ فيها خليل من روحه، ليجعلها تنفلت من واقع شيئيتها الجامدة، باتجاه واقع ذاتٍ/ذواتٍ حية، مزهوة بحضورها الكامل والمشع، تحت دهشة أنظارنا.
ولنا من جهتنا أن نعتقد بأن المطلوب من المتلقي – سيدة كانت أو سيدا- هو تجديد علاقته بحاسته البصرية، علَّه يكتشف معجزة الرؤية التي حبَتْهُ بها الطبيعة، وينتشي بمتعة تَمَلِّيه في جمالية هذه العلامات «المُهْملةِ»، المحمولة إليه من كل الزوايا المعتمة، التي تتخلل مدارات حيواته اليومية. بمعنى، أن يتوقف قليلا عن محنة دورانه الدائم والأعمى حول ذاته، وحول الآخرين، كي يتمرن ولو لِبُرهة عابرة على ممارسة جمالية إمعان النظر وإعماله، في ما تعَوَّد على استبعاده تماما من مجال الرؤية والرأي.
فعلا، قد تكون تلك هي الرسالة المتضمنة في معارض خليل غريب القديمة والجديدة، كما أنها قد تكون أبعد من ذلك بكثير. غير أن ما سيظل حاضرا في ذاكرة تردداتنا على معارضه، هو ذلك التساؤل الملح عن سرية الطقس الغامض، الذي يحتفي فيه بِلَمِّ شمل مخلوقاته العجيبة، التي يحلو لها هي أيضا، أن تنبهنا بإيماءاتها الوديعة إلى رعونة علاقتنا بأشياء العالم. كما يطيب لها أن تنبهنا، إلى جدوى إعادة النظر في منهجية تفاعلنا مع أدق التفاصيل المشهدية، التي يغص بها المعيش، بصرف النظر عن دونيتها أو أهميتها، والتي قد يؤدي استبعادها عن مجال الرؤية، إلى إحداث شرخ كبير في نسيج هذه العلاقة. غير أن تلميحنا المُبَيَّت إلى احتمال حضور رسائل مضمرة، في ثنيات الخطاب الذي تبثه كائنات خليل غريب، لا يعني بالضرورة تحميله مسؤولية تلقيننا درسا بيداغوجيا، حضاريا أو جماليا ما، بقدر ما يعني توجيه انتباه المتلقي إلى تلك المجرة اللامتناهية من الدلالات، التي تضيء بها سحرية وغرائبية معروضاته شعاب ودهاليز إدراكنا، عله ينعم بحظوة القرب، من طقس فني وجمالي، حريص على أن يظل وفيا لقدسية تحرره المطلق، من أي توجيه بيداغوجي جاهز، ومعتمد في مدونات اليقين والتلقين.
شاعر من المغرب