دم بلا محكمة: الشعيطات، الساحل، وسؤال العدالة المؤجلة

دير الزور: القدس العربي
حجم الخط
0

بعد مرور عشر سنوات على إحدى أبشع الجرائم الجماعية في الحرب السورية، أعاد “متحف سجون داعش” فتح جراح مجزرة الشعيطات التي ارتكبها تنظيم داعش في صيف العام 2014 بحقّ مئات المدنيين من أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي. المجزرة، التي بدأت في 11 آب/أغسطس واستمرت لأسابيع، أسفرت عن مقتل ما لا يقلّ عن 814 شخصًا، بينهم مراهقون ومسنّون ومغتربون عادوا لقضاء عطلتهم، أُعدموا جماعيًا في المدارس والساحات، والمزارع، ودُفنوا في أكثر من عشرين مقبرة جماعية.

لكن هذه المجزرة، التي استندت إلى فتوى عقائدية أصدرها التنظيم وصنّف فيها العشيرة على  أنّها “طائفة ممتنعة بالسلاح”، لم تكن مجرد جريمة دموية عابرة، بل تجسيدًا لنموذج من الحكم بالعقيدة والسلاح معًا، تُستخدم فيه الإبادة كوسيلة لإخضاع مجتمع بأكمله، وفرض طاعة شاملة عبر الترهيب. مشروع التوثيق الذي أطلقه المتحف لا يهدف فقط إلى أرشفة القتل، بل إلى تثبيت الذاكرة التي حاول التنظيم طمسها، وإلى إعادة الاعتبار إلى الضحايا من خلال قاعدة بيانات دقيقة وشهادات موسّعة وصور ووثائق ومسارات ثلاثية الأبعاد تُظهر مواقع الإعدامات والمقابر الجماعيّة، والأهم، من خلال أصوات الناجين والناجيات، خصوصًا النساء اللواتي حملن عبء الذاكرة وحدهنّ.

يأتي هذا العمل في لحظة حرجة من التاريخ السوري، إذ تطفو على السطح مجدَّداً أسئلة العدالة والمحاسبة والمصالحة وسط مرحلة انتقالية لم تتضح معالمها بعد. هل ستشمل العدالة ضحايا داعش كما تشمل ضحايا النظام؟ وهل ستُحاسب المجازر كلها على قدم المساواة، من الغوطة إلى الشعيطات، ومن حماة إلى قرى الساحل السوري التي شهدت، مؤخرًا، مجازر دموية طائفية راح ضحيتها أكثر من ألف مدني، في أحداث تعيد إلى الذاكرة نمط التصفية الجماعية ذاته؟

تقرير المتحف، وما تبعه من إعادة فتح ملف المجزرة، يسلّطان الضوء على سؤال العدالة المؤجل في سوريا: هل يمكن الحديث عن مستقبل للبلاد من دون مواجهة الماضي؟ وهل يكفي إعلان سقوط نظام الأسد من دون محاسبة التنظيمات المتطرِّفة التي ارتكبت جرائم لا تقل وحشية؟ وما مصير الضحايا الذين لا ينتمون إلى سرديات القوى السياسية، من أهالي الشعيطات إلى المدنيين العلويين الذين سقطوا في مجازر الساحل؟ أو حتى ضحايا مجزرة التضامن في جنوب دمشق بعد إطلاق سراح منفذها فادي صقر.

هذه الأسئلة لا تُطرح اليوم من باب التنظير، بل لأنه من دون إجابات صريحة وشجاعة، سيظل تاريخ سوريا مكتوبًا بالدم، وسيبقى كل جهد لإعادة بناء الدولة والمجتمع هشًا ومفخخًا. فالمجزرة لا تموت بموت ضحاياها، بل تجدَّد بصور جديدة عندما لا يُحاسَب عليها. وما فعله أهل الشعيطات من صمود وتوثيق وتذكير، هو بداية لما يجب أن يشكّل سردية سورية جامعة، تتحدث عن كل الضحايا، وكل القتلة، وكل من صمت أيضًا.

ما هي مجزرة الشعيطات؟

وقعت مجزرة الشعيطات في آب/أغسطس العام 2014، عندما شنّ تنظيم داعش حملة عنف دموية ضد أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي، بعد أن رفضوا مبايعته ودخلوا في اشتباكات محدودة معه. بدأت المجزرة فعليًا في 11 آب/أغسطس واستمرّت على مدى أسابيع، إذ عمد التنظيم إلى اعتقال مئات المدنيّين من بلدات غرانيج والكشكية وأبو حمام، ثم نفَّذ بحقهم إعدامات جماعية بطرق مختلفة، من الرمي بالرصاص إلى الذبح والإعدام الميداني. بحسب قاعدة بيانات الضحايا التي أعدها فريق متحف سجون داعش بالتعاون مع رابطة أهالي الضحايا، جرى توثيق أسماء 814 قتيلًا يتوزعون جغرافيًا على النحو التالي: 317 من غرانيج، 267 من الكشكية، و230 من أبو حمام. وتتضمن القائمة رجالًا من كلّ الفئات العمرية، من المراهقين إلى كبار السن، والكثير منهم كانوا مهاجرين عادوا إلى البلاد لقضاء عطلة العيد.

نفذ التنظيم عمليات الإعدام في أماكن عامة، في المدارس، والمزارع، وساحات القرى، كما كان الأهالي يُرغمون على التجمّع لإجبارهم على مشاهدة الجرائم. لقد وُثّق وجود 20 مقبرة جماعية في محيط البلدات الثلاث، اكتُشِف بعضها بعد انسحاب التنظيم، بينما لا يزال عدد منها ينتظر الفتح (النَّبش) والتوثيق الرسمي. وتشير التحقيقات إلى أنّ عمليات التصفية جرت بشكل ممنهج، ضمن سياسة ترهيب مجتمعيّ هدفت إلى كسر إرادة العشيرة وإخضاع المنطقة بالكامل لسلطة التنظيم.

صورة توثق لحظات الاعتقال التي قام بها التنظيم

يقول أيمن علاو، الباحث في ملف المجزرة وعضو فريق التوثيق، إن المجزرة لم تكن فقط لحظة عنف عابر، بل كانت محاولة لطمس مجتمع بكامله: “لم يكن الهدف من المجزرة فقط قتل الأفراد، بل تدمير البنية الاجتماعية لعشيرة كاملة. كنا أمام جريمة جماعية أُريد لها أن تُنسى سريعًا، لكننا عملنا على مدار سنوات كي تبقى حية في الذاكرة، ومثبتة بالأسماء، والصور، والشهادات. التوثيق هو مقاومة، والذاكرة هي بداية العدالة.”

ويضيف علاو: “المجزرة لم تستهدف المقاتلين فقط، بل المدنيين غير المنخرطين في أي عمل عسكري. كثير من الضحايا أعتُقِلوا من منازلهم أو عند نقاط التفتيش، ومن دون محاكمة أو أي إجراء قانوني. كما مُنعت العائلات من إقامة عزاء أو إعلان الحداد، كما هُجِّرت أعداد كبيرة من السكان، خصوصاً النساء والأطفال، إلى مناطق نائية في البادية. جاءت المجزرة إعلانًا عن نموذج جديد من الحكم عبر الدم، استخدم فيه داعش العقيدة كأداة للعقوبة الجماعيّة”.

يعيد المتحف من خلال هذا النشر طرح المجزرة بوصفها قضية عامة، لا تخص عشيرة بعينها، بل تمثل نموذجًا للعنف المنظم في الحرب السورية، حيث تندمج العقيدة بالقوة المسلحة لتنتج إبادة مجتمعيّة. ويطمح هذا التوثيق إلى أنْ يكون أداةً للمعرفة والمحاسبة والتأريخ، في وقت لا تزال فيه العدالة بعيدة.

مجازر مترابطة

لم تكن هذه المجزرة حدثًا معزولًا، بل جاءت ضمن نمط متكرر في المنطقة اعتُمِدت فيه المجازر سلاحاً لتأديب المجتمعات وإعادة ترتيب الولاءات. الشعيطات، وهي عشيرة كبيرة تتمتّع بترابط داخلي ونفوذ اجتماعي، كانت عقبة أمام مشروع الهيمنة الذي يسعى داعش إلى فرضه بقوة السلاح والشرعنة الدينيّة. ما حدث في الشعيطات، من قتل جماعي وترويع للمدنيين، تكرّر في تجارب موازية في العراق وسوريا، على يد داعش كما على يد أنظمة الحكم. في العراق، وتحديدًا في محافظة الأنبار، شهدت عشيرة الـ”بو نمر” في العام نفسه مجزرة شبيهة، قُتل فيها أكثر من 500 من أبنائها على يد داعش بسبب رفضهم مبايعته. أُعدم الرجال جماعيًا، ودُفنوا في مقابر سطحية، وجُمعت الجثث أمام أنظار الأهل، في مشهد يهدف إلى بثّ الرعب. فكما في الشعيطات كان الردّ على الرفض الجماعي للطاعة هو العقوبة الجماعية. وفي حلبجة العراق استخدم نظام صدام حسين، في العام 1988، السلاح الكيماوي ضدّ المدنيّين الأكراد، مخلفًا أكثر من 5000 قتيل في ساعات. أمّا الهدف فكان سياسيًا بامتياز: سحق الروح المعنوية بغية فرض طاعة شاملة وترويع سائر المناطق. وفي حماة، في العام 1982، قصف نظام الأسد الأب المدينة بالدبابات والمدفعية، وقتل ما يقارب 20 ألف مدني، فقط لإخماد انتفاضة محدودة للإخوان المسلمين، لكنها تحوّلت إلى رسالة عنيفة للسوريين: كل تمرد سيُدفن بالدم والمجازر.

رسم تعبيري لمجزرة حلبجة في شمال العراق

ما يربط كل هذه الجرائم هو طابع العنف المنهجي الذي يتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى الإبادة المجتمعية. فالجريمة لا تستهدف مقاتلًا وحسب، بل بنية العائلة والذاكرة والمكان. ففي الشعيطات اختفى أرباب الأسر وتيتَّم الأطفال وتجوّلت النساء معيلات فيما صارت البلدات خاوية. ويُقدّر أنّ مجزرة الشعيطات خلّفت أكثر من 2275 يتيمًا و541 أرملة، بحسب بيانات رابطة أهالي الضحايا. وبينما شهدت مجازر أخرى صمتًا دام عقودًا، فإن مجزرة الشعيطات فتحت باب التوثيق المدنيّ والشعبيّ. فقد أُطلقت مشاريع مثل “متحف سجون داعش”، الذي يوثِّق بشكلٍ دقيق أسماء الضحايا وأماكن المقابر الجماعية والشهادات الفردية لاسيّما من النساء اللواتي بقيْنَ في قلب المأساة. بعضهن دَفَنَّ أزواجهن وأبناءهن بأيديهنّ، وبعضهنّ واصلن العمل على جمع المعلومات وتحديد المواقع وحفظ الصور والقصص.

تاريخ المجازر في الشرق الأوسط حافل بنماذج مشابهة، مثل مجازر الأرمن ما بين تركيا وبلاد الشام، وحماة والغوطة في سوريا، وصبرا وشاتيلا في لبنان، وحلبجة في العراق ودارفور في السودان. وفي كلّ مرّة يتبدَّل المُرتكِب لكن الأدوات والأهداف تبقى واحدة. قتلٌ ممنهج يُبرَّر بخطاب سياسي أو ديني ويُنفذ ضد مجتمعات مهمَّشة أو خارجة عن النسق. ومجازر الشعيطات تنتمي إلى هذا التاريخ، لكنها أيضًا تُعلن الخروج عنه عبر سردية توثيق ومقاومة بدأت من الداخل.

مجازر سوريا اليوم

شهد الساحل السوري، لاسيّما محافظتا اللاذقية وطرطوس، موجة عنف طائفي غير مسبوقة في خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل العام 2025، أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 مدنيّ معظمهم من الطائفة العلوية، في سلسلة من المجازر والاشتباكات بين جماعات محسوبة على النظام السابق وقوات الحكومة الانتقالية. بدأت الأحداث في 6 آذار/مارس، عندما اندلعت مواجهات عنيفة بين مجموعات موالية للنظام السابق، مثل “لواء درع الساحل” بقيادة مقداد فتيحة، وقوات الأمن التابعة للإدارة الجديدة. تخلّلت هذه المواجهات هجمات على قرى وبلدات ذات أغلبية علوية، مثل بانياس والمختارية والشير حيث ارتثكِبَت إعدامات ميدانية بحقّ المدنيّين بما في ذلك النساء والأطفال، وارتكبت عمليات حرق ونهب واسعة النطاق. وقد أفادت تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ أكثر من 830 مدنيًا علويًا قُتلوا على يد قوات الأمن السورية ومجموعات رديفة لها منذ بداية التصعيد، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أن العدد قد يتجاوز الألف، مع وجود مئات المفقودين والمختَطفين. في هذا السياق، دعت منظمة العفو الدولية إلى فتح تحقيقات مستقلّة في هذه المجازر، معتبرةً أنها ترقى إلى جرائم حرب، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عنها بِغَضّ النظر عن انتماءاتهم.

صورة تعبيرية لمجزرة الشعيطات.. رسم: محمد عمران

أثارت هذه الأحداث مخاوف واسعة من اندلاع حرب طائفية شاملة، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب التحريضي، وتشكُّل مجموعات مسلّحة جديدة، مثل “سرايا أنصار السنة” التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات استهدفت قرى علوية، متوعدةً بمواصلة عملياتها حتى “تطهير” المنطقة. تُظهر هذه التطوّرات أنّ العنفَ الطائفيّ في الساحل السوريّ لم يعد مجرد انعكاس لصراع سياسيّ، بل أصبح أداةً لإعادة تشكيل المشهد الاجتماعيّ والديموغرافي، مما يهدّد بتفكيك النسيج المجتمعي، ويعيد إلى الأذهان مجازر سابقة مثل تلك التي ارتُكبت في الشعيطات، حيث استُعمِل العنف الجماعي كوسيلة للهيمنة والسيطرة. في ظل هذا التصعيد، يبقى الخوف من توسع دائرة العنف ليشمل مناطق أخرى، ممّا يستدعي تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي لدعم جهود المصالحة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وضمان حماية المدنيين من دوامة الانتقام والانقسام الطائفي.

سؤال العدالة السوري

هل ستسعى الحكومة الانتقالية في سوريا، إلى تحقيق العدالة لضحايا مجازر مثل الشعيطات أو مجزرة الكيماوي أو مجازر الساحل السوري؟ أم أن هذه الجرائم، بما تحمله من طابع طائفيّ وسياسيّ معقَّد، بالرغم من اختلاف الفاعلين، ستُطوى كغيرها تحت شعار المصالحة أو وحدة البلاد؟ سؤال العدالة يطرح نفسه بقوَّة في اللحظة السورية الراهنة، ليس فقط من منظور قانوني، بل كمعيار أخلاقي لرؤية المستقبل: هل تُبنى سوريا الجديدة على اعتراف شجاع بالجرائم، أم على دفن الذاكرة باسم الاستقرار؟

مجزرة الشعيطات، التي ارتكبها تنظيم داعش في العام 2014، ومجازر الساحل الأخيرة التي شهدت استهداف قرى ذات أغلبية علوية مِنْ مجموعات مسلحة أو جهات انتقامية، تمثّلان طرفَيْ المعادلة الأخطر في العدالة الانتقالية: ضحايا من خلفيات اجتماعية مختلفة في ظلّ خطاب سياسي وإعلامي غالبًا ما ينتقي الضحايا الذين يُسمح بالبكاء عليهم. ففي حين حظيت مجازر النظام، وخصوصًا الكيماوي، بقدر من الاعتراف الدولي، ظلّت الجرائم التي ارتكبتها التنظيمات الجهادية مثل داعش، أو حتى فصائل محسوبة على المعارضة، خارج دائرة النقاش الجاد. وهذا الصمت الانتقائي يخلق أرضًا خصبة للانقسام، ويعيد إنتاج خطاب الضحية بحسب الهوية السياسية لا الإنسانية. ليست العدالة الانتقالية، كما تُعرَّف في التجارب الدولية، مُجرَّد محاكمات وحسب. إنها عملية شاملة تبدأ بالاعتراف، وتستمرّ بالكشف عن الحقيقة، وتصل إلى مساءلة الجناة، ثم إصلاح مؤسسات الدولة، وتعويض الضحايا. لكنها في السياق السوري تبدو حتى الآن أقرب إلى خيال سياسي، إذ لم تُفتَح أيّ ملفات جدّية بحق من ارتكبوا المجازر من مختلف الأطراف. فلا قادة داعش ولا رموز النظام ولا أمراء الحرب المحليين خضعوا للمحاسبة. وفي ظل غياب إرادة وطنيّة واضحة تبدو العدالة رهينة للضغط الدولي أو صفقات سياسيّة محتملة.

تُطرح اليوم في الفضاء العام شعارات مثل “تجريم الأسَديّة” ومطالبات بتحميلها مسؤوليّة الجرائم المرتكبة منذ العام 2011. وبالرغم من مشروعية هذا الطرح، إلا أن حصر العدالة بمحاسبة النظام فقط، من دون المساءلة في الجرائم التي ارتكبها داعش، أو الجماعات المتطرّفة، أو حتى فصائل محسوبة على المعارضة، يعيد إنتاج منطق الانتقائية الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه. فهل يُكتفى بتجريم الأسدية من دون تجريم الدعشنة؟ وماذا عن الضحايا الذين قُتلوا على يد معارضي النظام؟ هل يُقال لأهاليهم إن موتهم كان جانبيًا أو خطأً في التقدير؟

العدالة الانتقائية ليست فقط غير عادلة، بل خطيرة سياسيًا. لأنها تزرع بذور الفتنة من جديد، وتُشعر شريحة من السوريين بأنهم خارج سردية الوطن، أو أن أَلَمَهم لا يُحسب في ميزان الدم السوري. وهذا ما يجعل من الشعيطات، ومن مجازر الساحل، اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوريين على تجاوز خطاب الاصطفاف، والاقتراب من نموذج جامع للعدالة، يرى كل الضحايا، بغض النظر عن هوياتهم، كجزء من الجرح السوري الكبير. اليوم، مع تغيّر الخريطة السياسية، وظهور دعوات لبناء سوريا ما بعد الحرب، لا بدّ من إعادة طرح العدالة بوصفها ركيزة أساسية لا ترفًا مؤجلًا. العدالة لا تعني الانتقام، ولا إقامة محاكم شعبيّة، بل تعني تسمية القاتل واحترام كرامة المقتول. تعني ألا تُترك عائشة، أم الضحايا في الشعيطات، تصرخ وحدها، وألا يدفن ذوو الضحايا في الساحل أبناءهم في الليل خوفًا من الانتقام.

العدالة في سوريا لن تكون ممكِنة إذا لم تشمل الجميع. مَنْ قُتل باسم الوطن ومَنْ قُتل باسمه. من قُصف في الغوطة ومن ذُبح في الكشكية، ومن أُعدم في طرطوس. هذه هي وحدة الدم التي قد تكون الوحيدة التي ما يزال بالإمكان البناء عليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية