التهديد بالمُتطرّف: هل لدينا «مشتركات ثقافية» حقاً؟

ينبني خطاب كثير من الدول والقوى السياسية في المنطقة، على تكرار مفردة «الاعتدال»، وهي، مثل كثير من مفردات لغتنا المعاصرة، ليست مفهوماً، وإنما كلمة غامضة، من المفترض أنها إيجابية بالضرورة، تُردد في مواضع وسياقات مختلفة، دون أي إمكانية لاستخلاص معنى منضبط منها. المفارقة الطريفة أننا نجد كثيراً من «المعتدلين» في كل مكان، من أنصار «الإصلاح الديني» وحتى تنظيم القاعدة، مروراً بحكومات دول يصعب وصفها بـ»الاعتدال»، عندما يتعلّق الأمر بقمع معارضيها السياسيين، أو حتى تطبيق قوانين «الآداب العامة» و»ازدراء الأديان».
يُفهم من مفردة «الاعتدال»، التي غالباً ما تُذكر في سياق الحديث عن الإسلام، الإشارة إلى عدم التشدد في تطبيق الشرائع الدينية، والقبول بالتنوّع، ورفض الأعمال الإرهابية. وبذلك فإن «الاعتدال» وسطي بين حدّين: التطرّف الديني، والتفريط الكامل بالعقيدة والهويّة، وهذا بالطبع لا يعني شيئاً، فمهما كان الفكر متشدداً، فإن هناك ما هو أكثر تشدداً منه، وبالتالي فحتى الجماعات الإرهابية قد تكون «معتدلة» إذا قارنّاها بأخرى، كما يمكنها أن تؤكّد «وسطيتها»، من خلال رفض التفريط بجهاد العدو، حتى وهي تقاتل «الغُلاة» في صفوفها.
فضلاً عن هذا فإن «الاعتدال» ليس قيمةً إيجابية بالضرورة، أو دلالةً على صحة التفكير والتحليل، فقد يكون التشدد ضرورةً في مواضع كثيرة، مثل التشدد في رفض مجازر الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، والاعتداء على النساء، وانتهاك الحريات الأساسية، وهذا يعني أن المرء قد يتخذ مواقف سياسية بالغة التشدد، في منطقة تعجّ بهذا النوع من الجرائم، والبُنى المولّدة لها.
يتخذ «الاعتدال» معنىً موضعيّاً، إن صح التعبير، فهو لا يكتسب أي دلالة إلا بالنظر إلى موضعه بين الحدّين اللذين يرفضهما. وقد ولّد تكرار المفردة، وكذلك مفردتا «الوسطيّة» و»التوازن»، كثيراً من العادات الفكرية السيّئة في كل المجالات، منها أن يصبح الجهد النظري الوحيد هو تعيين موقفين من أي ظاهرة، وفي أي جدل، يوسمان كلاهما بالتطرّف، ثم اتخاذ موقف وسط بينهما، وكأن الحقيقي أو الصحيح، مرادف لـ»المعتدل»، أو أن «الاعتدال» يُغني عن ممارسات منهجيّة أساسية، مثل التحديد النظري المتماسك للموضوع، والنقد والتحليل، وهي كلها لا توصل بالضرورة إلى نتيجة «وسطيّة»، أو «متوازنة»، ما قد يجعل «الاعتدال»، المطروح بهذه الطريقة، مناقضاً بنيوياً للمنهج، ولأي إطار نظري، وأقرب لعوالم الإنشائيات والتعاويذ، التي تكاد تلتهم اللغة العربية المعاصرة.
إلا أن هناك جانباً آخر من «الاعتدال»، يطرحه عادة أصحاب المناهج، الدينية غالباً، وكذلك الدول ذات القومية والدين الواحد، وهو التخويف من المتطرفين، بمعنى أن هناك دوماً ما هو أسوأ وأكثر تشدداً، ولذلك فمن الأفضل للجميع القبول بأمر واقع، أو مجموعة متسلّطة ما، لأنها الأقدر على مكافحة التطرف، بسبب موقفها الوسطي، أي الذي يقع، مثلاً، في منتصف المسافة بين ارتكاب مجازر جماعية؛ وفرض عقيدة أو أيديولوجيا واحدة على الجميع. وهذا «الاعتدال» خطير فعلاً، لأنه أقرب لابتزاز، يفرضه «أخوة منهج» معيّن، وفق القاعدة التالية: اقبلوا بقمعنا نحن، وإلا فستواجهون قمعاً لا قبل لكم به.

يبدو هنا أن «المتطرفين»، شديدو الضرورة لـ»المعتدلين»، بل إنهم جانب أساسي من شرعيتهم. ويصل الأمر إلى الضغط على فئات اجتماعية متعددة، للتخلي عن أبسط أساسيات حرية المعتقد والتعبير وحقوق المواطنة، كي لا تتعرّض لنوع من الإبادة على يد المتطرفين، وكأن الإبادة هي الوضع الطبيعي، والتنازل عنها منّة و»اعتدال»، يجب أن تُكافأ عليهما السلطات والقوى السياسية.
يبدو هذا الوضع الابتزازي مولّداً بالضرورة لأسوأ أشكال التطرّف الأيديولوجي والديني، إذ أنه يرسّخ ويطبّع ثقافة، لا يمكن وصفها إلا بالقمعية والإبادية، ويجعل البشر يعيشون دوماً تحت تهديدها، ما يوفّر مظلّة واسعة للجماعات الأكثر تطرفاً، التي يعتبر منتسبوها أن تسلّطهم هو الأمر الطبيعي. وما الآخرون، «المعتدلون» الذين أمّنوا هذه المظلة، إلا مُفَرّطون بالحق، بدوافع وبراهين غير مقنعة من داخل المنهج. وبالطبع، توجد بنية تحتية واسعة لكل هذا «المنهج»: عشرات المؤسسات والأجهزة، الإدارية والأمنية والإعلامية والدينية، التي تنشر التحريض، والحق بالتفوّق والتسلّط، بوصفه العقيدة الصحيحة، التي لم تُمكَّن بعد، ويجب التعامل معها، حاليّاً، بـ»اعتدال». ولكن تبقى هناك أسئلة كثيرة حول جبل الجليد هذا، بقمته «المعتدلة» وقاعدته «المتطرفة»، هل يعبّر فعلاً في مجتمعاتنا عن مشتركات، قيميّة وثقافية ورمزية، نعرفها جميعاً، ولا نجرؤ على الحديث عنها علناً؟ وإن كان كذلك فعلاً، فلماذا نعيش دائماً تحت تهديدات «المعتدلين» لنا بـ»المتطرفين»؟ لماذا نخاف منهم، ما دامت هذه هي ثقافتنا وهويتنا، كما يدّعون؟

الغريب المألوف

يبدو التناقض في ابتزاز «المعتدلين» فاضحاً: هم يمثّلون، كما يُفترض، «ثقافة الأغلبية»، ولكنهم مضطرون لتقديم التطمينات، وكأنهم مشتبه فيهم دائماً. وفي الوقت نفسه، يلقون تعاطفاً من فئات عديدة من غير المتدينين، على اختلاف توجهاتهم السياسية، لكي لا يفشلوا ويقع المحظور، ويتغلّب «المتطرفون». لماذا يبدو موقع مَنْ يفترض أنهم ممثلو عمق الهوية الاجتماعية والثقافية، مُهدّداً دائماً، وكأنهم حزب أقليّة في السلطة، قد يسقط في أي لحظة؟
ربما يعني هذا أنهم بالفعل أقليّة بين أكثرية أشدّ تطرّفاً، ولكن لماذا هذه «الأكثرية» تهديد حقاً؟ قد يمكن تقديم كثير من التفسيرات والمبررات، التي باتت قديمة ومكررة جداً، مثل «رد فعل» على شر ما، سواء كان «استبداداً» أو استعماراً أو إفقاراً، ولكنها لا تُفسّر التهديد نفسه، فإذا كان كل ذلك «رد فعل» حقاً، فهذا يعني أن المجتمعات مشاركة به، أو موافقة عليه، لأنه ينبع من شرط حتمي، بل ربما ميكانيكي («مظلومية» تنتج رد فعل متطرف)، ولن تحتجّ عليه إلا مجموعة من المنفصلين عن مجتمعاتهم، ومنهم «المعتدلون»، أي رجال الدين الرسميون، وقادة الدول ومسؤولوها، والجماعات الإسلامية التي توصف بـ»البراغماتية». عندما نحذف كل هؤلاء فمَنْ سيبقى من «الأكثرية»؟ الجماعات التكفيريّة والإرهابية فقط؟
الذهاب بعيداً في هذا الجدل غير مجدٍ، وربما الأجدى التوقف عن أخذ الابتزاز نفسه على محمل الجد، ومناقشة جذوره، أو افتراضه الأيديولوجي الأساسي: توجد «أمة»، بثقافة وهوية مكتملة، يحقّ لها أن تفرضهما، وتستأصل كل وجود مغاير، لا يقبل بالخضوع الكامل، أو يطالب بالمساواة جديّاً، وإلا فإن الأمة ستشعر بـ»المظلومية». سيكون ممثلو الأمة «معتدلين»، ما داموا قادرين على تحقيق ذلك دون عنف شديد، ولكن إذا اختلّت سلطتهم وسيادتهم، فسيأتي «المتطرّفون»، ليكملوا المسيرة.
قد يكون الخوف من «المتطرفين» هو رعب أمام الذات إذن، فهم أقرب إلى لا وعي الأمة، الذي يعبّر عن نفسه في مناسبات شديدة القسوة والدموية، ويُذكّر بمفهوم سيغموند فرويد الشهير عن «الغرابة المألوفة» (ترجمة غير حرفيّة لدلالة مفردة Unheimlich التي استخدمها بشكل جدلي)، فغير المألوف، المرعب، الوحشي، قد لا يكون غريباً للدرجة التي يدّعيها وعينا، ولكنه حاضر فينا دائماً، وإنْ بشكل مكبوت، وهو يعود للظهور الآن، بكل تشوّهه، ليشير إلى ما نعرفه ونألفه، ما يثير كثيراً من القلق والفزع. المتطرّف قد لا يكون إلا الغريب المألوف، الذي نعرف، في مكان ما من لا وعينا، أنه موجود وفعّال دائماً، وسيعود بالتأكيد، مع كثير من الألم والدم. إلا أن ذات الأمة هذه ليست متجانسة وأحادية وعابرة للتاريخ، للدرجة التي يدّعيها أنصارها، فهي قائمة على مجموعة كبيرة من العناصر المتشظّية، التي تكوّنت عبر موجات متلاحقة من التحديث، والعلاقة مع الآخر («الغربي»)، والحروب الأهلية، ومجازر التطهير الإثني والطائفي، والصراعات الطبقيّة، والقوانين، والسياسات الحيوية، والأيديولوجيات، والإعلام الجماهيري. هنا قد يكون الخوف من الذات، بغريبها المألوف، أكثر من مجرد رعب من عودة مكبوت أصيل، وإنما إدراك خواء كل الخطابات عن الأنا الواحدة لتلك الأمة، الذي تتم مداراته بمزيد من الإنشائيات، فنصل إلى مزيج غريب من الفصام، عن «المتطرّف» الذي «لا يمثّلنا»، ولكننا نبتزّ الآخرين به، بوصفه «رد فعلنا» الطبيعي؛ والرعب من ذلك المتطرّف، الذي سيدمّر حياتنا؛ والشعور بالألفة تجاهه في الوقت نفسه. وراء كل هذه الهلوسة قد لا نجد «نحن» فعليّة نتحدّث عنها. وهذا مرعب.
ربما كان هذا أحد معاني مفردة «الواقعية»، التي يرددها كثير من الناس اليوم في التعاطي مع الأحداث: «الواقع»، الذي يبرز فجأة في عالمنا، على هيئة وقائع شديدة العنف والوحشية، لا يمكننا استيعابها، يتزامن مع انهيار وتعطّل كل شبكاتنا الرمزية لإنتاج المعنى، فلا يغدو أمامنا من حل، إلا الاندماج بكل ذلك، والتطبيع معه، حتى لو لم نستطع تبرير موقفنا بشكل منطقي أو أخلاقي؛ وحتى لو كان ما نندمج معه معيقاً لاستمرار الحياة ذاتها. إنها «واقعية الرعب» إن صح التعبير، الناتجة عن تشوّه وانمساخ كل بُنَانا الاجتماعية والسياسية والثقافية.

البحث عن المُشترك

من المفترض، ضمن هويات مترسّخة، أن هنالك كثيراً من المشتركات، التي تصبح أقرب لحِسٍّ سليم، لا يحتاج إلى عنف ضارٍ لفرضه. لماذا إذن كل هذا العنف، الذي تفرضه كثير من الجهات، من الجماعات الجهادية التي تريد تطبيق الشريعة، وتدمّر في سبيل ذلك المجتمعات المسلمة نفسها؛ وحتى الدول ذات الدين، العنيفة في حرصها على الآداب واحترام الأديان وهوية الأمة؟
يبدو أن الهوية ليست راسخة لهذه الدرجة، والحِس ليس سليماً، ما يعني أننا لم نصل حتى الآن إلى بناء مشتركات، حتى بين أبناء الدين الواحد، فما بالك مع المختلف عقائدياً. بناء المشتركات يتطلّب سلطات قادرة على تحقيق هيمنة فعليّة على مواطنيها، عبر عمليات معقدة، منها احتكار العنف، وجعله مقونناً؛ وإدماج الفئات الاجتماعية المختلفة في مؤسسات متينة؛ وإنتاج رواية جامعة، قادرة على الإقناع؛ والحد الأدنى من السياسات الاجتماعية والحقوق الأساسية. الهيمنة، كما هو ظاهر، نتيجة عمليات «مصطنعة»، وبناءات اجتماعية، وليست بديهيات، تنبع من جوهر هوية أو أمة ما.
وإذا كنا نفتقر إلى سلطات قادرة على بناء «حِس سليم» لدينا، فربما من الأفضل التفكير بحلول أكثر توافقية وتعاقدية بين الأطراف المختلفة، وهذا يتطلّب أولاً الاعتراف بتشظّي الذات الجماعية، سواء سمّيناها «الأمة» أو «الوطن» أو «ثقافة المجتمع» أو «الناس»؛ وثانياً إيجاد صيغ ما للعيش، تؤمّن استمرار الحياة، بعيداً عن الرغبة الفصامية بالسيطرة على الآخرين، وفرض المجتمع الأحادي المتجانس، والتي لا تكمن مشكلتها فقط في قمعيتها واستئصاليتها، بل أيضاً في فشلها ورثاثتها، اللذين يخلّفان وراءهما مزيداً من التشوّهات والدماء.
ربما يكون الإيغال في «ظلمات» الوضع الحالي، والاعتراف بكوارثه وتشوهاته، والتعبير عن هذا بلغة ذات دلالة، الطريقة الوحيدة لبناء مشتركات فعليّة، وهذا اسم آخر للتنوير، الذي لم يكن يوماً مجرد لغة «نظيفة» تعبّر عن العقل، بل أيضاً كثيراً من التعبيرات العنيفة، والمتهكّمة، والتجديفيّة، التي نقضت إجماعات زائفة، لم تعد قادرة على الاستمرار.
كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية