الأساطير المصرية في المخيال الإسلامي: سردية الوعي الشعبي

القاهرة ـ «القدس العربي»: «هو إقليم العجائب، ومعدن الغرائب، وأهله كانوا أهل ملك عظيم وعز قديم» (ابن الوردي).
«حين جاء الإسلام تصحبه اللغة العربية، امتزج ما جاء فيه بتراث مصر العريق. ولم يتنكر العلماء والباحثون المسلمين لتراث مصر القديم ـ كما يفعل بعض السفهاء اليوم، بزعم أنه تراث وثني ـ وإنما انبهروا به وتبنوه، وأظهروا إعجابهم بالحضارة المصرية القديمة، ونسجوا حولها الأساطير التي أضافوها لرصيد مصر الثقافي» (قاسم عبده قاسم).
تتصدر هذه العبارات مقدمة كتاب «الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين والرحالة المسلمين» للباحث والأكاديمي المصري عمرو عبد العزيز، الصادرة طبعته الأولى عن دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2008، وطبعته الجديدة مؤخراً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2024. وينتهج المؤلف من خلال مقدمته ما يُشبه منهج التاريخانية الجديدة، حيث يبحث في المصادر غير الرسمية للتاريخ، كمحاولة لاكتشاف المسكوت عنه، والذي يأتي دوماً على لسان العامة، من خلال الحكايات والأساطير الشعبية.. «من هنا تأتي مشروعية تلك الدراسة، التي تحاول أن تملأ فجوات في بنية (المسكوت عنه تاريخياً عمداً أو دون قصد) في المصادر التاريخية التقليدية، والتي لا تستطيع وحدها أن تقدم لنا الحقيقة التاريخية، لذا فالدراسة تصدر عن رؤية تلتمس في الماضي التفسير الشعبي للتاريخ».

اسم (مصر)


ونبدأ بالروايات التي بحثت في سبب تسمية المكان بـ(مصر)، فيعود الاسم إلى أحد أحفاد نوح، وهو (مصرايم)، وقد أشار ابن إياس إلى ذلك.. «كان في زمن مصرايم، الذي سُميت مصر به». كما ينسب المقريزي إلى مصرايم أنه.. «أول مَن صنع السفن في النيل، ويقال إنه نكح امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة أولاد، هم (قبطيم)، (أشمون)، (أتريب)، و(صا)». ويلاحظ المؤلف مدى اهتمام العرب بالأنساب، بداية من الأب وحتى العائلة والعشيرة، ولم يجعلهم الإسلام يتخلون عن تراثهم هذا، بل طوّعوه في خدمة أغراضهم الثقافية الجديدة. وبالتالي أثرت فكرة الأنساب العربية إلى البحث عن جد أعلى أسطوري يفسرون به معنى الاسم. فأبناء (مصرايم) يُنسب قبط مصر إلى أولهم ـ نسل المصريين ـ أما الباقي فأسماء لمدن مصرية. ويبدو أن النزوع إلى نحو نسبة (مصر) إلى العرب والإسلام، هو الغالب في كتابات المؤرخين، ربما تحت تأثير الواقع الجديد، الناتج عن فتح مصر ودخولها في الإسلام. وهو نفسه ما تم في عهد الإسكندر، عندما كانت تُذكر مصر على أنها تنتسب إلى مقدونية، منذ تتويج الإسكندر في واحة سيوة، كأحد أبناء الفراعنة، وهي في حقيقة الأمر حيلة سياسية من كهنة آمون ليس أكثر.

الموروث الشعبي

بداية يرى المصريون أنهم منذ النشأة ينتسبون لابن نوح، فهم قوم موحدون ـ إضافة إلى تجربة أخناتون (المُختل) التي تم تطويعها وفق وجهة نظر التوحيد هذه، والتي كانت بعيدة كل البُعد عنها في الحقيقة ـ وما مجيء رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) إلا إكمالاً لرسالة التوحيد الممتدة هذه، فكان من الضرورة البحث عن انتساب إلى مكانه ونسله، وهنا تأتي أهمية (هاجر)، التي عمّرت أرض العرب، واحتفى بها الموروث الشعبي المصري أيما احتفاء، فكانت مصر تعولها ومَن معها لأنها ابنة مصرية، بداية من حفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، وإيصال الطعام والشراب والكسوة إلى (أم إسماعيل)، وصولاً إلى إطعام أهل الجزيرة وإرسال كسوة الكعبة الشريفة، وسفرة المحمل التي تحدث عنها الكثير من الرحالة إلى وقت قريب نسبياً وفق الحديث عن واقعة تاريخية.

حادث الطوفان

بينما تصوّر التوراة بأن حادث (الطوفان) كان عالمياً، وتمجيد سام بن نوح، بما أنهم من نسله، وبالتالي انتقل الحادث، أو تمت إعادة تفسيره وفق هذه الرؤية، إلا أن هناك حضارات أخرى تنكر هذه المقولة كالهند والفرس والصين، حيث ترى أنه وإن جاءتهم أخباره ـ الطوفان ـ إلا أنه اقتصر على جزء من الأرض، دون أن يصل إليهم. فالحدث في الأخير ليس عالمياً.
فيقول المقريزي.. «الفرس وسائر الكلدانيين، أهل بابل والهند وأهل الصين، وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان… ولم يعم العمران كله، ولا غرق إلا بعض الناس، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولا بلغ ممالك المشرق».

المخيلة الشعبية

ولم تترك المخيلة الشعبية المصرية الحادث يمر مرور الكرام، بما أنها مضروبة به، فيحكي محمد بن أي الحسن البكري في كتابه «الروضة المأنوسة في أخبار مصر المحروسة» أن.. «نوحاً عليه السلام لما طاف الأرض بالسفينة، صار كلما مرّ على بلدة، خرج إليه الملائكة الذين يتولون حراستها، فيسلمون عليه. فلما مرّ على مصر لم يخرج إليه أحد، فتعجب من ذلك، فنزل عليه الوحي من الله تعالى، بأن لا تعجب فإن كل بلدة قُيّدت لها ملائكة لحراستها إلا مصر، فإني توليت حراستها بنفسي». وتمتد المخيلة الشعبية أيضاً حتى تجعل من بناء الأهرام سبباً لتفادي الطوفان، الذى جاء كرؤيا في منام أحد ملوك مصر، ذلك كما يذكر المقريزي والسيوطي في أسباب بناء الأهرام. لاحظ أيضاً أنها (رؤيا) وأنها تخص (الملك)، وهو أمر يرتبط تماماً بالتراث الديني الإسلامي كوجهة نظر في تفسير الوقائع التاريخية.

مسجد ابن طولون

ونأتي إلى مسجد (جامع) ابن طولون، وتصميمه الغريب عن مساجد مصر الأخرى، فتصوغ المخيلة الشعبية حكايتها بأن ابن طولون بعدما أمر ببناء الجامع، زارته رؤيا تمثلت في صاعقة من السماء تنزل، فتبيد كل ما يحيط بمسجده، أما المسجد فلم يتأثر بشيء. فقدم له المفسرون تحليلاً مطمئناً لحلمه. ولكن المقريزي يؤكد صحة الرؤيا بقوله.. «وقد صح تعبير هذه الرؤيا، فإن جميع ما حول الجامع خرب دهراً طويلاً، وبقي الجامع عامراً».
أما عمارة المسجد ومحرابه، والذي يخالف بناء المساجد، فتؤكد المخيلة الشعبية أيضاً، أن ابن طولون طالته الرؤيا، فأبصر تصميم البناء بها على شكل مجموعة من النمل يتشكّل من خلالها، حتى أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد خط له النموذج ـ الناس كانت تخاف من تصميم الجامع ومئذنته الغريبة ـ إضافة إلى أن مكان الجامع نفسه ينتمي لمكان أسطوري ـ جبل يشكر ـ فقد ناجى موسى الله من فوقه عدة مرّات، كما قيل، إن سفينة نوح رست عليه في نهاية الطوفان.
أما المئذنة العجيبة، فكان لا بد لها من تفسير فالمئذنة كانت على طراز (ملوية سامرّاء) وهي الحضارة التي ينتمي إليها ابن طولون، كما أن تراثه البصري بمفهوم هذه الأيام ـ وربما الروحي ـ كان ينتمي إلى تلك الحضارة وبناياتها، حتى إن كانت في الأساس تنتمي إلى حضارات وثنية لا تعبّر عن الروح الإسلامية، ولكنه الحاكم، ولا بد من تفسير وتبرير شعبي لأفعاله ولو كانت عجيبة ومخاصمة للعقل. فهل نستغرب من أن يأتي أحد اليوم ويقول إنه كلم الله؟ والأعجب أن (الله) جل شأنه ردّ عليه!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية