الإبداع الأدبي واستجداء الأصداء

حجم الخط
0

لا ريب في أن إبداعا بلا صدى أشبه ما يكون بالصوت الأصم الذي لا يسمع له رجع؛ ولذا كان من الطبعي جدا أن ينشغل الأديب شاعرا، أو قاصا، أو روائيا، أو كاتبا مسرحيا، بما يثيره إبداعه من وقع، وما قد يحدثه من أثر في المتلقي سامعا وقارئا. وتعتبر هذه الأصداء بمثابة جزاء من المفترض أن ينصت إليه بمنتهى التمعن والتدبر؛ لأن ذلك قد يغمره بإشراقات الرضا والاطمئنان، ويغذيه بالطاقة، ويشحنه بالحماس، ليرتقي بثبات سلم الإبداع، أو يحمله على إعادة النظر في إبداعه، معانيه ومبانيه، بما يصقله، ويزيده تهذيبا وتجويدا، بل ويفتح له الجديد من المسالك والأبواب.
إن أصداء الإبداع تتخذ صورا متعددة، ومن ذلك تلقي عبارات التهنئة والمباركة التي يسخو بها لفيف الأصحاب، والقراءات الانطباعية والتأثرية التي يجود بها القراء، والدراسات والأبحاث العلمية الرصينة التي يتكرم بها النقاد، والمقابلات التي يجريها المشتغلون بالصحافة والإعلام، وتنظيم حفلات التوقيع والتكريم التي تحتضنها الجمعيات والصالونات والمنتديات المعنية بالإبداع الأدبي؛ بيد أن هذه الأصداء يتباين مداها، وتتفاوت حدتها على قدر قيمة الأثر الأدبي، وعلو كعب صاحبه، وذيوع صيته طبعا، ولكن قد يكون ذلك أحيانا على قدر المنازل والمراكز التي يتبوأها، وحجم المنافع الذاتية التي يمكن أن تحصد، وما يبذل من همة ونشاط في تجنيد وتسخير من يثير هذه الأصداء.
ومن الظواهر المقيتة التي تشين مشهدنا الأدبي، ظاهرة لم أجد لها توصيفا أليق من «استجداء الأصداء»؛ ذلك أن زمرة ممن شقوا طريقهم في درب الإبداع الأدبي، أولئك الذين تعجلوا جني بواكيرهم الأدبية قبل نضجها، فاقتطفوها قبل أن يستوي لونها، وحجمها، وشكلها، وطعمها، انطلقوا في استكمال مسلسل الاستجداء الذي بدأوه أول مرة بتوسل من يدبج لهم تقديما يكيل لهم فيه حفنات من الإطراء الزائف، ويوفيهم بغير حساب أمدادا من الثناء الكاذب الخادع.
والطريف في الأمر أن يوسم الواحد من هؤلاء بالمبدع الكبير، والأديب المتميز، ويوصف عمله بالتحفة الأدبية والدرة الفنية والجوهر الجمالية، فيصدق المزاعم المضللة، ويحسب المجاملات التي كيلت له بكل سخاء حقائق لا يأتيها الباطل، فيصاب بداء الغرور، ويمضي في طريق الاستجداء داعيا نفسه بإلحاح ليشارك في هذا الملتقى وذاك المهرجان، ويطرق أبواب الجمعيات طامعا في احتفاء أو تكريم، ويقصد الأندية والمقاهي شاهرا بزهو كتابه، فيملأ الدنيا، لا يملأها، طبعا، بمعشار قصيدة مما ملأها أبو الطيب المتنبي، إنما يملأها بضجيج الاعتداد والتباهي، ويشغل الناس، لا يشغلهم بروائع الإبداع، وفضائل الزهد والتعفف والتواضع؛ إنما يلهيهم بأحاديثه التي لا تنتهي عن إبداعه الفريد، الذي خصه فلان بالتقديم، وشمله «علان» بالدرس والتحليل.
وينتقل الاستجداء من الواقعي إلى الافتراضي الإلكتروني، فلا يجد أدنى غضاضة في سؤال الإعجاب، والتقاسم، والتعليق، يسأل كل ذلك إلحافا فيغرق الصفحات بالمواد، فإن وافق الصدى هواه اغتبط وبالغ في الثناء، وإن جاء على غير ما يشتهي ويرضى أعرض ونأى بجانبه.
ومجمل القول، إن استجداء الصدى للإبداع الأدبي بالكيفية التي لمحنا إليها آنفا سلوك مقيت مذموم يحط من قدر فاعله، ويعيب المضلل الذي يجاريه، ولا يحفظ للإبداع أصالته وصفاءه ورونقه. وعلى أي حال إن كل إناء إبداعي ينضح بما فيه، وكلما كان هذا الإناء ممتلئا كان صداه طيبا، أما إذا كان فارغا، فلن تسمع إلا نشازا مزعجا، وجلبة تصيبك بالصداع في زمن أطبق فيه الضباب على فضاء الإبداع، والصدى التلقائي الموهوب خير وأبقى من الصدى المفتعل المجلوب.

كاتب من المغرب

عبد الله زروال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية