في البحث عن كيفية تحسين صورة البلاد ثقافياً: فعاليات ثقافية في دول العالم لا يحضرها إلا موظفو وزارة الثقافة العراقية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: تسعى الملحقيات الثقافية في سفارات أغلب الدول للكشف عن معالم بلدانها وتقديم الثقافة بتنوعاتها واختلافاتها للعالم، بدءاً من الثقافة الرسمية، مروراً بثقافة النخبة، وليس انتهاءً بالثقافة الشعبية والفلكلور.
الأسابيع الثقافية التي تقيمها هذه الملحقيات هي التي تبرز للمهتمين بالثقافة أهم الوجوه والإصدارات والمشاريع التي يمكن أن تغير من البنى التحتية… وربما لم تمر على العراق؛ منذ زمن الشاعر عبد الوهاب البياتي، الذي كان مستشاراً ثقافياً للسفارة العراقية في إسبانيا لأكثر من عشرين عاماً، شخصية تعنى بالثقافة أو تعرف مثقفي العراق، المشهورين منهم والجدد. وإذا ما عملنا جرداً للملحقيات الثقافية في سفاراتنا بأغلب؛ إن لم يكن جميع، دول العالم، سنكشف عن وجه الفجيعة الحقيقي: محاصصات طائفية بنيت عليها وزارة الثقافة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية ما بعد النظام البعثي، أنشأت محاصصات أخرى في الملحقيات الثقافية والبيوت الثقافية العراقية في مختلف الدول. فضلاً عن أن أغلب الفعاليات التي تقيمها هذه الملحقيات لا يحضرها إلا موظفو وزارة الثقافة، إن كانوا في البلدان التي تقام فيها، أو ضمن الدعوات التي توجه للعراقيين في الداخل، فتجد أن هؤلاء (الموظفين) يتنقلون بين دولة وأخرى من دون دعوة المثقفين والكتاب والفنانين الحقيقيين الذين لديهم منجز يمكن أن يغير من الصورة القاتمة للثقافة العراقية.
لكن السؤال المهم هنا هو: هل نمتلك ملحقيات ثقافية حقيقية في سفاراتنا العراقية؟ وهل يديرها أشخاص مؤهلون لمثل هذه المناصب؟ وكيف يمكن أن نحافظ على صورتنا الثقافية الرسمية؟

عروض أزياء الموظفات

الروائي فيصل عبد الحسن، الذي يقيم في المغرب منذ سنوات طويلة، يؤكد أنه للأسف لا يوجد ما يشير إلى أن ملحقيات ثقافية عراقية توجد لنا في دول العالم، بل يوجد موظفون لا عمل لهم غير تسلم الرواتب الضخمة من خزينة العراق، والحضور إلى ولائم حفلات سفارات الدول الأخرى في مناسباتها الوطنية، ولا تجد أحداً من هؤلاء الموظفين الساميين؛ كما تسميهم السفارة يعرف كتابة جملة واحدة سليمة باللغة العربية أو الإنكليزية أو الفرنسية، هم في الحقيقة مجموعة من الموظفين الصامتين، الذين يقابلونك في السفارات بوجوه عابسة، ويذكرونك برجال مخابرات العهد الصدامي السابق، ومعظمهم من أولئك الموظفين أو من لصوص العهد الجديد، لو قمنا بفحص ملفاتهم جيداً، وتابعنا ماضيهم. ويضيف عبد الحسن، على سبيل المثال؛ هنا في السفارة العراقية في الرباط، كانت آخر احتفالية قدمتها السفارة عبارة عن حفلة غنائية بائسة قدمت قبل سنة كاملة حضرها فنانات هابطات من الدرجة العاشرة من المغرب، وكردستان ومن الموصل، إذ ظهر موظفو السفارة وزوجاتهم والملحق الثقافي وموظفة مغربية كانت تقدم برامج لتقديم أطباق الأطعمة في التلفزيون المغربي، وقد أشرفت على تنظيم الحفل، في ما يبدو ذلك من وضعها للمسات الأخيرة عليه قبل الافتتاح، وأخذها وضع المايسترو قبل رفع الستارة، بلحظات، وكانت مواهبهم الحقيقية في عرض الأزياء الحديثة، كما استقتلت الموظفات بإظهار كميات الحلي الذهبية التي كانت ترتديها كل واحدة منهن، وكان كل حزام ذهب ظهر في تلك الحفلة حول خصورهن، وكل غطاء رأس من الذهب الخالص يكفي لإشباع عائلات عراقية جائعة لمدة سنة، بينما الكثير من العراقيين المساكين من الجالية واللاجئين في المغرب لا يجدون عملاً، ويعانون يومياً في تلبية حاجات عائلاتهم، وهم أصحاب شهادات عليا في مجالات أدبية وإنسانية وثقافية وعلمية.
عبد الحسن يأسف مرة ثانية بقوله: ليس لدى العراق ملحقيات ثقافية مشرفة لنا كعراقيين وككتاب وكمثقفين في سفاراتنا، فضلاً عن أن وزير خارجيتنا لا يدري ما يجري في ملحقيات سفارات العراق، ولا أحوال المثقفين العراقيين في معظم الدول العربية وأوضاعهم المعيشية البائسة.

صور ثقافية

لطبيعة الوضع في العراق وتطوراته عقب الاحتلال الأمريكي وسلطة الطوائف التي دهورت الوضع وأوصلته إلى ما يشبه حرب أهلية. أصبحت الثقة بفعاليات تقيمها الملاحق الثقافية نادرة تكاد تكون في السنة فعالية واحدة أو لا، حسبما يقول الروائي سلام إبراهيم.. مضيفاً أنه خلال العام الماضي لم يقم الكيان الذي أنشئ بأي نشاط هنا في الدنمارك؛ مثلاً، على الرغم من أن المشرف على النشاط الثقافي الفنان خليل أبو سلام، الذي له تجربة وخبرة في إقامة الفعاليات. المشكلة في سمعة السلطة والفساد وأخبار القتل وبشاعة الواقع. وأشار إبراهيم إلى أن صورتنا الثقافية الرسمية لا تستقيم من دون أن يستقر الوضع وتأتي سلطة حقيقية وطنية تجمع العراقيين حول برنامج يعمل لحل مشاكل المجتمع وتحقيق العدالة، عند ذاك نستطيع أن نفعل وتكون صورة ثقافتنا الرسمية معقولة، في حين نجد نشاطاً مكثفاً للتجمعات الأخرى، كنشاط التيار الديمقراطي هنا، الذي شكل نادي الكتاب والسينما، إضافة إلى فعاليات متعددة كعروض سينمائية عراقية والاحتفاء بالكتاب والفنانين العراقيين.

المنجز والرسمية

ومن وجهة نظر الشاعر كريم ناصر، فإن الفرق بين الماضي والحاضر يبقى واسع الدلالة، فمهما كان الماضي من وجهة النظر الفكرية ملتبساً، لكنّه يبقى من منظورنا الأدبي صيرورة زمنية استطاعت أن تقدّم على المستوى الشخصي أدباً راقياً ترك بصماتٍ معرفيةً في مفاصل كثيرة، لكنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في الماضي ولا تكمن في سيرورة الحاضر، فنحن نعيش بداهة في عصر انحطاط فكري تنقصه الكياسة، وربما تنقصه معايير منطقية، ما أدّت إلى ضعف المنظومة الفكرية بسياقاتها المختلفة..
مضيفاً أن الثقافة تعدّ من منظورنا منجزاً فكرياً فردياً يخرج في العادة عن سياق المؤسسات الحكومية الرسمية، من هنا لم تبق أيّ قيمة حضارية للملحقات الثقافية، ومع أنّنا لم نعرف بالضبط ماذا يدور في أروقة السفارات، لكننا نستطيع أن نجزم أنّ الأمر ليس بهذه الأهمية، إذا وصفنا الثقافة منجزاً حضارياً فردياً بالمعنى الحقيقي للحضارة.. وكل ما يمكننا أن نقول هو إنَّ أيّ فعالية لملحقية ثقافية في أيّ من السفارات في العالم لا تعدو كونها (حفلة تعارف) وأيّ إحصائية للملحقيات الثقافية المذكورة ستعطينا حتماً الانطباع نفسه، وربما سنجد أنفسنا أمام إشكاليات معقّدة نحن في غنىً عنها. إنَّ المؤسسة الحكومية بوصفها دائرة بهذا المعنى فلا تمثّل على المستوى الفكري إطاراً ثقافياً، فلو دخلنا في أروقة السفارات مثلاً، فلن نجد ما يشير إلى نشر الثقافة، فمنذ الحقبة البعثية الفاشية وإلى الآن وحتى يوم ينتهي الخلق سوف يبقى الوضع كما هو الحال، وهذه قاعدة أساسية ومعروفة، هنالك أشخاصٌ يتبوؤن مواقع ثقافية حسّاسة ولا يفقهون ما ندعوه في العادة أدباً، ولا تهمهم ثقافة البلد ولا يعدون الثقافة قيمة أدبية، فعادة ما يهمل السياسيون قوانين اللغة وفي أكثر الأحيان لا يعدونها الأداة الأساس في بناء الحضارة، فليست قضية الإبداع مهنة إدارية، وليس الأدب (تجارةً ربحية) ولا واجهة سياسية لسفارةٍ ما أو لدولةٍ ما أو لحزب ما.. فما نحتاجه اليوم غير ذلك، فلن تكون أدواتنا الثقافية مجرّد كلمات نستعملها عشوائياً لمدح أحد، فلا يمكن أن نعدّ ذلك ثقافة، ونحن كمثقفين علينا أن نبني صرح ثقافتنا خارج نطاق مؤسسات الدولة، ومهمّتنا يجب أن تخترق صيرورة الدولة وتتجاوز منظومتها الرسمية، فللأدب وظيفةٌ إنسانية كبرى كما نلاحظ ذلك في الفكر والفلسفة والفن.

سفارات لا تتحدث العربية

ومن تجربة شخصية عاشها الشاعر ناجي رحيم؛ المقيم في هولندا، بيَّن أنه ذهب للسفارة العراقية في لاهاي بزيارتين متباعدتين زمنيا، «الإجابة قد تشير، بالمقارنة، إلى نفي وجود ملحقيات ثقافية حقيقية، وإلى عدم تصديق وجود أشخاص مؤهلين لإدارتها. أفترض أنك تستطيع التحدّث بلغتك الأمّ إذا كنت في سفارة بلدك، من دون سوء فهم يذكر، وهو ما لم يكن عليه الأمر في 2005 زيارتي الأولى، ومعرفتي لأوّل مرّة، مقرّ السفارة. مع احترامي الأكيد، كان يبدو وكأنّني دخلت سفارة دولة كردستان، ساعات تجرّ ساعات، أتذكّر غضب كثيرين من طول الانتظار، خاصة أنك في بلد يحترم الوقت ويعرف قيمته، لا مجال لمقارنة، في أي مؤسسة هولندية تدخل وتقطع رقم دورك، تتابعه على شاشات وينتهي الأمر، في تلك الزيارة كنت شاهد عيان، كيف يأتي البعض، يتبادل همسات مع الاستعلامات، دقائق ويذهب ضاحكاً وقد نال ما أراد، أو تفتح له أبواب إلى الداخل بعيدة عن تململ مساكين»، كان ذلك الأمر مشابهاً لما حدث في عام 2008 حسب ما يتحدث ناجي، مع تحسن بسيط، انتظار أقصر وإمكانية التحدّث بالعربية. مضيفاً أنه يعيش في هولندا منذ أكثر من عشرين عاماً، في مدينة قريبة من لاهاي، لم يدع إلى مناسبة ثقافية أقامتها السفارة، «نعم اتصل أحدهم، ذات مرّة، متحدّثاً عن علاقته الدسمة مع السفير وعن رغبة السفارة في تنظيم أماسٍ ثقافية… إلخ، لم يأت من ذلك شيء، في ما يخصني، لست من روّاد السفارة، حضرت مناسبات ثقافية عراقية، معارض تشكيلية أقيمت في أمستردام ومدن أخرى، ورأيت ممثلين عن السفارة، هذا أمر جيد لكنه لا يشير إلى ملحقيات ثقافية».
أما كيف يمكن أن نحافظ على صورتنا الثقافية؟ فهذا سؤال صعب؛ يقول ناجي، ربما في احترام الوقت، في مقاربة الشأن الثقافي بشكل جامع، في الابتعاد عن المحسوبية والمحاصصة، في تعلّم لغة البلد المضيّف، في متابعة وتنظيم فعاليات ثقافية تعرّف بالعراق، ربّما في هذا بعض من إجابة.

ملحقيات وبعثات

الشاعرة آمال إبراهيم تؤكد على أن الملحقيات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة المنتشرة في العالم لا تختلف كثيراً في أدائها عن سيناريو الفرد الأوحد أو الأداء المعتمد على التصريحات الارتجالية وليدة لحظة سؤال المستفيدين وجواب من تم تعيينهم ضمن الرزمة الوزارية الجديدة وتياراتها المتلاطمة. يتبين لنا من خلال المواقع الرسمية للملحقيات الثقافية التي تمثل نافذة التواصل مع طلبة الدراسات العليا العراقيين؛ على سبيل المثال، في مختلف المدن في العالم أن ثراءها يتباين على وفق نشاطات المستشار الثقافي المعّين في تلك الدولة، التي غالباً ما تنحصر بالزيارات واللقاءات وتنظيم احتفاليات التخرج والاجتماع بالطلبة الجدد سنوياً وغيرها من فعاليات تنظيم وجود الأسرة الوافدة من العراق لغرض الدراسة.
أما ما يقلق حقا فهو أن هذه المنافذ تشابك أذرعها مع شخصيتين معنويتين قلقتين، الأولى دائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في بغداد، التي يسميها المبتعثون (مقبرة الأوراق) لما عانوه من ويلات فقدان أحبتهم الورقيين والذين أصبحوا في عداد المفقودين في زحام فوضى هذه الدائرة. والذراع الأخرى تمتد ملؤها الرجاء، إلى الكادر المتجدد في الملحقيات، الذي يتمتع بلباقة لغوية ملحوظة وبرؤية ضبابية لاحتياجات الطالب في البلدين الباعث والمبتعث إليه! وهنا يدخل الطالب أتون الـ(ربما) ليجرب حظه في الضربات الموفقة من عدد النسخ ومعايير المعاملة وغير ذلك من تفاصيل معقدة.
وتوضح إبراهيم أن التقشف الذي ضرب بردائه الثقيل على جميع مفاصل الدولة وصل إلى تحميل الطلبة الكثير من الأعباء المالية التي كانت تتولاها الملحقيات الثقافية بالنيابة عنهم، أضف إلى ذلك المسيرة العرجاء لرواتبهم التي تصل حسب (التساهيل). الكلام كثير وهنالك حقائق من الممكن أن تملأ صفحات عفيّة! ولكن، كما تمت السيطرة مثلا على أن لا يسلم الراتب للطالب إلا باستلام ما يثبت اجتيازه الفصل الدراسي بشكل مصدق ورسمي للسيطرة على حالة القفز من على سور الدراسة، وتتمنى إبراهيم أن توضع ما يماثل هذه الإجراءات لرسم سياسة تلزم القائمين على هذه الملحقيات بأداء التزاماتهم تجاه الطلبة المبتعثين ولا يتغير الإحساس بالمسؤولية تجاههم مع تغير الأسماء التي تتسنم هذه المناصب. من جانب آخر، وفي ظل الظرف الإعلامي الحرج للعراق، تمثل هذه الملحقيات منافذ مضيئة من الضروري استغلالها والتفكير خارج الصندوق لتحقيق برامج تواصل فاعلة بين شباب البلدين والكفيلة بإزالة حواجز الأعلام السوداء.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية