في الصفحات الأولى، وبمجرد أن نبدأ بالقراءة، تقع الحادثتان اللتان ستُبنى الرواية على قسوتهما الفادحة. أولهما سقوط طفل، أو إسقاطه، أو رميه من نافذة منزل، إلى الطريق؛ والحادثة الثانية إفراغ الفتاة دلو َالجاز على رأسها وجسمها وإشعال النار فيهما، ثم سقوطها إثر ذلك كتلة متفحمة على الطريق. حادثتان مروّعتان ستتحمل فظاعتهما امرأتان إحداهما كاتبة روائية (رضوى) والثانية اختصاصية في نزع شعر النساء بالليزر (يمنى).
الصدمة التي تلقتها الامرأتان، أو تلقّتها كل منهما، لن تكون عابرة، فهي لن تتوقف عن التحكم بكل ما تفعلانه من بعد ما شاهدتاه، كما ستودي بهما إلى التيقّن من أن العالم البشع الذي عاشتاه سيزداد بشاعة. هما بطلتا الرواية، وقد ضمّتا إليهما الفتاة المحترقة (مرمر) وهي في الثالثة عشرة من عمرها، لتكون البطلة الثالثة، مع أنها ماتت منذ بداية تولّي المرأتين سرد حكايتيهما.
هما حياتان تعلّقتا بحرق مرمر نفسها، كما بحادثة وليدها الذي أُسقطته. لم يعد شيء يجري لهما يمكن تخليصه مما اعتبرتاه فجيعتهما، سواء تعلّق ذلك بماضي حياتيهما أو بحاضرهما فيها. ثم هناك المكان المقيمتان فيه، وكذلك البشر في المكان. البطل السلبي الكريه في الرواية هو عزوز، عمّ مرمر، المقيم مع أهلها في بيتهم، رغم اقترابه من عمر الستين، والمندسّ في فراشها ليلا متسبّبا بفاجعتها بعد ذلك. عزوز يظل حاضرا في الرواية حتى نهايتها، وقد اختُتمت الرواية به شاهدا على هدم الجرافات للحيّ كله، بما في ذلك أكشاك البيع فيه ومقبرته ومستشفى المجذومين كذلك. أولئك الذين في الجوار والذين، كلما اقتربت الرواية منهم، تولّدت منهم أكثر مشاهدها قوّة وقسوة، سواء تعلّق ذلك بأشكالهم، أو باعتدائهم المستمر على بعضهم بعضا، أو باحتكاكهم بمن هو خارج معتزلهم، أو بالتحرش الذي يقومون به، هم الفاقدون لأجزاء من أياديهم وأرجلهم ومناطق أخرى من أجسادهم، فرغم فقدهم الكثير من أطرافهم، ما زالوا يشعرون بإلحاح تلك الرغبة. حتى الموت لن يكون قادرا على إخراجهم من حيث هم، لذلك أقيمت مقبرة لهم حيث هم، ليُدفنوا حيث عاشوا.
ثم هناك البيوت المطلة على منطقة المجذومين، حيث الفقر الذي لا يجارى في تشكيله لعلاقات المجاورة وأخلاق الساكنين وإجراء الحياة على البشر بذلك القدر من الوحشية. ذلك يتعلّق بعيش النساء الذي تغلب عليه في الرواية الحمل والإنجاب، كرها أو اعتيادا، وإسقاط الحمل، أو قتل المواليد إن لم تتمكن تلك التي اسمها نجاة من التخلّص منهم بعقاقيرها والجراحات البدائية السريعة التي تجريها. تجارب الولادة وما قبلها، وكذلك في أثنائها وبعدها، تملأ حياة الجارات اللواتي تُظهر الرواية قربهن من مراحل نموّ الأجنة بدءا من شهر تكونهم الأوّل. دمٌ وكتل من دم تسقط في المراحيض أو تُدفن إن صارت مرئية في جسم. وما هو بالغ القسوة هو تلك الألفة التي تقوم بين من كانت هذه حياتهم. الألفة التي تجعل نساء المبنى، أو نساء الحي، يشتركن في تسهيل الفضيحة على الواقعات فيها، مثل مساعدتهن لمرمر على التخلّص من حملها، وإذ يتعذر ذلك على نجاة، يساعدنها على التخلص منه برميه.
ومن مظاهر الإلفة أيضا أن يعيش عزوز بينهم بعد اغتصابه لابنة أخيه، بلا عار يلحقونه به. لا يُبعَد من الحي، وهو لا يتوقف عن الجلوس في المقهى ومنادمة رواده. كما أن أخاه، والد مرمر، لم يصدر عنه لوم أو عتاب أو سباب، ولا أي رد فعل تجاه ما فعله أخوه.
عوض عبد الدايم (والد مرمر) حاضر فقط في فصل صغير خُصّص له. كان عليه أن يستمر في عمله بائعا للجاز لإعالة المقيمين معه، مع ان شغله ذاك صار أقرب إلى الانقراض، حيث صار الناس يستعملون مواد أخرى، غير الجاز، لطبخ طعامهم، كما أن الحصان الذي يجرّ الكنكة اكتهل ولم يعد قادرا على القيام بما كان يقوم به.
المشاهد الجانبية والبشر الجانبيون لا يقلّون حضورا عن بطلتي الرواية. ربما لأن الامرأتين تولّتا سرد كل ما يجري حولهما، تاركتين لنفسيهما القليل المتأتي من شعورهما بالذنب عن أفعال لم ترتكباها. لم يحدث ليمنى أكثر من اقتراف خيانة واحدة، ورضوى الروائية منشغلة بما تعرف أنه لن يوصلها إلى ما تصبو إليه. ما قالته عن الكتابة ربما هو بين الأكثر صدقا وعمقا من معظم ما كتب عن أزمة الكتابة والكتّاب. ذلك الطموح الذي لن يُبلغ طالما أن حدّه ليس في مجال المنظور أو المتخيّل. ثم إنه، في لحظة تحقّق الإنجاز تعرف، هي الكاتبة، أن المكافأة أقل بكثير مما وُعدت به.
كتابة نورا ناجي في روايتها الأخيرة، متفجّرة وقلقة، متحفّزة ومبدعة، جُمل تتتابع كما لو أنها تتلاطم، إذ لا تتيح لقارئها أن يتوقف قليلا ليحتفل بقوّة ما قرأ، رافعة إياه، مع الجملة التي تلي، إلى ذروة مبدعة أخرى، فأخرى..
«بيت الجاز» رواية نورا ناجي صدرت عن دار الشروق في 202 صفحة – سنة 2025