بعد مرور خمسين عاما على عرض فيلم «فكوك» Jaws عام 1975، فإنه ما يزال أحد أشهر أفلام السينما العالمية على الإطلاق وأكثرها نجاحا تجاريا، على الرغم من بساطة قصته التي لم تكن سوى محاولة ناجحة لقتل سمكة قرش كانت تمنع السياح من السباحة في المنطقة المحيطة بجزيرة في ولاية ماساشوستس الأمريكية. ولكن حكاية هذا الفيلم وتأثيره على المجتمع وعالم السينما أهم من نجاحه التجاري بمراحل. كان الفيلم مأخوذا عن رواية عن مدينة ساحلية صغيرة يتصف سكانها بمختلف المساوئ الأخلاقية والقانونية. وكان السياح يرتادون هذه المدينة صيفا للاستمتاع بشاطئها الجميل، ما شكل دخلا ماليا مهما للمدينة الصغيرة. ولكن سمكة قرش ظهرت فجأة مانعة السياح من ممارسة هوايتهم المفضلة. وفي النهاية يتحد بعض سكان المدينة ويقضون على ذلك القرش «الخطير».
تبدو الرواية وكأنها عن عقاب إلهي لسكان المدينة لخطاياهم الكثيرة وصراعاتهم المستمرة، ما جعل مكافحة القرش أمرا بالغ الصعوبة. وإذا كان السباحون في الرواية قد نجحوا في جذب القرش إليهم، فإن هذا القرش نجح في جذب تعاطف القراء والنقاد نوعا ما، نظرا لسوء أخلاق السكان، إذ لم يكن أي منهم يستحق الاحترام، أو التعاطف، حتى السياح حيث كانوا يحتشدون على الشاطئ لرؤية القرش، وكأنه كان ينتظرهم ليحييهم، وكان منهم مجرمون. ولذلك، فإن نجم الرواية ربما كان القرش نفسه. وتركزت انتقادات البعض على الأسلوب الممل لكاتب الرواية، وتقديمه لشخصياتها بشكل سطحي. واتهم بعض النقاد المؤلف بالاقتباس من رواية «عدو الشعب» والرواية الشهيرة «موبي دك» ومصادر أخرى.
وما أثار سخرية النقاد أن مدير الشرطة في الرواية كان الوحيد القادر على القيام بعمل بطولي حقيقي ضد القرش، ما جعل الرواية قصة ساذجة وكأنها رواية تقليدية عن رعاة البقر. وقد صرح كاتب الرواية نفسه بأنه فوجئ بنجاح الرواية الكبير. ولهذا السبب قبل المؤلف مبلغا زهيدا عندما طلب منه المخرج ستيفن سبيلبرغ شراء حقوق الرواية قبل نشرها. ولكن هذا النجاح لم يكن ربما لروعة الرواية، بل بسبب الدعاية الهائلة التي قام بها مخرج الفيلم ستيفن سبيلبرغ وزملاؤه، حيث وجدوا أن الدعاية لها ستمثل دعاية مثالية للفيلم نفسه. وشملت الدعاية القيام بالكثير من المقابلات الصحافية التي كانت في الحقيقة دعاية للرواية، كما اشتروا مئتي نسخة منها وتوزيعها على النقاد ونوادي الكتب مجانا. وبعد كل هذا أخذت النسخ تباع بشكل غير معتاد، حتى وصل عدد النسخ المباعة عندما عرض الفيلم عام 1975 إلى خمسة ملايين وخمسمئة ألف نسخة.

وأشهر ما في هذه الرواية كانت الصورة على الغلاف التي تبين فتاة شابة جميلة تسبح عارية في البحر وسمك قرش بولغ في حجمه على وشك التهامها. وتعد هذه الصورة من الأشهر في هذا المجال، ومن المؤكد أن النسخ الأصلية لها باهظة الثمن، إذا بيعت في مزاد، ولكن هذا غير ممكن، فبعد نشر الرواية أُكتُشِفَ أن النسخة الأصلية سُرِقَت ولم يُعثَر عليها حتى الآن. أما الكاتب، بيتر بينشلي، فعلى الرغم من نجاحه في كتابة روايات أخرى ناجحة، إلا أنه لم يستطع التنويع في أعماله، حيث انحصرت جميع أعماله في مجال هذه الرواية نفسه.
أما الفيلم، فله حكاية مختلفة، إذ لجأ منتجو الفيلم إلى مخرج جديد في نهاية العشرينيات يدعى ستيفن سبيلبرغ لإخراج الفيلم. وكان أول ما فعله هذا المخرج عدم الاعتماد على ممثل شهير وتغيير القصة جذريا، فقد غيّر موقع الأحداث، فبدلا من المدينة الصغيرة جعل أحداث الفيلم تدور في جزيرة صغيرة. وقام كذلك بحذف كل ما ذكر عن الجانب السيئ للسكان ومشاكلهم، فحولهم إلى أبطال ملائكة، لأنه حول الفيلم إلى معركة بين الخير، أي السكان، والشر، أي القرش. وبذلك كان يعيد ما فعله في فيلم تلفزيوني له غير شهير يدعى «مبارزة» (1971) Duel، ثم اقتبس الكثير من روايتي «موبي دك» و»الشيخ والبحر» الشهيرتين. وكانت قلة خبرة المخرج واضحة عندما قرر تصوير الفيلم في البحر، من دون أن يأخذ بنظر الاعتبار صعوبة ذلك. وكان من المستحيل الاستعانة بقرش حقيقي للتصوير، فاستخدم المخرج ثلاثة نماذج آلية كبديل للحيوان. ولكن هذه النماذج لم تعمل في أغلب الأحيان، ما سبب مشاكل كثيرة في العمل وزيادة كبيرة في التكاليف وفترة التصوير. وكان واضحا أن النموذج الآلي كان يبدو نسخة مضحكة من القرش الحقيقي. ولذلك، فإن القرش لا يظهر في الفيلم بأكمله لأكثر من أربع دقائق، بل إنه لا يظهر على الإطلاق لأكثر من ساعة بعد بداية الفيلم واقتصرت الإشارة إلى وجوده في هذه المشاهد في تلك الفترة من الفيلم على رؤية القرش لضحاياه، وكأنه شيطان يتربص بطريدته، وبذلك كان يقلد المخرج الشهير الفريد هيتشكوك. وأدت كل هذه الصعوبات إلى تغيير مستمر للقصة أثناء التصوير وإلى مشاكل مالية مع الشركة المنتجة. وفي هذه الأثناء غرقت قوارب وحدثت خلافات مع الممثلين الذين أخذت مشاكلهم تبرز بشكل غريب، من حيث التعامل مع بعضهم بعضا وعاداتهم الشخصية السيئة، لاسيما في ما يتعلق بالكحول، ولذلك أصبح التعامل مع بعض الممثلين صعبا جدا مثل الممثل روبرت شو.
وفي نهاية المطاف استطاع المخرج إنهاء الفيلم لينال نجاحا تجاريا جعله الأكثر ربحا في تاريخ السينما الأمريكية، حتى تاريخ عرضه. ولكنه لم يكن الأكثر مشاهدة، فما يزال فيلم «ذهب مع الريح» صاحب ذلك اللقب.
استطاع فيلم «فكوك» أن يغير بعض الجوانب المهمة في صناعة السينما الأمريكية، فمثلا قام القائمون على الفيلم قبل عرضه بأكثر من سنة بحملة إعلامية هائلة وشاملة للفيلم كلفت مبالغ طائلة. شملت هذه الدعاية مقالات ومقابلات بدت ثقافية بينما هي في الحقيقة دعاية تجارية.
جعل كل هذا المشاهد في حالة ترقب كبيرة، أي أن ذهنه أُعِدَّ مقدما للشعور بتوتر ما زاد من انفعاله عند مشاهدة الفيلم. ومما زاد من تأثير الفيلم أن المشاهد العادي آنذاك لم يكن معتادا على هذه الدرجة من العنف والوحشية. وقامت الشركة المنتجة بسياسة ترويج جديدة تمثلت في افتتاح عرضه في المئات من دور العرض في الوقت نفسه، وأن يكون ذلك في فصل الصيف لأنه الفصل الذي يصطاف فيه السياح في المناطق الساحلية ويمارسون السباحة، ما يجعل توقيت مشاهدة الفيلم مناسبا. وكان ذلك بداية تقليد جديد في صناعة السينما الأمريكية ما يزال يتبع.
لم يكن القرش في الحقيقة شريرا أو شيطانا، بل كان حيوانا مسكينا ذا هدف واحد فحسب، ألا وهو البقاء على قيد الحياة، كما أنه لم يكن يزور تلك المنطقة، بل إنها كانت منطقته أصلا منذ ملايين السنين، حيث كان السياح هم من اقتحموا منطقته، ولذلك كان عليهم أن يجدوا مكانا آخر لممارسة هوايتهم بدلا من تغيير الطبيعة من أجل متعتهم، ومن المثير للسخرية أن بعض النقاد وصفوا الفيلم بأنه مثال لانتصار الإنسان على الطبيعة، وكأنه انتصر على إعصار، وليس على حيوان مسكين. ولكن السينما تجعل كل ما هو غير مرغوب فيه شرا يجب التخلص، فالزوار من الفضاء الخارجي والديناصورات والأشباح وحتى الطيور، أشرار تماما وقبيحو الشكل ويجب القضاء عليهم وكأنهم شياطين ودون أن نعرف لماذا هم أشرار أصلا. وكان القرش في هذا الفيلم يملك كل هذه الصفات، فهو قبيح المنظر ويلتهم كل من يسبح في مياه تلك المنطقة بشكل متواصل، ويمنعهم من الاستمتاع بحياتهم المرفهة. ولذلك كان القرش الشر بعينه.
كانت النتيجة بداية حملات رهيبة في مختلف أنحاء العالم لقتل القرش. وليس هذا لحماية المواطنين، بل لغرض الاستمتاع، ما يكشف الطبيعة السادية لدى الكثير من الناس، حيث وجدوا أن قتل القرش ليس عملا مستهجنا من قبل الآخرين أو غير قانوني، فأصبح ذلك خير طريقة لإشباع رغباتهم السادية البشعة. وكانت النتيجة أن عدد أسماك القرش بأنواعها الخمسمئة نقصت بنسبة سبعين في المئة في مختلف أنحاء العالم. ولهذا السبب عبّر مخرج الفيلم ومؤلف الرواية عن استنكارهم الشديد لهذه الأعمال الوحشية، من دون الاعتذار، لكونهما السبب في ذلك، وبعد أن استلما الملايين من الدولارات لقاء العمل، وكأنهم يحاولون تبرئة ساحتهم من أي اتهامات. وقد تجلى الجانب السادي من شخصية المشاهد كذلك عندما أصبح غلاف الرواية السابق الذكر أشهر دعاية للفيلم، حيث بينت استمتاع الكثيرين بمشهد التهام القرش لفتاة جميلة.
هل سمك القرش بهذه الخطورة فعلا؟ كلا، فقد أقر الخبراء بأن احتمال تعرض المواطن الأمريكي لعضة القرش أقل من احتمال تعرضه لعضة من أحد سكان نيويورك، بل إن عدد الأمريكيين الذين يلقون حتفهم على يد سمك القرش كل سنة لا يتجاوز الشخص الواحد في أسوأ الأحوال. وعلى سبيل المقارنة في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن عدد الذين يلقون حتفهم غرقا خلال عام واحد وصل إلى أربعة آلاف وخمسمئة شخص، بينما كان عدد القتلى في أنواع الرياضة المتعلقة بالخيول اثنين وثلاثين شخصا، بالإضافة إلى ستين شخصا أصيب بالشلل.
كان للفيلم جانب إيجابي واحد فحسب، إذ ظهرت الدراسات الأكاديمية في مجال أسماك القرش بشكل واضح ومتزايد، بعد أن كانت حكرا على البحرية الأمريكية قبل عرض الفيلم. وأصبح واضحا أن وجود سمك القرش يعد عنصرا مهما في الطبيعة في مختلف أنحاء العالم. انزعج المخرج ستيفن سبيلبرغ لعدم فوزه بجائزة الأوسكار للإخراج. ولكن الفيلم كان نقطة انطلاقه ليصبح أحد أشهر مخرجي السينما العالمي على الإطلاق. ولم يكن الوحيد في هذا، بل كان صاحبه الموسيقار جون وليامز الذي أصبح أشهر موسيقيي السينما الأمريكية.
تبع الفيلم ثلاثة أجزاء. وقبل أن يبدأ تصوير أولها أرادت شركة السينما الاتفاق مع المؤلف حول حقوقه، ولكنه لم يصدق أن أجزاء أضافية ستصور لهذه القصة السخيفة، فأراد مبلغ سبعين ألف دولار لجميع الأجزاء. وكان ذلك سوء تقدير كبير من قبله.
باحث ومؤرخ من العراق