الحق في العقد الاجتماعي

« شروط العقد الاجتماعي، حرية التعاقد بين المواطن والدولة».

بما أن جوهر العقد الاجتماعي الالتزام بين المتعاقدين بناء على مقولة العقد شريعة بين المتعاقدين مثل الزواج، والبيع، والحرية، فلا مجال لعقد لا يحترم جوهره أن يستمر، بل ينبغي أن يفسخ، ومن حق الشعب الحر فسخ أي عقد تسلل إليه الفساد، فبأي معنى يمكن أن يخضع قانون العقل، وكل حق يقابله واجب إلى جدلية العقد الاجتماعي؟ فمتى يصبح العقد حقا طبيعيا يتأسس على الالتزامات بشروطه؟ وكيف يمكن فسخ العقد الاجتماعي؟ بل من له الحق في فسخه؟
تعلمنا الفلسفة النقدية، أن الحوار السياسي لا يكون بالقوة، بل بالحكمة، وبلغة الحكماء فإن موضوع نظرية العقد الاجتماعي ليس المعرفة، بل الحرية، ليس الفكر، بل الممارسة، ولذلك تسعى الإرادة الحرة إلى جعل مقولة الحرية في الفعل الإنساني كنشاط ذاتي. هكذا يتم تحقيق الاستقلال الذاتي الذي يؤسس لمرحلة الوعي، فدون الوعي بالذات يستحيل الوجود، فالموجود العاقل يضع ذاته بوصفه وعيا بالذات، ولعل هذا ما تدعو إليه فلسفة الحق التي انشقت من فلسفة التنوير، وبوصفها الأساس النظري لمذهب الحرية، نجدها تقرأ الفلسفة النقدية بالحوار السقراطي، إذ لا غاية سوى للتأمل فعل التأمل، ففي ظاهريات الروح لهيغل قد يصادفنا ذلك التأمل، الذي يتأمل ذاته، لكن لماذا اغتراب الإنسان عن ذاته تتم معالجته بالعمل وليس بالنظر؟
على الفلسفة أن تنزل من السماء إلى الأرض وتوضح ما معنى أن العلم بالحرية مشروط بالوعي بالذات، الذي منه يتم نقل الإنسان العبد المستلب من الحرية إلى الإنسان الحر، الذي يتمتع بكرامته، فالوجود العاقل يضع نفسه رهن إشارة موجودات عاقلة يجمعها العقد الاجتماعي في دولة تحكم بالحرية. وانطلاقا من هذا الاعتبار نجد «أنا أفكر» هو المشترك بين الأفراد حين ينتقلون إلى لحظة المواطنة، فالمواطنة هي مطلب العقل من أجل أن تصبح الحرية ممكنة «فحرية الفرد تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين في علاقات اجتماعية تبادلية لا تتعارض مع الحق والواجب، هكذا يمسي الإنسان ناضجا للحرية يعرف معنى العبودية ومأساتها، لأن الحقوق الإنسانية لا تكون في مجتمع العبيد، بل هي حقوق اجتماعية يؤسسها العقد الاجتماعي بلغة روسو.
لا يكون الإنسان إنسانا، إلا إذا عاش في مجتمع، لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ومفطور على التعاون، ولا يصح أن يكون نقيضا للآخرين، الذين آمنوا بأن الحياة الاجتماعية من مقتضيات العقل العملي، وترتبط بالحرية وتبادل الآراء والأفكار داخل المجتمع المدني، باعتباره فضاء للحرية يجمع موجودات عاقلة لا ترى غير الحل في الدولة، من أجل خلق وجود مشترك، يقوم على أسس ثلاثة: عقد الملكية، عقد الأمن لحماية الملكية، وعقد الاجتماع الذي يتضمن العيدين معا،
مهما كان القانون هو مطلب العقل من أجل أن تكون الحياة الاجتماعية ممكنة، فإن تحقيقه يتطلب موجودات عاقلة تمتلك الإرادة الجماعية التي تسعى إلى الحرية، باعتبارها الإرادة حين تحقق ذاتها بلغة فلسفة الحق، لأنه في الوقت الذي يصبح فيه العقل حاكما يمسي الإنسان سيدا يحكم نفسه بنفسه، هكذا نجد كانط يقول: افعل بحيث يكون مبدأ إرادتك مبدأ لتشريع شامل «. هذه القاعدة العظيمة ساهمت إلى حد بعيد في اعلاء مكانة الإنسان في العالم بعد تحقيق كرامته.
غاية الإنسان الإنسانية ويظل السؤال هو كيف يمكن الوصول إليها، هل عبر الطريق إلى مملكة الأخلاق، كما تركها فيلسوف التنوير، أم في فلسفة الحق التي تدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية بجميع تجلياتها الإقطاعية والاستبدادية والرأسمالية لانهما مجرد اغتراب في الوجود.
هدف الفلسفة فن الحياة حتى تصبح فلسفة الحياة تدافع عن الثورة كأداة للتحرر، فاستمرار روح الثورة في العالم هو ذاته استمرار للفلسفة، لأنه بمجرد ما تنتهي الثورة بمجرد ما تغادر الفلسفة هذا العالم الممل في غاية الرتابة والاكتئاب، تلك هي أسئلة الفلسفة المؤجلة، فسؤال المستقبل يتضمن سؤال الحاضر، حتى لو كان باهتا. حق الشعب في العقد الاجتماعي ينبغي أن يكون متضمنا في الدستور، وإلا جاء الدستور لنشر العبودية بالعبودية والقمع، كما هو الحال في الراهن، حيث أضحت الحكومة أكذوبة تساهم في فوضى المجتمع، ولم يعد الشعب سوى قنبلة قابلة للانتحار أو الانفجار. يتعلق الأمر بصياغة العقد الاجتماعي صياغة جديدة تتماشى مع العصر القلق الذي تهيمن عليه الحروب والصراعات، ولم يعد الحوار ممكنا ومقدسا. والوجود حقيقة العقل، لأن العقل يتعقل ذاته حين يكون العاقل والمعقول واحدا، ويعمم وحدته على الوجود، ما دام الوجود أضحى ممزقا متشظيا في ذاته، لأنه ليس سوى سلب، بل يحمل سلبه معه وفقا لماهيته في أعمق مراتبها فأقصى مراتب الوجود الفكر عندما يصير مجسدا لوجود الموجود في ماهيته بالمعنى الأنطولوجي الثمين، والغريب أن عودة الموجود إلى ذاته بعد طول مدة الاغتراب هي نفي النفي، ذلك أن معنى الوجود الممزق بوصفه قابلية للحركة لا يعني إلا عملية نشوء وتطور. ومهما يكون هذا الغموض قدرا حزينا لقارئ الفلسفة، فإن حياة الإنسان بشكل عام مجرد قدر تراجيدي لا يجعله يطمئن للمستقبل فالعدم يهدده باستمرار كما يهدد الليل النهار فصيرورة الحياة مثل صيرورة المطلق، الذي لا يرتاح سوى في تجليه، ومن خلاله يخرج مسار الفلسفة إلى النور من جديد، لأن المطلق هو المحرك الأول للفلسفة من القوة إلى الفعل، هذه هي الحقيقة التي نبحث عنها: «صيرورة وجود لا تنقطع بوصفه حياة وهذا هو الحكم المطلق»، إنني أعرف الحقيقة، كما قال هيغل، والحقيقة ليست مسألة معرفية فحسب، بل تتعلق بالوجود في عملية تطوره، بمعنى تحقيق الوجود لإمكاناته من أجل الوصول إلى طبيعته الحقة المطابقة لمفهومه. هكذا يفسر الفيلسوف: اعرف الحقيقة أنها روحية وعقلية وبتعبير أدق تعيين لوجود الإنسان في الوجود. وعلى هذا النحو يكون الوجود إقامة ناعمة للعقل، إلى أن يصير فكرا، ولذلك جاء في ظاهريات الروح، أن الجوهر الحي هو الوجود الذي هو في الحقيقة ذات، نشوء لذات فاعلة اكتمل وجودها وثراءها وهذا معناه ليس إلا وجوبا للوجود كمدخل للذات العاقلة التي تختار إقامتها في الوجود، بدلا من الهروب، لأن الإنسان يكون جبانا حين يفضل الهروب وشجاعا حين يختار إقامته الشعرية لأنها تكون أوفر حظا من البراءة.
فما يخسره الإنسان هو الخوف وما يربحه هو نعمة الإقامة للفانين بعيدة عن قلق المستقبل، الذي يهدده بالنهاية وكيف أمسى هذا القلق ميزة هذا العصر الذي تحول سجنا للروح في التقنية والمعاناة اليومية، ولم يعد الإنسان يعد أيامه بل يلتهمها كما يلتهم الوجبات السريعة. هكذا أصبحت العلاقة مع الذات متوترة، لأنها خارج الوجود وبات الإنسان آخر بالنسبة لذاته، يضاد أعمق ماهية له هي وعيه الذاتي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية