لندن ـ «القدس العربي»: وضعت السيطرة على مطار سرت الليبي «تنظيم الدولة الإسلامية» على مرمى حجر من أوروبا وهو تطور مهم تراه صحيفة «التايمز» خاصة أنه يعمل لصالح تنظيم من أهم أهدافه هو «توسيع فكرة الخلافة كي تشمل إسبانيا وروما».
وهذا تطور خطير خاصة أن الرحلة ليست بعيدة من سرت إلى الطرف الآخر من البحر المتوسط. فتدفق المهاجرين غير الشرعيين عبر المتوسط جعل من شمال أفريقيا خاصة ليبيا الحد الآخر للناتو.
وتقول الصحيفة في افتتاحيتها «والآن هناك جماعة خطيرة ومعادية للغرب لا تبعد كثيرا عن أوروبا وباتت تهدد طرابلس أيضا».
وترى أن انشغال أوروبا ببحث الآثار التي تسببها موجات الهجرة غير الشرعية على استقرارها حرف انتباهها عن السبب الحقيقي وراء كل هذا وهو انهيار الدولة الليبية. فالحدود المفتوحة وغياب حكومة مركزية جعل من ليبيا البوابة التي يعبر منها السكان المحبطون إضافة للفقراء القادمين من منطقة الساحل والصحراء الباحثين عن فرصة حياة أفضل في أوروبا. وكل هذه الظروف تلعب في صالح المهربين الذين رفعوا أسعار رحلة التهريب.
فراغ أمني
وتعتقد الصحيفة أن جذر المشكلة نابع من الفراغ الأمني الناتج عن تفكك الدولة الليبية. فدولة تتنافس عليها حكومتان ومؤسسات منهارة لا يمكن وصفها إلا بالدولة الفاشلة.
ولم تعد فكرة سيطرة الجيش على الدولة ممكنة فمن أجل تدبير انقلاب عسكري تحتاج إلى إلى دولة وهي لم تعد موجودة.
وترى أن السبب الذي جعل ليبيا مرتعا مناسبا لـ»تنظيم الدولة الإسلامية» مع أنها ليست جزءا من العراق وسوريا هو الفوضى حيث نظر التنظيم إلى البلد باعتباره هدفا سهلا.
ويسيطر التنظيم على أجزاء من درنة التي تعتبر أول مدينة تابعة له خارج العراق وسوريا. فمن خلال سيطرته على مشروع الري يستطيع التحكم بمصادر المياه لبقية المدن الأخرى في ليبيا.
وأصبحت راية التنظيم الآن ترفرف فوق مدينة سرت مسقط رأس الرئيس السابق معمر القذافي. وبدأ القادة الليبيون بمناشدة الغرب التدخل من أجل وقف تقدم التنظيم. ولكن الولايات المتحدة تقود تحالفا ضده في مكان آخر.
وتتساءل لماذا نقف متفرجين على ما يقوم به الإسلاميون من اقتطاع أراض في ليبيا؟ والجواب على هذا السؤال هو الخوف من تورط الغرب في حرب مكلفة وطويلة. ففي الوقت الذي ستضعف الغارات التنظيم إلا أنها قد تخدم أغراضه وهي جر الغرب نحو حرب طويلة. وعوضا عن الإستجابة لمطالب الليبيين تدعو الصحيفة إلى ما أسمته «دبلوماسية العضلات المفتولة» التي تعمل على جلب القبائل والجماعات السياسية الليبية لقبول نوع من الفدرالية والدولة الموحدة القادرة على حماية نفسها.
وفي الوقت الذي تبدو فيه ليبيا حالة ميؤوس منها فإن إدارة الغرب ظهره لها لا يساعد على حل المشكلة. وتذكر أن وضعا أصعب تم حله في البلقان في نهاية القرن الماضي وعبر مفاوضات صعبة ومن هنا فالحل في ليبيا ممكن.
وفي النهاية ترى أن مواجهة «تنظيم الدولة الإسلامية» أمر يخص الليبيين فعليهم أن يفهموا وبدعم من الغرب أن خلافاتهم وتنافسهم يدمر بلدهم. وتقول أيضا «يرغب الليبيون العاديون بالعيش بسلام وازدهار وكذا الأوروبيون وهذا يؤسس قاعدة للدبلوماسية النشيطة» قبل أن تتحول ليبيا لساحة جهادية دولية جديدة بعد سوريا والعراق.
الجهاديون الأجانب
ومن هنا يرى تقرير في صحيفة «إندبندنت» أن «تنظيم الدولة» نقل أساليبه التي يستخدمها في العراق وسوريا إلى ليبيا.
وفي تقرير أعده كيم سينغوبتا تحدث عن الهجمات الانتحارية التي نفذت ضد نقطة تفتيش الدافنية في مصراتة يوم الأحد وقتل فيه 6 حراس فيما جرح خمسة آخرون.
ولم يصب الكثيرون في الهجوم نظرا لوقوعه في الساعة الرابعة صباحا حيث يكون الطريق إلى واحد من الموانئ الليبية التي لا تزال تعمل هادئا. لكن هجوم يوم الأحد كان آخر الهجمات الانتحارية المميتة التي نفذها التنظيم في كل أنحاء البلاد خلال الأشهر الماضية، ويؤكد نمو ظاهرة الجهاديين في داخل ليبيا.
وجاء الهجوم بعد 3 أيام من سيطرتهم على ميناء سرت حيث أصبحوا يسيطرون عليها بالكامل. وعانت مصراتة من خمسة هجمات على نقاط التفتيش نفذت في الثمانية أسابيع الماضية. وحدثت تفجيرات في العاصمة الليبية طرابلس وفي بنغازي والقبة والتي خلفت وراءها 50 قتيلا. ففي هجوم على فندق كورنيثا قبل 4 أشهر أعلن مسلحون ولاءهم لـ»تنظيم الدولة» وقتلوا فيه 10 أشخاص.
وشهدت ليبيا أيضا عدة هجمات ضد أقباط مسيحيين وأثيوبيين والذين ذبحهم أتباع التنظيم. ويشير الكاتب إلى مناطق سيطرة الجهاديين في سرت ودرنة والانقسام الحالي بين طرابلس وطبرق حيث تلقى الأخيرة مساعدات من الطائرات المصرية والإماراتية.
وفي الجنوب تشهد المنطقة مواجهات بين الميليشيات التابعة لكل من الطوارق والتبو التي تحاول السيطرة على المناطق الحدودية القريبة من تشاد والنيجر.
ويرى سينغوبتا أن الهجوم الذي نفذ على نقطة تفتيش الدافنية يعبر عن تطور مهم. فقد أعلن «فجر ليبيا» المدعوم من حكومة طرابلس أن المهاجم هو تونسي «أبو وحيد التونسي» الذي وصل إلى ليبيا قبل فترة.
وسارعت حكومة طرابلس إلى اتهام أتباع النظام السابق لمعمر القذافي بالوقوف وراء «تنظيم الدولة الإسلامية» تماما كما يتهم ضباط البعث السابقين في نظام صدام حسين بالوقوف وراءه في العراق. وزعم الجنرال السابق خليفة حفتر الذي يقود منذ العام الماضي عملية «الكرامة» ضد طرابلس أن «تنظيم الدولة الإسلامية» جند في صفوفه جزائريين وتوانسة وسودانيين. وقال رئيس وزراء حكومة طرابلس خليفة الغويلي بعد زيارته لموقع التفجير إنه من تنفيذ «جماعة القذافي».
ويظهر صعود «تنظيم الدولة» والحرب المشتعلة في ليبيا الحال الذي وصلت إليه البلاد. فالأصوات المتعددة ساسة وقبائل وميليشيات كلها اجتمعت عام 2011 على قتال نظام القذافي وأصبحت الآن تتناحر فيما بينها.
وفي تقرير لمراسل صحيفة «فايننشال تايمز» أعده بوروز دارغاهي قدم فيه صورة عن الإختلاف وكيف تتناحر العائلات والأصدقاء من خلال مدينتي صبراتة والزنتان حيث شهدتا محاولة مصالحة ولكن.
الأخوة الأعداء
فخلال الأسابيع الماضية شهدت المدينتان معارك ولكنها جاءت بعد 10 أشهر من الحرب الطاحنة بين صبراتة التي تدعم الحكومة في طرابلس والزنتان التي تدعم حكومة طبرق. وقتل في المواجهات 43 شخصا وجرح أكثر من 100 كل هذا في وقت تراوح فيه المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة مكانها. وفي ظل هذا الوضع تحاول الأطراف المتحاربة نفسها التوصل إلى اتفاقيات سلام فيما بينها.
وهو ما دعا البعض للدعوة إلى الحصول على إذن من السلطات العليا قبل التوصل إلى هذه الترتيبات. ولكن هذا لا يمنع من طلب الناس العاديين الذين تعبوا من الحرب إنهاءها. ونقلت الصحيفة عن فتحي محمد أحد مقاتلي صبراتة قوله «لا نقاتل لتحقيق أهداف سياسية». ويضيف أن النزاع الليبي بشكل عام لن يتم حله عبر القتال ولا يمكن التقدم فيه للأمام إلا بالحوار.
ويشير دارغاهي إلى أن سقوط القذافي الذي دعمت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا المقاتلين الليبيين أدى إلى انقسامات بين فصائل المقاتلين التي حاول كل فصيل منها تحقيق هدفه الأيديولوجي، الجهوي، القبلي أو حتى التجاري. وأثرت فوضى ما بعد الثورة على سوق النفط العالمي وفي ازمة المهاجرين التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي والبحر المتوسط.
وانتج الصراع في الوقت الحالي حكومتين كل واحدة لها جيشها ولم تنفع محاولات المبعوث الدولي للأمم المتحدة برناندينو ليون جمع الطرفين في الرباط والجزائر وجنيف وإقناعهما بالتوافق على صيغة تخدم البلاد.
ويقول الكاتب إن الحرب في الأشهر الأخيرة تركزت حول طرابلس ودمرت معظم مدينة بنغازي. ونقل عن الصحيفة أحد سكان العاصمة «نخشى أن تصبح طرابلس مثل بنغازي».
وبحسب «ليبيا بودي كاونت» قتل حوالي 3.441 شخصا منذ بداية حملة الكرامة في أيار/مايو 2014 والتي يقودها الجنرال حفتر. وأطلقت القذائف الصاروخية على كل موانيئ البلاد ودمرت البيوت والشوارع ومحطات توليد الطاقة وخسر الدينار الليبي 35% من قيمته في السوق السوداء.
وأخطر من هذا فقد دمرت الحرب النسيج الاجتماعي للبلاد القائم على الولاءات العائلية والقبلية فالليبيون البالغ عددهم 6 ملايين نسمة يقتلون بعضهم البعض، فكل واحد منهم له أخ أو ابن عم وقريب قتل في الحرب الدائرة. وينقل عن علي الترهوني رئيس لجنة صياغة الدستور «يشعر الليبيون بالألم لأن أبناءهم يموتون بأيدي أقاربهم».
ويقول الكاتب في «نزاع حول الأقارب لأعداء أصبح مصير صبراتة والزنتان مثيرا للأسى». فالمدينتان المتجاورتان كانتا متشاركتان بالتجارة ومنذ قرون طويلة. ففي أثناء الثورة ضد القذافي عام 2011 فر أبناء صبراتة إلى جبال نفوسة معقل الزنتان.
وشارك أبناء المدينتين معا في الهجوم على باب العزيزية في طرابلس ولكن المدينتين تجدان اليوم نفسيهما على طرفي النزاع. ويقول شعبان عمران أحد قادة المجتمع في الزنتان «كنا معا في الزنتان أثناء الثورة».
وأضاف «لا نعاني من مشاكل عميقة فلماذا هذه الحرب؟ نشعر بالحيرة، وكانت هناك علاقات اجتماعية قوية، ولم نكن نتوقع أن نقاتل بعضنا البعض في يوم من الأيام».
ويكشف عن أسباب الخلاف بين المدينتين والنابع من محاولة السيطرة على قاعدة الوطية الجوية التي يستخدمها الجنرال حفتر لضرب صبراتة وبقية مدن الشرق.
إسلاميون وليبراليون
ولكن المشكلة أعمق من الخلاف على القاعدة الجوية فهي عرض عن انهيار المؤسسة الأمنية لنظام القذافي وما تبع ذلك من انتشار السلاح بين الفصائل الذي نهبته من مخازنه والخلافات السياسية بين الجماعات التي شاركت في الحرب ضده.
فبعد خروج القذافي مباشرة من السلطة عام 2011 برزت التوترات السياسية حيث شعر الإسلاميون أنهم ضحوا أكثر من غيرهم في الثورة ضد النظام السابق وان عناصر النظام السابق لا تزال تحكم البلاد.
وتفاقمت أزمة الإسلاميين أكثر بعد إنقلاب مصر في تموز/يوليو 2013 حيث أصبح الليبراليون والقوميون وقادة العشائر وغيرهم من أعداء الإسلاميين في ليبيا ينظرون للأحداث عبر ما جرى في وأصروا والحالة هذه على إخراج الإسلاميين من اللعبة السياسية. ويقول الكاتب هنا إن حملات اغتيال مستمرة استهدفت الحرفيين قامت بها جماعات متشددة أدت إلى صعود حفتر.
ونظرا لتعدد الفاعلين في المشهد الليبي فقد كافح المبعوث الدولي ليون لجلب كافة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. مع أنه لم يكن واضحا من تمثله هذه الجماعات وما وزنها في المجتمع الليبي.
ويرى أحد مقاتلي صبراتة أن مشكلة ليون إنه يتعامل مع الوضع في ليبيا من خلال النزاع بين فجر ليبيا والكرامة ولكن الكثير من الليبيين لا يدعمون أي منهما.
ويرى فتحي محمد من صبراتة أيضا أن من بيده وقف الحرب هم حملة السلاح الذين يقاتلون على جبهات القتال ممن لديهم سلطة أكثر من السياسيين.
ويكتب دارغاهي عن مصالحة وتبادل سجناء بين المدينتين. ويعتقد فتحي محمد «طالما ابتعدنا عن السياسيين فهناك رابطة اجتماعية قوية تجمع بيننا».
ويؤمن على كلامه عمران من قادة الزنتان «إنهم الساسة الذين يفرقون بين الناس». ويرى عمران أن هناك أسبابا اخرى تدعو لحوار الليبيين فيما بينهم فهناك نقص في الوقود والمواد الغذائية «والناس يعانون».
وينتقد فتحي محمد أشخاصا يرفعون أصواتهم بكلام غير مسؤول في التلفاز وعبر وسائل التواصل الإجتماعي ويدعو لوقف كل هذا «وفتح صفحة جديدة».
وكان الاتفاق بين الزنتان وصبراتة بسيطا يشمل على خروج مقاتلي الزنتان من أراضي صبراتة وتعهد الأخيرة بحماية أراضيها وعدم السماح لأحد باستخدامها لضرب الزنتان.
واتفق الطرفان لوقف كل الحملات الإستفزازية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما وافقوا على رفع الحواجز بين المدينتين التي تعرقل حركة التجارة والمدنيين.
ورغم حسن النوايا بين مقاتلي صبراتة وأعيان الزنتان إلا أنه لم يطبق عمليا بسبب رفض الأطراف المتشددة في المدينتين لبنوده.
ومع أن الهدنة بينهما قائمة لكن التوتر يمكن أن يشتعل في أي وقت. وفي السياق نفسه لا تزال الحرب مشتعلة في الشرق، ولم يسيطر الجنرال حفتر على مدينة بنغازي رغم تعهده قبل عام بتطهيرها من «الإرهابيين».
والأسوأ من هذا هو الحضور المتزايد لـ»تنظيم الدولة الإسلامية» والتفجيرات الانتحارية التي ينفذها. ويقول العقيد أحمد الباني من مدينة البيضا إن الحرب الدائرة في الشرق «ليست قبيلة ضد قبيلة ولا مدينة ضد مدينة ولكن أيديولوجية متطرفة تحاول السيطرة على الشرق بأية وسيلة».
ومن هنا فكلما استمرت الحرب كلما انقسمت البلاد إلى أجزاء وكانتونات مختلفة. في وقت يتراجع فيه اقتصاد البلاد وانخفض فيه مستوى انتاج النفط إلى 500.000 برميل في اليوم وهو أقل من 1.4 مليون برميل في مرحلة ما بعد الثورة.
وبالنسبة لليبيين العاديين ففي هذه الحرب الدائرة والصراع على المصادر والمناصب لا يدفع الثمن سوى أطفال ليبيا الذين أصبحوا يقلدون الكبار ويحملون السلاح.
qal
إبراهيم درويش