لم يطرح التشكيل العربي مفهوم الهوية، إلا بعد مجيء الاستعمار، حين وجد العالم العربي نفسه أمام تهديد وجودي، جراء الزحف الثقافي الذي فرضه الاستعمار، من خلال البرامج الثقافية والفنية، بما فيها اللغة كوسيلة للتواصل باعتبارها مدخلا للاختراق، اعتمادا على مرجعيات ومناهج تعليمية طالت جل القطاعات، في محاولة لتدجين وتغييب الشخصية والهوية العربيتين، فرغم مرور الزمن لا زالت الدول العربية تعاني من التبعية الثقافية والفنية والاقتصادية وحتى السياسية بشكل عام، رغم رحيل ومغادرة الاستعمار، لما تركه من رواسب سلبية أكثر منها إيجابية، بتقسيمها وإضعافها جغرافيا وسياسيا، في محاولة تكريس القبلية بجميع مكوناتها الدينية واللغوية والفكرية، لأجل إجهاض كل محاولة قومية تدعو للم الشتات.
إن مسألة الهوية في العالم العربي بأبعادها المختلفة، أصبحت لها أهمية قصوى، سواء في مرحلة الاستعمار أو بعد رحيله، حيث عرفت تطورا على مستوى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى التي استحضرت فيها الدين كمكون محوري وأساسي ضد المد الاستعماري، الذي حاول فرض قيم أخلاقية مغايرة، مع انتفاضات مناهضة أفرزت مقاومة مسلحة باعتبارها جهادا، ثم المرحلة الثانية المرتبطة بتأثيث وإعادة ترميم البيت العربي، فكريا وسياسيا واقتصاديا، مع طرح أسئلة عميقة من زوايا متعددة وفق مرجعيات مختلفة، استندت لمناهج حداثية، بعيدا عن مكونات الشعوب العربية، ثم المرحلة الثالثة التي أصبح فيها الصراع أكثر ضراوة من كل الأزمنة السالفة في تاريخها، عندما أصبح الدين أكثر وطأة وتشددا، ساهمت فيه القوى الظلامية، التي عملت على إلغاء العقل العربي، من خلال سوء التأويل للدين، والتحريض ومناهضة كل القوى المتنورة التي تدعو إلى صياغة التاريخ العربي بمنطق يخضع للتطورات الاجتماعية والسياسية والفكرية في العالم.
ولكل هذه العوامل اتخذ مفهوم الهوية أبعادا متعددة، كل تناولها من بؤرته الجغرافية الضيقة، بمنحى عن التفكير في إصلاح شمولي، يأخذ بعين الاعتبار المكون السياسي والمصيري الذي يجب الانتباه إليه وهو التعليم، فانتشار الأمية والجهل ساعدا على تكريس وابتكار الهوة السحيقة بين المواطن والدولة بمفهوميهما المؤسساتي، اعتمادا على تاريخ حضاري عرفه العرب في فترات متقطعة من تاريخه، عندما كان العلم هو المفتاح لولوج ومسايرة الركب الحضاري.
فالحديث عن التشكيل العربي، رهين بهذه الأسئلة الحارقة، التي لم تتم صياغتها، بدافع من الأنظمة الرجعية المتواطئة مع الإمبريالية في العالم العربي، التي ساهمت بدورها في تكريس هذه الوضعية الهجينة، التي عملت على إخضاع وخنوع المواطنين، بالنظر إليهم بطريقة دونية كزبائن فقط وليس ككائنات عليها من الواجبات كما لها من الحقوق، مما أثر على تفكيرها وسياجها داخل خانة ضيقة لا تعتمد إلا البحث على القوت اليومي، عوض البحث عن الأسئلة الكبرى التي تسببت في حيثيات واقعها المتردي، لذلك كان لكل هذه التأثيرات التي تتجلى في ظاهريتها بأنها بعيدة ومنفصلة عن الإبداع، امتداد في تطوير إمكانية التفكير في مجالات إبداعية وفكرية متعددة منها التشكيل، لأن وعي الفنان متوقف على فهم وجوده تاريخيا وثقافيا وسياسيا، حتى يتمكن من ولوج إشكالية الهوية من منافذها الشاسعة، التي تضمن له حرية التفكير والابتكار، بمنحى عن آلة القمع أو الرقابة الذاتية التي تفرضها السلطة الحاكمة، ولذا اتخذت من هذا التقديم مدخلا لما سوف يليه من تفكيك لظاهرة التشكيل في العالم العربي، وأسباب غياب المعنى فيه، انطلاقا من هذه المعطيات، التي اعتبرتها في نظري من المعوقات المحورية المساهمة في تخلف التشكيل العربي (وهنا طبعا لا أتكلم عن الاستثناءات القليلة)، مقارنة مع ما يجري في الساحة الفنية العالمية.
إن العد العكسي الذي أصبح يعرفه العالم العربي حاليا، على جميع المستويات، سواء منها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية، عبر حقب تاريخية متتالية، كان نتيجة كل الهزائم التي مني بها الوطن العربي، مما أثر على تطور الفكر والعقل العربيين، وأحدث ارتباكا في المناهج التحليلية والإبداعية، كانت لها انعكاسات سلبية على التصور المستقبلي الإجمالي للثقافة، فأفرزت هوة سحيقة بين المبدع والمتلقي، وانسلاخ الأول عن جذوره، ليجد الثاني نفسه ضحية محنة الاغتراب في وطنه وبين صراعه مع قيم وثقافة دخيلة، كان من الممكن عموما أن يشكل المثقف والمبدع جدارا منيعا للتصدي لها، لحماية المتلقي من كل الاضطرابات والشكوك في هويته أو الانصياع وراء مظاهر ثقافية وفنية شكلية بعيدة عن محيطه، في ظل هذه العولمة التي أصبحت تهدد كل الهويات في العالم، مما دفع بعض الدول إلى اتخاذ احتياطات عملية لحماية تراثها وثقافتها… من هذا المد الجارف لكل القيم التي تأسست عليها التصورات باختلاف مشاربها وامتداداتها في الزمن والتاريخ.
فعندما حاولنا أن نقف على مكامن الداء في موضوع الهوية التي أدت للاستلاب في التشكيل العربي، وجدنا صعوبة في فصله ودراسته بمعزل عن الأجناس الإبداعية الأخرى. لما للتشكيل من علاقة وطيدة بالثقافة في بعدها الشمولي، إلا أن هذه العلاقة بقيت متوترة يشوبها فتور وعزوف من كلا الطرفين (المثقف والفنان)، مما ساهم في خلق تباعد تاريخي بينهما، لانزوائهما بمنحى عن التفاعل الذي أدى بسبب غيابه إلى فهم هجين لمفهوم الهوية مشهديا وموضوعيا في التشكيل العربي، فاستبد البعض من الفنانين بهذه الهوية، ليجعل منها مصدرا للتجارة والبحث عن الشهرة والثروة، انطلاقا من أسئلة من زاوية غربية باعتبارها ثورة على كل القيم السائدة في المجتمعات العربية، تحمل في ثناياها تكوينا بمرجعيات غربية بمنحى عن التراكمات المعرفية والثقافية والفنية والفلسفية… التي عرفتها الحضارة العربية والإسلامية، فكان لظهور ما هو مفاهيمي على مستوى التنظير والإنجاز في الفن العربي، بداية لمخاض انسلخ عن جذوره وهويته بل وانتمائه، فلم يستطع أن يؤسس لنفسه تاريخا فنيا مستقلا، اعتمادا على التراكم الذي عرفه لأكثر من خمسين سنة، ولا زال يستمد مشروعيته من تاريخ التشكيل الغربي المعاصر، الذي انطلق في مجمله من العقيدة، سواء كان الأمر يتعلق باليهودية ليس كانتماء، بل كتعبير، كما هو الحال في أعمال كريستيان بولطونسكي، جوزيف بويز وأنسليم كييفر… أو بالنسبة للخلفية المسيحية وحضور معالمها في أعمال أرنولف راينر وأنطوني طابييس…
بينما نجد في أعمال بعض الفنانين العرب، تغيب الخلفية بغياب الهوية، فيصبح العمل لقيطا لا يستند إلى مشروعية عقائدية أو تاريخية أو تراثية.. بدعوى الانخراط في الحداثة الكونية والحرية التعبيرية، التي تقتضي أصلا الانطلاق من محلية متجذرة بقيمها وعناصرها، مع الانتباه لشعور الآخرين.. للاشتغال على هوية معينة تستدعي الاختلاف مع طرح أسئلة جوهرية حول الوجود والكون، لكي لا يسقط أصحابها في ما يسمى بالاستلاب، فتصاغ الأسئلة نفسها على مستوى الشكل مجردة وعارية من القيم التي تنتمي إليها، من دون أن تضيف للإبداع الإنساني شيئا جديدا يذكر، كحالة عابرة سجينة لأفكار هجينة ومستفزة استعملت فقط لإثارة الانتباه خضوعا لطلبات معينة للوبيات تتحكم في مستقبل وسير الرؤى الفنية العالمية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تجربتا جورج لحلو ومنير الفاطمي، اللتان لا يتسع المجال لتفكيكهما والوقوف على مكامن الخلل الذي يعتريهما في علاقتهما بموضوع الهوية والاستلاب شكلا ومضمونا.
فنان تشكيلي وناقد مغربي
شفيق الزكاري