عين الحرب

منذ فترة قليلة، كنت أزور أحد أقاربي في مستشفى عام، وكان أجرى عملية جراحية بسيطة هناك. كنت أجلس في الاستراحة الصغيرة، أنتظر أن ينتهي مرور الأطباء في العنابر، حتى أعود إلى غرفة قريبي، حين اقترب مني رجل عربي، غالبا تجاوز الثمانين، كان يمشي ببطء، وقد انحنى ظهره، واقترب وجهه من الأرض، ولم يبد لي أن المشي يزعجه بالرغم من كل هذه المشقة.
قال الرجل مباشرة موجها كلامه لي، من دون أي تحية:
هل معك دبوس؟
لم يكن معي دبوس، ولا فهمت الغرض من طلبه بهذه الطريقة، ولا كان في الاستراحة أحد غيري، قد يكون يملك دبوسا.
قلت وقد تملكني الفضول لمعرفة الغرض من طلب الدبوس:
لا.. لكن لماذا تريده؟
رد بثقة: حتى أفقأ به عين الحرب.
كان ردا غريبا طبعا، وقد يدعو للضحك أو الابتسام، لكني لم أضحك أو أبتسم.
كانت الحرب هي المسيطر الأعظم على أجواء الحياة تلك الأيام، وما تزال تسيطر، وتزداد ضراوة في أماكن عدة، من دون رابح حقيقي، أو حتى شبه رابح، بينما الخسارات، هي النتاج اليومي، وهي خسارات يصعب حصرها. كانت قد اندلعت في تلك الأيام حرب مباغتة بين إيران وإسرائيل، حرب بلا أي طائل، سوى دمار هنا ودمار هناك، وموت هنا وموت هناك، ورعب وفرار، وانهيار في الاقتصاد، وأشياء كثيرة تحدث بسبب الحروب. أيضا لدينا في السودان حرب تجاوز عمرها العامين، وتجاوزت خساراتها ما لا يمكن حصره، وأدت لانهيار بلد عريق، كان يعيش بمشقة لكنه يعيش، وأهله لا يشكون حالهم، بالرغم من ضيقه. وتحولت المشقة اليومية بسبب تلك الحرب اللعينة، إلى موت حقيقي، ستموته إن بقيت وتموته إن نزحت، وتموته إن حاربت وإن هزمت وإن انتصرت أيضا.
لم يتحدث أحد عن أسباب الحروب التي يبحث رجل حكيم مثل ذلك المسن العربي، عن دبوس ليفقأ عينها، في معنى رمزي كان من المفترض أن يحدث حقيقة، حين أرادت أول شرارة أن تندلع، عين الحرب. نعم فالحرب لها عين قوية، تنتقي بها الدمار الذي ستلحقه بأي بنيان عامر، وتنتقي بها الموت الذي ستهبه للناس بغض النظر إن كانوا رجالا أم نساء، في ريعان الشباب، أو شيوخا مسنين، أو حتى مجرد أطفال صغار. وللجوع الذي ستقوم بكتابته في المعيشة، والحزن الذي سترسمه في عيون الصغار الذين قد يكبرون تحت وطأتها، أو يموتون صغارا غير مدركين، لماذا ماتوا؟
إذن نحن لا نتلقى الحرب فقط، لكن نتلقى مضاعفاتها أيضا، تلك التي يحررها الجوع وسوء التغذية، ونقص المناعة من جراء القلق، والتعب الذهني، وقد ظهرت في السودان أمراض عديدة، ما كانت ستظهر لولا عين الحرب القوية، أمراض مثل الكوليرا، وحمى الضنك التي لم أر مصابين بها أيام عملي في السودان أبدا، ولدرجة تظن معها أنها مجرد مرض خامل مذكور في كتب الطب ليس إلا. الآن يموت الناس يوميا بتلك الحمى الفيروسية التي ينقلها بعوض، يتكاثر بسبب، انخفاض أو اضمحلال صحة البيئة، ولن يتوقع أحد بيئة نظيفة، صحية في وجود الدانات والمدافع والطائرات المسيرة التي باتت وسيلة حرب مؤلمة تستخدم الآن، بينما تكلفة الواحدة منها يمكن أن تلغي الجوع عن عشرات الأسر.
أنا مذ البداية ناديت بضرورة عدم الانسياق للحرب بالرغم من وجود ميليشيا شرسة، قوامها مرتزقة لا يهمهم إن تدمر بلد ما أو لم يتدمر، إن ماتوا أو عاشوا، إن كان ثمة حياة تدب في أوصال شارع، أو يظل الشارع ممدا بلا روح.
وحين اندلعت الحرب بالفعل، نادينا بضرورة احتوائها، لكن ذلك لم يحدث، وكان من الضرورة أن تفقأ عينها كما قال الرجل الحكيم، لا بدبوس صغير من الحديد، ولكن بدبوس من المنطق والعقل. وفي النهاية، يبدو المخرج الوحيد المتبقي، هو إكمالها حتى النهاية، بغض النظر عما فعلته وتفعله.
بالنسبة للنزوح الذي هو اختراع حروبي معروف، هذا يبدو أصعب من الموت بالسلاح أو الحمى، ذلك أنك قد تكون في السبعين أو الثمانين، وتجد نفسك تتنقل راجلا، من قرية إلى قرية، من صحراء إلى صحراء، وقد تصل لإحدى تلك الدول التي ما زالت تفتح أذرعها لاحتواء متضرري الحرب، وقد لا تصل أبدا. وحتى لو وصلت، لن تعيش الحياة التي كنت تعيشها في بيتك بحلوها ومرها، إنها عين الحرب المتوحشة التي لم تفقأ.
الآن في مكان عملي، أرى كثيرا من المسنين الذين نزحوا، بسبب الحرب، أشخاصا بعضهم كانوا مزارعين وتقاعدوا أو عمالا وتقاعدوا أو حتى موظفين في الدولة، واستقروا في أوضاع معينة، لم يكونوا يتوقعون أن تتزعزع، أستمع إلى شكاواهم المرضية، وأفكر أنهم قد يكونوا يبحثون عن دبابيس، يفقأون بها عيون الحرب المتعددة.
وقد قال لي أحدهم وكان تاجرا رائج التجارة في بلدته التي قدم منها، حين حدثته عن عين الحرب، إنه مستعد ليفعل ذلك، لكن الأوان قد فات.
٭ كاتب من السودان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية