الفنان محمد أبو سخا… حكاية «مهرج ثوري» في سجون الاحتلال

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

جنين ـ «القدس العربي»: في طريق عودة الفنان والمهرج الفلسطيني محمد أبو سخا من رام الله إلى جنين لتوديع عائلته قبل موعد سفره إلى دولة فنلندا، أوقفه حاجز “حوارة العسكري”. قرر الجنود اعتقاله، كان ذلك في شهر حزيران/يونيو 2023، أي قبل نحو 4 شهور من أحداث 7 أكتوبر.
وبعد سلسلة طويلة من أحكام الاعتقال الإداري بلغت العامين خرج المبدع أبو سخا، من سجون الاحتلال، لم تكن تجربة السجن الأخيرة، ففي مشوار حياته القصير نسبيا (37 عاما) كان قد اعتقل مرتين، لكن المرة الأخيرة كانت الأكثر إدراكا للمعنى وعمقا في التجربة.
يقول في حديث خاص مع “القدس العربي”: “لقد بدأت التجربة وانا متصالح معها، بعد شهر من التحقيق والشبح والتعذيب كنت سعيد جدا بوجودي في سجن عوفر القريب من رام الله، في تلك الفترة كانت الفصائل الفلسطينية هي التي تتولى إدارة السجون، وهي من تدير حياة الأسرى الفلسطينيين، كنت بالسجن أبحث عن تجربة خاصة، ذهبت للفصائل وقلت لهم أريد أن أدرب الأسرى الأشبال (الأطفال) على السيرك، تفهموا الأمر، وذهبوا في حوار مع إدارة السجن التي رفضت بالبداية، لكنني طلبت منهم الضغط على الإدارة، كان الأمر بالنسبة لي مهما جدا، كنت مستعدا لخوض هذه التجربة بأي ثمن، وفعلا وافقت الإدارة على أن يكون هناك تدريب للأشبال بوجود رقابة من المخابرات الإسرائيلية، ووافقت فعلا على شرطهم”.
“الرغبة بتدريب الأطفال الأسرى بأي ثمن” كُبحت مع بداية العدوان على غزة، “لقد حضرت نفسي جيدا، حتى أنني جهزت مادة التدريب للقاء الأول” يقول الفنان أبو سخا.
يكمل: “السجن سيء جدا، لكن تجربة التدريب والعمل مع الأشبال مهمة جدا بالنسبة لي، ولو كنت خارج السجن وعرضوا علي السجن سنة أو سنتين من أجل تدريبهم كنت سأوافق حتما، هذه تجربة مهمة تكسبني خبرة كبيرة جدا وتجعلني أعمل مع الأطفال”.
وتابع مستذكرا: “في الأشهر الأولى من تجربة السجن لم يقف الأمر في انتظار تدريب السيرك للأطفال، بل دربت السجناء الكبار الذين كانوا معي في الغرفة، صحيح كان ذلك بشكل محدود لكنني حاولت”.

انقلاب السجون

تبدل شعور أبو سخا من السجن مع انقلاب السجون بعد 7 أكتوبر، وكتب له تجربة قاسية جدا، أسوة بالآلاف من السجناء، لقد نزل وزنه للنصف، حين التقيناه، في منزله المطل على سهل مرج بن عامر في جنين شمال الضفة الغربية، كان ضعيف البنية الجسدية للغاية، كان قد بدأ للتو، مع عائلته، في استعادة نظام غذائي يبني جسمه من جديد بعد أقل من أسبوع على إطلاق سراحه.
يتحدث عن تلك التجربة: “وضع السجون كان خياليا من ناحية السوء، التعذيب والقهر والعزل وغياب المعلومات عن الأهل طوال سنة أو سنتين.. جعل من السجن تجربة بالغة الصعوبة.. كل تفصيلة في حياة الأسرى حاول السجانون تحويلها إلى معاناة، لكن في المقابل سعى الأسرى إلى تحويل حياتهم إلى عوالم صغيره محتملة، مثلا كانت إدارة السجن تدخل الخبز في أكياس بلاستيكية، هذه الأكياس حولها الأسرى إلى عالم، لقد صنعوا منها أساور وعلاقات وحلقات جميلة وأماكن لوضع الكاسات.. لاحظ الاحتلال ذلك فمنع الأكياس البلاستيكية. نفس الأمر مع علب اللبنة التي كانت من مكونات الفطور، كل علبة حجمها 400 غرام لستة أسرى، من علب اللبنة الفارغة أصبح لدى الأسرى عالم من العلب التي أصبحت تستخدم لتقديم الأكل، كان الأكل بداية يوضع على أكياس بلاستيكية في ظل مصادرة الصحون، لقد أصبح لدينا استقرار في كيف يمكن وضع الطعام وتقديمه، أصبح لكل أسير مجموعة من العلب، لاحظت إدارة السجون ذلك فتم منع علب اللبنة”.
ويضيف الفنان أبو سخا: “أي شيء منظم كان يشعر الأسرى بالانبساط والاستقرار كان يتم منعه. سياسة السجون ضد الاستقرار، كل التفاصيل الصغيرة كانت تتحول إلى أداة تنكيل”.

رحلة البدايات

سألنا أبو سخا حول السبب الذي دفعه لاحتراف فن السيرك/المهرج في ظل النظرة المشوشة لهذا الفن فلسطينيا وحتى عربيا، تحدث بحماس عن مرحلة البدايات: “في عام 2008 كنت ناشطا بالتطوع في جنين، كنت طفلا، لكني كنت منخرطا ببعض الأنشطة. كانت لدي طاقة وكان لدي اهتمام بالسياسة من دون فهم كافي. خرجت من جنين لرام الله لأول مرة في حياتي، وحضرت عرضا للسيرك، وكان عنوانه “سيرك من خلف الجدار”. لقد لمسني العرض رغم أنني لم أفهم فلسفته بداية، وشعرت أن السيرك أمر جيد، لقد شعرت بطاقة الجمهور في العرض، وهناك اتخذت قرارا أن أنضم للسيرك. عدت لمدينة جنين مع مجموعة من الأطفال وقررنا تأسيس فريق سيرك، وأخذنا بيت درج في عمارة تجارية وسط المدينة، وكنا نتدرب فيه ساعات ما بعد العصر حيث تكون العمارات فارغة”.
ويكمل: “من سوق البالة (البضائع المستعملة) اشترينا فرشات للشقلبة، طورنا بحالنا كثيرا، كما وفر لنا سيرك فلسطين دورة تدريبية من خلال مدربين أجانب، لقد كانت الخبرات محدودة في البداية. وكانت لدينا طاقة كبيرة، كنا نتدرب خمسة أيام بالأسبوع، كان التدريب مثل الشغل الرسمي تماما”.
ويتابع سرد علاقته بالسيرك وتطوره: “تطور الموضوع 2011 وصرنا مدربين وعارضين أيضا. تجولنا في عموم الضفة ونفذنا عروضا، كما سافرنا إلى أوروبا، الملفت في التجربة تمثل في أن قصتنا الفلسطينية مهمة، فيما منحها إيماننا بها وبحقنا أعطى الفن الذي نقدمه معنا أكثر، لقد انعكس ذلك على جودة الفن الذي نقدمه، عروضنا كانت رسالة بجودة عالية، كانت شيئا حقيقيا ملفتا ومبدعا”.
بعد الانخراط في السيرك بعام تقريبا اعتقل الاحتلال أبو سخا لأول مرة، حبس شهرا، يقول: “كنت بمرحلة الثانوية العامة. كان الحبس بسبب شبهات وجهت لكل الأولاد في جنين، أي إلقاء الحجار على الجيش ونشاطات بالشارع، وهي أمور لها علاقة بلعب الأطفال في المدينة”.
تجربة السجن الأولى وضعت الفنان أبو سخا مع أول اهتمام بالشأن العام: “لقد رأيت السجن ظلما كبيرا. بالنسبة لي كان السؤال: لماذا يحدث ذلك؟ ما معنى ذلك؟ السجن منحني دافعا للبحث عن القضية وطرحت أسئلة: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ وماذا يريدون منا؟ وما هو الحل للواقع الذي نعيش فيه؟ هنا كان السيرك بمثابة رؤية لما هو المستقبل، وما هو دوري في هذا البلد، لقد قررت أن أبني نفسي مهنيا، لقد استثمرت بعقلي وجسدي ونفسيتي من خلال السيرك”.

الاعتقال الثاني

مع مرور الزمن شعر أبو سخا أن السيرك مسألة مهمة، “لقد مشيت بالموضوع حتى 2015 لغاية اعتقالي في هبة العمليات الفردية، لقد كنت ناشطا اجتماعيا وفنيا. كنت أتواجد في اللقاءات العامة، اعتقلت 21 شهرا، خلالها تعرفت على السجن وعلى السجناء، تعرفت على الأفكار المختلفة. وعرفت أنه نحن كفلسطينيين نعيش في بلد كل العالم يحكي عنها بالسياسة لكن الفلسطيني ممنوع أن تكون له وجهة نظر سياسية. فوجهات النظر السياسية مربوطة بفصائل وحركات ومؤسسات وهي محظورة علينا، هنا لن تقدر أن تقول إنني أتبنى هذه الوجهة السياسية أو أريد هذا الحل السياسي، لحظتها ستحسب على جهة سياسية وستتعرض للاعتقال”.
لم يتعرض للتحقيق في الاعتقال الثاني، “كانت جلسة تحقيق خفيفة”، وعن جلسة المحاكمة يسرد قائلا: “قلت للقاضي “أنا فنان، وأعمل مع الأطفال، وأسافر وألتقي بناس كثر ومن جنسيات ومعتقدات مختلفة في أوروبا حيث العالم مفتوح. شبهاتكم أنني أريد القيام بشيء ضدكم ليست صحيحة، أنا أعيش في جو بعيد عن ذلك.. لقد كان حديثي مقنعا وواقعيا أمام القاضي، فأنا لم أفعل شيئا ضد الاحتلال. لكن القاضي ثبت الحكم ستة أشهر ضدي، هناك قررت ألا أذهب إلى أي محاكمة إسرائيلية أخرى”.
وعن حضور السيرك في تجربة السجن الثانية يقول: “كنت بالسجن أتحدث عن السيرك. كان أمرا غريبا على الجميع، الشرطي والسجان والأسرى أيضا، الكل كان يقول لي: أنت تبع سيرك شو بتعمل هون؟ لم يكن هناك أحد مُعجب بفكرة وجودي بالسجن. كنت أقول لهم ضاحكا: طلعوني من السجن طيب!!”.
وعن موقف طريف حصل معه داخل السجن تحدث أبو سخا: “في اعتقالي الثالث والأخير كنت في جلسة تحقيق طويلة، طلب مني المحقق أن أنهض معه، فك قيودي لأول مرة منذ شهر تقريبا، سرت محاطا بالحراس الجنود، أخذني المحقق لمكتبه، كانت هناك صورة لي وضعت بين مجموعة كبيرة من الصور المعلقة على لوح حائط خشبي وقد ثبتت بمسامير صغيرة، كان هناك صور لشبان مسلحين مطلوبين ولقادة إسرائيليين ولخريطة المنطقة وأجندة..الخ. أنا صورتي كانت بالوسط، كنت أرتدي بلوزة حمراء عليها خريطة فلسطين، وأرتدي أنفا أحمر خاص بالمهرجين، قال لي: غريب مش هيك، قلت له: صورتي لا تنتمي لبقية الصور انزعها.. أنت هيك رح تظل تتذكرني وتعتقلني، ضحك المحقق ولم يعلق، وأخذني إلى الزنزانة”.
وحول كيف عمل أبو سخا على المحافظة على مهاراته كعارض فني في السجن، رد قائلا: “السجن بتلك الفترة كان مساحة للتعلم والقراءة. في السجن لم أعمل أشياء كثيرة. حاولت في البداية أن أتدرب من خلال الوقوف على يدي بالساحة وقت الفورة (الاستراحة). لكنهم قالوا ممنوع. أي شيء مختلف كنت أقوم به كان يصنف على أنه خطير. أي شيء غير تقليدي كان يخيف السجان وبالتالي كان ممنوعا. حاولت تدريب خمسة سجناء في ساحة السجن، لكنهم اعتبروا أنني أعلمهم لسبب ما، ربما للهروب، لك أن تتخيل هذا الواقع المحبط”.
من هنا شعر أبو سخا بأهمية الاستثمار بالقراءة والتعلم، لقد أنهى المرحلة الثانوية داخل السجن، “الأسرى قبل العدوان على غزة حولوا السجن لمدارس وجامعات. يوميا كانت هناك جلسات ثقافية، تناقشنا عن كل ما يمكن تخيله وما لا يمكن تخيله، من الجندر والدين والمجتمع والنسوية..الخ، وعندما خرجت من السجن ركزت أكثر على المجتمع حيث قلصت دوري كفنان عروض إلى دوري كمدرب وأكاديمي، تركز عملي بالسيرك الاجتماعي، وهو فن يحمل أهدافا اجتماعية.. حولت السجن لفرصة كي ألتحم بالشارع وبالناس وبشريحة واسعة من الفلسطينيين، كي أكون جزءا من الناس، وكي التصق بهمومهم واهتماماتهم.. هذا أفادني بعد خروجي من السجن، وأول عمل قمت به هو تدريب أطفال أسرى محررين في بلدة بيت أمر بالخليل”.
لم يخرج أبو سخا في المرحلة الثانية من تجربة الاعتقال بطريقة عادية، لقد خاض تجربة الإضراب عن الطعام لمدة 40 يوما، وترتب عليها أن أطلق سراحه، وفي آخر يوم من الاضراب حاول أن يختبر مهاراته البدنية حيث قام ببعض التمارين الرياضية وهو ما أحدث لجسمه تمزقا عضليا عزز من حدوث التحول في مسيرته المهنية والفنية.
يكمل: “بعد عام 2015 ذهبت للسيرك الاجتماعي أكثر من العروض الفنية التي اتقنتها، عدلت على تخصصي قليلا، خاصة وانا مهتم بالشأن العام، تركز اهتمامي بالفن والمجتمع مثل: تأهيل ذوي الإعاقة والأطفال وتمكين النساء والبرامج الاجتماعية المختلفة”.
ويكمل: “لدي كتابات عن السيرك وتعريفه من منظور الثقافة.. وكتابات عن علاقة السيرك بالثقافة، عملت على العمل الأكاديمي مثل: إنتاج أبحاث عن السيرك وأثره على المجتمع، والسيرك وأثره على الأطفال ذوي الإعاقة.. نحن جزء من منظمة دولية اسمها (شبكة كرافان) (شبكة السيرك العالمية في أوروبا)، وكان هناك مشروع إنتاج كتاب عن السيرك الاجتماعي بالتعاون مع جامعة دبلن. وكان لي دور في ذلك.. إلى جانب كتب ومؤلفات أخرى”.

النجاة داخل السجن

يعتبر أبو سخا نفسه محظوظا، لقد نجى من السجن لكونه جزء من سيرك فلسطين، يقول: “كنت مدركا أن هناك من ينتظرني، عائلتي كانت داعمة، وهي بكل الأحوال تنتظرني، لكن على الصعيد المهني كان السيرك ينتظرني، كان هناك الكثير من العمل والأفكار والمشاريع والنتاجات بانتظاري.. هذا كان مصدر أمل بالنسبة لي. لم أكن قلقا من شيء، فلدي أمل بالحياة، وفي المقابل، كنت أشعر بالحزن، أنا أمتلك الفرصة والأمل، وهناك أسرى بلا فرص ومن دون أمل، ليس لتقصير منهم بل لان البلد خالية من الفرص، وهذا أمر يدفع البعض لاتخاذ قرارات قد تكون خاطئة ولا تخدم مستقبله”.
يعترف أبو سخا أنه في لحظات صعبة داخل السجن فكر بالهجرة، يتابع: “قديش بحب البلد ومتمسك فيها، لكني فكرت بالهجرة، أكيد هذه الفكرة غير موجودة الآن لكن الظروف الصعبة داخل السجن تجعلك تفكر للحظات بالهجرة. سألت نفسي في السجن: لماذا نحن هنا؟ وإلى متى ستستمر المعاناة؟ ولماذا يحدث معنا ما يحدث معنا؟ ليس هناك أفق للسلام. قبل الحرب كان هناك رهان على الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والمنظمات الدولية، لكن أثناء الحرب على غزة رأينا أن دور كل ذلك هو الكلام، لم يكن هناك من يمكنه حماية الفلسطيني، كل ذلك كان وهما، كل المؤسسات الدولية أصبحت بلا دور، الحقيقة أن إسرائيل استفردت بالفلسطينيين، بالأسرى وغزة وليس هناك شيء يمكن أن يوقفها”.
يضيف: “سؤال لماذا نحن هنا؟ كان يخرج في لحظات الضعف، لكني كنت أتذكر السيرك ودوره فأستعيد الأمل، الاحتلال يفعل كل يفعله بنا لأنه يريدنا أن نهاجر. ما أؤمن به هو أنه لا يجب أن تنتصر الأفكار السلبية علي، يجب أن أبقى موجودا.. ويجب أن استمر”.
بقي أن نقول إن الفنان محمد أبو سخا كان قد بدأ علاقته مع السيرك بصفته مهرجا عبر لعب مجموعة من الألعاب مثل: “لعبة الطابات التقليدية، ومن ثم تخصص بالمشي على الحبل والجمباز، لكنه بقي مخلصا لدوره كمهرج يصنع الضحك”.
يضحك أبو سخا ويقول: “المهرج ليس فقط شخص يقوم بإضحاك الجمهور، إنه ثوري، وتعريف الثوري هو من يتمرد على الواقع ويرفضه، المهرج يرفض الواقع ويسخر منه، ولهذا أنا مهرج ثوري”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية