«العاصفة»: دانا الفردان وأوركسترا قطر الفيلهارمونية

أصدرت المؤلفة الموسيقية القطرية دانا الفردان أحدث أعمالها، ألبوم «العاصفة» الذي عُزف للمرة الأولى أمام الجمهور في شهر مايو/ أيار الماضي في دار أوبرا كتارا، بمصاحبة أوركسترا قطر الفيلهارمونية، وقيادة المايسترو جيوفاني باسيني. يأتي هذا العمل في إطار التعاون المستمر بين دانا الفردان وأوركسترا قطر الفيلهارمونية التي شاركتها في تسجيل الألبوم أيضاً، كما أن دانا الفردان هي السفيرة الثقافية لأوركسترا قطر الفيلهارمونية. تم تأسيس الأوركسترا عام 2007 تحت رعاية الشيخة موزا بنت ناصر، وأقيم حفلها الافتتاحي عام 2008، ولا تزال منذ ذلك الوقت تحيي أنشطتها الموسيقية على خشبات المسارح ودور الأوبرا والمراكز الثقافية داخل قطر، وفي مختلف دول العالم، وتقدم برنامجاً كلاسيكياً رصيناً إلى جانب ألوان من الموسيقى العربية والفولكلور والتراث القطري.
قليلة هي الأسماء النسائية في عالم تأليف الموسيقى، سواء في العصور القديمة التي شهدت عباقرة الموسيقى الكلاسيكية أو في العصور الحديثة، وعندما تبرز امرأة قطرية خليجية عربية في هذا الميدان يكون ذلك مدعاة للفخر، وتكون تجربتها الموسيقية مثيرة للاهتمام النقدي. دانا الفردان فنانة قطرية تؤلف الموسيقى، وتغني بالإنكليزية والعربية، وتعزف على البيانو وبعض الآلات الموسيقية الأخرى، وتكتب كلمات أعمالها الغنائية. هي أول امرأة قطرية وعربية تعرض مسرحياتها الموسيقية على مسارح ويست إند في لندن، بالإضافة إلى مشاركاتها الدولية المتعددة وتمثيلها لقطر على أهم المسارح ودور الأوبرا في العالم، وكواجهة ثقافية وفنية مشرفة لوطنها، تم اعتماد موسيقى دانا الفردان، الموسيقى الرسمية للخطوط الجوية القطرية.

كما تعرف دانا الفردان بدعمها المخلص للقضية الفلسطينية، وقد غنت لفلسطين بالتعاون مع الأونروا أغنية «الأمل لغزة» باللغتين العربية والإنكليزية، وقامت بتصوير الأغنية مع أطفال فلسطين، وتقول في أحد مقاطع الأغنية باللغة العربية: «من جنس واحد خلقنا من طين.. وطين الأرض لنا أجمعين.. لست وحيداً فالله المعين.. بالحب نسمو كن على يقين.. من أجل الدمعة التي تجف.. من أجل حلمك لو وقف.. سوف نكون بعون الله.. ندفع معك دولاب الحياة». بين الموسيقى الكلاسيكية السيمفونية والأوركسترالية، وموسيقى البوب والموسيقى المعاصرة والميوزيكال، تتنوع أعمال دانا الفردان، سواء المؤلفات الغنائية أو المؤلفات الموسيقية البحتة. ومن إلهامات الشعر والأدب قدمت بعض المسرحيات الموسيقية، كمسرحية «رومي» من وحي جلال الدين الرومي، ومسرحية «الأجنحة المتكسرة» من وحي جبران خليل جبران كما يدل العنوان. ويعد توظيف التراث القطري من الأركان الأساسية في المشروع الفني لدانا الفردان، حيث تقدم الفولكلور القطري والألحان والأغاني التراثية المتعلقة بالبحر ورحلات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، ذلك التراث ليس فناً فحسب، وإنما هو سرد وتوثيق لتاريخ قطر الاجتماعي والاقتصادي في عهد ما قبل النفط، عندما كان صيد اللؤلؤ مصدراً للدخل وكان عملاً يمارسه الكثير من الرجال، وعلى جانبي هذا العمل، ومن خلال أدق تفاصيله، نشأ فن متكامل بإيقاعاته وأهازيجه ومعانيه وصوره الخيالية والتعبيرية، فن صاحب تلك الرحلة الشاقة في بحر لا يهادن غير مأمون، عندما كان البحارة والغواصون يواجهون المجهول، ويتقلبون بين الصبر والعناء، والرجاء واليأس، والنهايات الحزينة أو السعيدة، هو فن ارتبط بمهنة معينة، لكنه فن تقليدي للغاية ومتغلغل بشدة في الوجدان القطري، يحمل ثقافة أهل البلد ويعلن عن الأصل والجذور.

لا يبتعد ألبوم «العاصفة» عن هذه الأجواء القطرية وتراث موسيقى البحر ورحلات الغوص، التي تقدمها دانا الفردان بشكل هارموني فريد، وتدمجها ببراعة مع موسيقاها المؤلفة وفق القواعد الكلاسيكية الغربية. في هذا العمل نجد بعض إيقاعات وأنغام وأغنيات الفولكلور القطري المرتبط بالبحر، ونجد بعض الآلات الموسيقية الشرقية كالناي والقانون، والطبول والآلات الإيقاعية القطرية الخليجية إلى جانب آلات الأوركسترا الغربية، نستمع إلى توظيف جيد لهذه الآلات العربية، وكذلك للبيانو والوتريات، ويلاحظ بشكل عام مدى ديناميكية الموسيقى، التي تعكس مجموعة من الحالات الشعورية المختلفة، ونجد كذلك مجموعات الكورال والأصوات الفردية التي تؤدي الأهازيج التراثية وفق قواعدها الأصيلة. فهناك آهات ونداءات وألوان خاصة من الغناء، كالغناء بصوت مرتفع مثلاً كمن ينادي من بعيد، أو كأنه يغني وسط البحر في الفضاء الشاسع الممتد، ويحاول أن يسمع صوته لمن تركهم على الأرض وفارقهم، ونستمع إلى «يا مال» في أكثر من مقطوعة، سواء بشكل فردي أو عندما تردد المجموعة «أوه يا مال» بشكل متكرر وبإيقاع منتظم، هو إيقاع العمل أو الحركة على السفن والمراكب، عندما يتزامن الغناء والصوت مع الجسد وما يقوم به من فعل معين ومجهود شاق، فالغناء المستمر قد يمنع الجسد من التوقف والانهيار.
يحتوي ألبوم «العاصفة» على 13 مقطوعة ترتبط ببعضها، وتمثل في مجملها رحلة، تستلهم من رحلة البحر القديمة أجواءها، وتخلق رحلة جديدة ذات أبعاد إنسانية فلسفية، ورغم أن كل مقطوعة لها عنوانها المستقل وطابعها الفني الخاص ويمكن أن تُسمع منفردة، لكن السماع المتصل للألبوم وفق ترتيب مقطوعاته يجعل المرء يشعر بأنه قد خاض بالفعل رحلة موسيقية ممتعة ومليئة بالأفكار والتأملات. هي رحلة ملحمية في دنيا الخيال، تتخذ من العاصفة رمزاً لتقلبات الداخل والأمواج العاتية، التي تعصف بالنفس في بعض الأحيان، هي رحلة استكشاف للذات، بينما تخوض صراعات عنيفة، وتواجه رياحاً وظلاماً ودوامات واضطرابات، لا في البحر أو وسط الطبيعة، وإنما داخل النفس، وكما كان يبحث الغواص عن لؤلؤة ثمينة، بينما يهبط إلى أعماق البحر، يكون على الإنسان أحياناً أن يخوض رحلة مشابهة بالغوص في أعماق نفسه، ليخرج بأثمن ما يملكه حقاً مهما كانت الرحلة مؤلمة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية