حتمية التاريخ في الوعي العربي

حجم الخط
0

إثر سقوط الصواريخ الإيرانية على تل أبيب وغيرها من المدن الإسرائيلية، يطفو نحو السطح نوع من «التشفي» بموت الإسرائيليين، حتى المدنيين منهم، و»الشماتة» بهم، وترديد عبارات أن «زوال الكيان الصهيوني محتوم»، وأن «العدالة بدأت تأخذ مجراها». نرى أيضا ردود فعل مماثلة لدى السوريين، خصوصا تجاه الضربات التي تتلقاها إيران، وكأن «العدالة التاريخية» وصلت لتحاسب النظام الإيراني على جرائمه بحق السوريين على يد نتنياهو.
لطالما ترددت هذه المواقف في الثقافة العربية والإعلام والخطابات السياسية، من خلال عبارات على غرار «التاريخ سَينتصر لنا»، أو «الحق لا بد أن يعود لأصحابه»، وكأن التاريخ متَّجه نحو نقطة معينة حتميَّة، حيث تعود الحقوق لأصحابها، و»تنتصر الأمة على العدو الغاشم»، ما يوحي بأن للتاريخ إرادة أو ضمير أخلاقي يميز بين الظالم والمظلوم، وفي النهاية ينحاز حتما للمظلوم، والآن في ظل الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل يبدو أن هذه العدالة التاريخية قد بدأت تتحقق.
قد تبدو عبارات كهذه في ظاهرها وكأنها تعكس التزاما بموقف أخلاقي معين، إلا أنها في الحقيقة تعكس تصورا أعمق عن حتمية التاريخ بوصفه قوة غائية سَتستعيد التوازن عاجلا أم آجلا. تبرز هنا إشكالية مهمة: لماذا يعتقد العرب أن للتاريخ صفة أو وجهة أخلاقية وكأن له إرادة معينة ووعي بتحركاته؟ كيف يؤثر هذا الإيمان بوعي وفهم الجماعة والأفراد للأحداث وعلاقتهم بها؟ وما هي تداعيات فهم التاريخ بهذه الطريقة على مفاهيم مثل المسؤولية والحرية؟

الهزيمة والعدالة المؤجلة

برزت فكرة «عدالة التاريخ» في الخطاب العربي الحديث بشكل لافت منذ هزيمة عام 1967، وتكرَّست أكثر مع تصاعد التحولات الكبرى في العالم العربي، من احتلال العراق إلى الانتكاسات المتتالية، التي أعقبت موجة «الربيع العربي». مع كل أزمة وانتكاسة، وفي كل منعطف من تلك المنعطفات، بدا الواقع السياسي ميَّالا لصالح الاستبداد أو الاحتلال أو «العدو»، ما دفع بشرائح واسعة من المثقفين والسياسيين والمتكلمين بالشأن العام إلى اللجوء إلى التاريخ كملاذ أخير، فصوروه كقوة عليا يفترض أنها ستعيد «التوازن» يوما ما، والتوازن المقصود هنا هو، غلبة «الأمة» على أعدائها. استلهم هذا النمط من التفكير من الخطاب الديني، حيث ينظر للتاريخ كمجال لتجليات الإرادة الإلهية، إلى أن تتحقق العدالة، في الدنيا، أو في الآخرة، كما أُنتجت سرديات تاريخية جديدة ومُتجددة، سعت إلى تأكيد «المظلومية» وإبراز «الحقوق المغتصبة». لا يُفهم التاريخ في هذا الخطاب على أنه مجال مركب من التفاعلات البشرية والمادية والظروف الموضوعية، بل على أنه فاعل مشخصن لديه نوع من الوعي والإرادة والضمير، وكأن هناك ذاكرة تاريخية جمعية ستسترجع الحقيقة وتحكم على الوقائع والأشخاص، بغض النظر عن تقلبات السياسة أو موازين القوى. في هذا السياق يصبح التاريخ مجالا للعدالة المؤجلة، حيث لا يتوقع المظلوم إنصافه ولا يطالب به من قبل المؤسسات والواقع الموجود أمامه، بل من التاريخ. يضعف هذا النمط من التفكير الحاضر ويُثقله بانتظار طويل قد لا يتحقق. كما أنه يرفض الممارسة السياسية والمشاريع العملية لتغيير الواقع، لصالح «انتظار إنصاف التاريخ». بالنتيجة يكون لدينا خطاب يستمد شرعيته من الماضي والمظالم المرتكبة فيه، يجرد الحاضر من فاعليته ويحوله إلى مرحلة انتقالية بانتظار «عدالة تاريخية» مؤجلة إلى المستقبل.

العدو الغاشم وغياب المساءلة

هذا التصور الحتمي للتاريخ مرتبط في الوعي العربي ارتباطا وثيقا بفكرة «العدو الغاشم» متمثلا بإسرائيل أو «الغرب» أو «الإمبريالية»، التي تُبنى غالبا ليس بوصفها خصما سياسيا يمكن التفاوض معه أو حتى هزيمته، بل بوصفه كيانا شيطانيا خارقا، يملك أدوات الهيمنة والتآمر، ويتحرك خارج المنطق أو الأخلاق، ليتحول هذا العدو المتخيل إلى حامل لأعباء رمزية جمَّة وشماعة يُعلِّق عليها المجتمع كل تناقضاته، ويلقي عليها مسؤولية الفشل والعجز، مما يكرّس منطق التهرب من المسئولية والبراءة الذاتية. من خلال «شيطنة» العدو وتضخيمه، يتم تعزيز إيمان المجتمع بأن صراعه معه لا يمكن أن يُحسم إلا عبر تدخل «قوة أعلى» متمثلة بالتاريخ أو القدر أو الإرادة الإلهية. فيُعاد إنتاج الحتمية التاريخية بوصفها الضامن الوحيد للانتصار في مواجهة خصم غير قابل للهزيمة بالعقل أو التنظيم أو التخطيط. الحتمية التاريخية تصبح آلية دفاع نفسي جماعي، تمنح الشعوب المقهورة نوعا من العزاء الرمزي، وتعفيها في الوقت ذاته من المسؤولية المباشرة عن نتائج أفعالها أو إخفاقاتها، مما يُضعف أدوات الفعل الواقعي.

يترتب على ذلك تداعيات لنظرة ونظام إدراك العالم لدى الفرد والجماعة، فإذا كان الحاضر امتدادا لخطة كبرى للتاريخ، يتحول الإنسان إلى مجرد أداة في تلك الخطة الأكبر، خطة التاريخ المتجه نحو العدالة لا محال. يؤدي ذلك إلى تقويض مفهوم الحرية الفردية، أو حرية الإرادة بوصفها قدرة الأفراد على اتخاذ خياراتهم وقراراتهم بأنفسهم، بدلا من أن يتم تحديدها بالكامل بواسطة عوامل خارجية أو أحداث سابقة، فلا وجود لإرادة إلا إرادة التاريخ، أو الإرادة الإلهية. كما تعطل هذه النظرة الحتمية للتاريخ آليات المساءلة السياسية. فإذا كانت الهزائم والانتكاسات مؤقتة بحكم التاريخ المتجه نحو نتيجة حتمية، فإن الفاعلين السياسيين والثقافيين لا يُحاسَبون فعليا، بل يُمنحون مهلة مفتوحة إلى أن «ينصفهم الزمن»، وتصبح الأخطاء الاستراتيجية أو السياسية، التي قد يروح ضحيتها آلاف القتلى، وتتدمر على إثرها مدن بأكملها، كما رأينا في غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مجرد عقبات مؤقتة، بدل أن ينظر إليها على حقيقتها على أنها علامات فشل بنيوي.

نحو عودة الاحتمال والحرية

تسود هذه النظرة الحتمية للتاريخ في العالم والثقافة العربيين في وقت قوَّضت فيه الفلسفة الحديثة فكرة الحتمية، وأعادت الاعتبار للصدفة والاحتمال. يتجلى ذلك في فكر كارل بوبر، الذي رأى أن التاريخ ليس قابلا للتنبؤ وفق قوانين ثابتة، لأن المعرفة البشرية محدودة، ولأن المستقبل يُصاغ من تفاعل قرارات فردية، وسياقات متغيرة، وعوامل طارئة، لا نمتلك القدرة على الإلمام بها، أو معرفة طريقة تفاعلها مع بعضها الآخر بحكم محدودية معارفنا وقدراتنا. يضاف إلى ذلك ما قدّمته فيزياء القرن العشرين، وبالتحديد مبدأ الريبة في ميكانيكا الكم، حيث لا يمكن التنبؤ بنتائج بعض القياسات (مثل موقع جسيم أو سرعته) بدقة مطلقة، بل فقط احتماليا. الظواهر لا تُفسر دائما عبر سببية خطية، بل تخضع لاحتمالات، وتداخلات معقدة. الفكرة الجوهرية هنا هي أن التاريخ ليس نظاما مغلقا ولا محكوما بضرورة داخلية، بل هو نتاج تراكب معقّد من الأفعال البشرية، والقرارات الفردية، والعوامل الطارئة، والمصادفات غير المتوقعة. لا يمكن بالطبع إسقاط هذا المنظور على التاريخ والواقع بطريقة تعطي الفعل الإنساني القدرة على تحديد مجريات الأمور بشكل مطلق، فلا يزال الواقع محكوما ببنَى ومصَالح وتوازنات قِوى وغيرها من المعطيات التي تحجِّم من قدرة الإنسان على تحديد مجريات الأمور، إلا أن مبدأ الريبة أو «اللاحتمية» يعطي مجالا معينا لفاعلية الإنسان.
على عكس التصور أعلاه، يميل الوعي الثقافي العربي إلى رفض وتهميش فكرة «الاحتمال» أو «اللاحتمية» كعنصر من عناصر تفسير الواقع. فالاحتمال يُعدُّ دليلا على الفوضى أو العبث، بدلا من التعقيد والحرية. هذا الرفض لا يؤثر فقط على فهم العالم، بل يشكل أيضا العلاقة بين الفرد والجماعة والواقع. يُحرم الفرد من خلال خطاب «الحتمية التاريخية» من أدوات الفعل والوعي بأن قراراته لا تخضع لنتَائج حتمية، وأن الفشل أو النجاح لا يعكسان بالضرورة قيمة أخلاقية أو قدرية. في غياب الاحتمال، يصبح الفشل مدعاة للوم «العدو الغاشم»، بدل أن يكون فرصة للفهم أو التعديل والتأقلم مع الواقع. في المقابل يُنظر إلى النجاح على أنه دليل على الاصطفاء أو الرضا الإلهي، أو إحقاق التاريخ لعدالته.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية