قلّما نجد في الأدب الألماني الحديث من جسّد الروح الألمانية بعمق وصدق، مثل توماس مان (1875–1955)، الذي كان في الوقت نفسه من أبرز الشخصيات في الثقافة العالمية خلال القرن الماضي، كاتباً بارعاً متعدد المواهب: كاتب قصة قصيرة، ناقداً أدبياً، كاتب مقالات، لغوياً، ولكن الأهم من ذلك كله، أنه كان مُبدعاً في فن الرواية الملحمية، ورائداً في النثر الفلسفي التأملي، متجذراً بعمق في التراث الفني والثقافي الألماني. حظيت أعماله بشعبية واحترام كبيرين في الأوساط الأوروبية لسنوات طويلة، ولا تزال رواياته وقصصه القصيرة تُقرأ، وتُترجم إلى لغات مختلفة، وتُعرض على المسرح، وتُنتج أفلام مستوحاة من نصوصه. تتبع رواياته من نواحٍ عديدة، التقاليد الروسية للرواية الكلاسيكية، لكنها بالاستناد إلى حقائق وأحداث الواقع الألماني، كان الاطلاع على الأدب الروسي بالنسبة لتوماس مان أعظم تجربة روحية.
في مقدمة كتاب «روائع فن السرد الروسي» (1921)، الصادر في ألمانيا، يُقدم مان خصائص ثاقبة عن كبار الأدباء الروس في القرن التاسع عشر: «بوشكين هو غوته الشرق، مُجسداً بيئته الفنية الفريدة، متألقاً، حسياً، ساذجاً، مرحاً وشاعرياً. غوغول هو رمز ذلك الأدب المشرق والفريد الذي يتميز ببدايات كوميدية. إنه كوميدي بواقعيته ومعاناته وإنسانيته العميقة ويأسه الساخر وروحه الحيوية النضرة».
اعترف توماس مان مراراً بأن الأدب الروسي كان له تأثير هائل، إن لم يكن حاسماً، في حياته وأعماله. في رواياته يُولي اهتماماً بالغاً للثراء الروحي ونبل الإنسان، ويُقرّ بأن الإنسانية الأسمى مما هو موجود في الأدب الروسي لم تكن موجودة قط في أي مكان وزمان. كتب عن عمله في روايته الأولى «بودنبروك. قصة انهيار عائلة»: «عندما كنت في الثالثة والعشرين، أو الرابعة والعشرين من عمري، لم أكن لأتمكن من العمل على «بودنبروك» لو لم أستمد القوة والشجاعة من قراءة تولستوي باستمرار. يُعد الأدب الروسي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بحق أحد روائع الثقافة الروحية، ولطالما ندمت بشدة على أن شعر بوشكين ظلّ شبه بعيد عن متناولي، إذ لم يكن لديّ ما يكفي من الوقت والطاقة لتعلم اللغة الروسية».
«بودنبروك» سيرة ذاتية الى حد كبير، مع أن الفكرة الرئيسية للمؤلف تتجاوز، بالطبع، تسجيل وقائع حياة عائلته. في مقال« زمني»، كتب توماس مان: «لقد كتبتُ رواية عن عائلتي… لكنني في الواقع لم أُدرك أنني، بسردي قصة تفكك عائلة برغر، أعلن عن عمليات انهيار وموت أعمق بكثير، بداية انهيار ثقافي واجتماعي- تاريخي أكثر أهمية».
من خلال أربعة أجيال من عائلة بودنبروك، نلمس التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في الحياة. تجمع الرواية ببراعة بين السرد الواقعي للقرن التاسع عشر والمعاناة النفسية للحداثة. إن التشابك بين المصالح العائلية والتجارية، والمواجهة بين النظام البورجوازي والدوافع الإبداعية الفوضوية، التي ترفض قيم اقتصاد السوق، والتي تتكرر في كل جيل، تحافظ على أهميتها. غالباً ما يجد النقّاد أوجه تشابه بين «بودنبروك» و«آنا كارينينا» لتولستوي، ولاسيّما في تصوير المجتمع. وغالباً ما يتمحور النقاش حول الكيفية التي تُقدَّم بها الطبقة الراقية من الداخل، لا بوصفها نموذجاً يُحتذى، بل كعالم آيل إلى التفكك. ولعل ما قاله توماس مان في مقدّمته للطبعة الألمانية من «آنا كارينينا» يؤكّد هذا المنحى، إذ كتب: «إنها رواية تتناول حياة الطبقة العليا، لكنها موجهة ضدها»، مُعتبراً هذا العمل أكثر الروايات اجتماعية في الأدب العالمي. ومن نواحٍ شتّى، جاءت روايته «بودنبروك» مؤسسةً على المبدأ ذاته.
هوميروس ياسنايا بوليانا
طوال مسيرته الطويلة والمثمرة، لم يكلّ توماس مان من الرجوع إلى تولستوي، مُحللاً تجربته الفنية، مُستمداً منها الدعم الإبداعي، ومُقارناً ممارساته الكتابية بها. وقد شكّلت قوة تولستوي الملحمية بحد ذاتها مثالاً مُلهماً له في أعماله الاجتماعية والفلسفية: «بودنبروك» 1901، «الجبل السحري» 1924، «يوسف وإخوته» 1933-1948 و«دكتور فاوستوس» 1947.
وصف توماس مان الأدب الروسي بأنه «مقدس»، وكان شغفه بتولستوي عاطفياً وعميقاً. ففي مقالته «مختارات روسية،» وصفه بـ«هوميروس ياسنايا بوليانا»، معترفاً بعظمته السردية والأخلاقية معاً. في إحدى رسائله إلى شقيقه الكاتب المعروف هاينريش مان كتب: «إن فلسفتي التولستويّة، تجعلني أرى شيئاً من اللؤم في القافية والإيقاع »، في إشارة إلى تفضيله للفنّ النثري الذي يحمل جوهراً أخلاقياً عميقاً على حساب الزخرفة الشكلية. وقد تجسّدت «الفلسفة التولستويّة» عند توماس مان في إعلاء القيم الأخلاقية داخل العمل الفنّي، حيث رأى في تولستوي مثالًا نادراً على الكاتب القادر على أن يشحن أدبه بطاقة تطهيرية سامية، تجعل من الرواية تجربة إنسانية تتجاوز الجمال الشكلي نحو المعنى الأخلاقي المتسامي.
عبّر توماس مان عن رؤيته لتولستوي في عدد من المقالات، أبرزها مقالة بعنوان «تولستوي» كتبها عام 1928 لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الكاتب الروسي، وأصبحت حدثاً ثقافياً ذا طابع عالمي. أعاد توماس مان التأكيد على فكرته المحورية، مشدداً على السمات الجوهرية في شخصية تولستوي الإبداعية: حيويته المتدفقة، طاقته الخلّاقة، وشموليته الملحمية. كما جدّد المقارنة الراسخة بين تولستوي وهوميروس، وهي مقارنة كثيراً ما تداولها النقد الأدبي. ومن اللافت أن تولستوي كان قد تعلّم اليونانية القديمة خصيصاً ليقرأ «الإلياذة» بلغتها الأصلية، أثناء كتابته «الحرب والسلام».
كتب توماس مان: «لعلّ العالم لم يعرف فناناً آخر جسّد المبدأ الملحمي الهوميري الخالد بقوة ما جسّده تولستوي. ففي أعماله، يتجلى عنصر الملحمة، ورتابة إيقاعها المهيب، الذي يشبه نَفَس البحر المُنتظم، ونضارتها الواسعة والقويّة، وصحتها الدائمة، وواقعيتها التي لا تُقهر. وبطبيعة الحال، سنُدرك دائماً أن الصحة والواقعية شيء واحد، يُجسّدان عالم المرونة، والبساطة الروحية، والنبل الفطري – عالم «الإنسان الطبيعي». من السهل أن نرى أن توماس مان وجد كلماتٍ دقيقةً للتعبير عن جوهر أعمال تولستوي.
رؤيتان للحياة والفن
عُرف ليف تولستوي بواقعيته العميقة واستخدامه لمنهج تيار الوعي في سرد تجاربه الأخلاقية والفلسفية. تغوص أعماله في أعماق النفس البشرية، وتتناول قضايا محورية في المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، كالحرب والحب والزواج والموت. في المقابل، انشغل توماس مان بتصوير تعقيدات الحياة العصرية، واهتم اهتماماً خاصاً بمكانة الفنان في العالم الحديث، والعلاقة المتشابكة بين الفرد والمجتمع، والقيم الروحية والتغيرات السياسية والاجتماعية. وطوّر بدوره أسلوبا فنياً جاداً يتميز بالسخرية الرصينة، ويمزج بين التأملات الشخصية والأسئلة الفلسفية والرؤى السياسية. على غرار تولستوي، دمج توماس مان عناصر سيرته الذاتية في العديد من أعماله، مجسداً صراعاته الداخلية وانشغالات عصره، إلا أن مساراتهما الفكرية تباعدت لاحقاً: فبينما رفض تولستوي، في أواخر حياته، جوانب واسعة من الثقافة الغربية الحديثة، اختار توماس مان تبني تعقيداتها وغموضها، وتحليلها بعين المفكر النقدي، دون أن يتخلى أبداً عن إيمانه بقدرة الفن على فهم العالم وتغييره. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في أسلوبه السردي، حيث ينبع سحر العلاقات في نثره من تقنية فريدة في تركيب الاقتباسات.
مثال بارز على ذلك نقله شبه الحرفي لمقالة «التيفوئيد» من قاموس ماير لوصف المرض القاتل الذي أصاب الفتى هانو في بودنبروك. إذ دمجت هذه الاقتباسات في نسيج السرد بمهارة تجعل من الصعب تمييزها. وقد اطلق مان لاحقاً على هذه التقنية اسم «النسخ الرفيع»، واكتسبت أهمية خاصة في عصر ما يُسمى بـ«ما بعد الحداثة». ومن خلال هذه الطريقة، سخر توماس مان ببراعة من ميل الحداثيين إلى دحض الحقائق المسلم بها، تاركاً الآراء المعارضة معلّقة في فراغ من الغموض، كاشفاً عن هشاشة القناعات الشخصية، بل الأنانية، في مواجهة تعقيدات العصر الحديث.
كاتب عراقي