رغم تقديرنا العميق لكثير ممن قدموا شيئا للوطن، لكن لا نتوقع من أحد أن يقبض ثمنا فوريا لذلك. فمسيرتهم النضالية ومكانتهم المرجعية الإستشارية بحكم تجاربهم ستحفظ كرصيد لإسداء النصح والإرشاد في رسم أفق ليبيا المستقبلي. ولكن حفاظا علي النزاهة وعدم التحيز والإنفعالات النفسية أرى من وجهة نظري الخاصة ما يلي: يجب إعفاء الأطراف التالية من المشاركة في الحكومة الليبية الجديدة المرتقبة بشكل مباشر خصوصا في المهام التنفيذية: أزلام القذافي والعاملين معه السابقين من الصف الأول حتى الصف الثاني ممن كانوا يتولون مهام قيادية سواء مهام تنفيذية كالوزارات والمؤسسات والشركات أو في السلك الدبلوماسي والتشريعي والأمني والعسكري . وكذلك كل من تلطخت آياديهم بدماء الشعب الليبي أو تورطت ذممهم بقضايا مالية وفساد. لماذا؟ لأن هؤلاء سيكون لديهم نزعة للعودة بنا إلى ما قبل 17 فبراير لأنهم فقدوا مراكز وتسلط، وفي أحسن الأحوال سيكون لديهم تأثر متراكم بالحقبة الماضية في عقلياتهم وطرق تفكيرهم وقراراتهم وتزلفاتهم بفعل العدوى. الفئة الأخرى التي يجب إعفاؤها من الحكومة القادمة، رجالات الحكم في الفترة الملكية: نظرا لتقدم العمر بهم الآن، ولأنهم قد أخذوا حصتهم في الحكم، وسيكون لهم حنين للماضي المختلفة ظروفه وتفكيره عن ظروف ومتطلبات وتفكير الليبيين اليوم. أيضا المعارضين الذين كانوا بالخارج: لأنه قد تكون لدى بعضهم ثأرت شخصية. والسجناء السياسيين السابقين: لأنه ستكون لديهم عقد. وذوي الجنسيات المزدوجة حتى وإن تنازلوا عنها لأنهم سيكونون محل ريبة وشكوك بين الشعب طيلة إضطلاعهم بالمسؤولية إلى جانب إمكانية الإنفلات المحاسبي بسبب الإنتماء للبلد الثاني. كما يجب ألا تتضمن الحكومة الجديدة أي عنصر من عناصر المؤتمر الإنتقالي السابق ولا أي وزير أو وكيل وزارة شارك في الحكومة الإنتقالية وذلك للفشل الذريع المخيب للآمال والتبريرات الهلامية ولإرساء روح التداول السلمي للسلطة والتخلص من عقدة تكرار المناصب وإستبدال الأمكنة. كما يجب أن يستثني من حكم البلاد أصحاب المليشيات المسلحة لأن حمل السلاح آفة الديمقراطية، وأصحاب التوجهات الدينية بكافة إتجاهاتها لأنهم سينقلون ليبيا إلى العصور الوسطى وإلي حلبة للصراع لا قرار لها. أيضا بعد إنتهاء ولاية المؤتمر الوطني العام الحالي بعد 18 شهر من الآن يجب ألا يكون البرلمان القادم مكباً لجبر الخواطر العاطفية أو بازاراً لقبض أثمان المواقف العابرة ولا مجرد سوق عكاظ للإستعراض التلاسني .لذا فحجة ( لم تترك أحد ) المتداولة بإستهزاء، تحتاج إعادة تفكير وتمعن وإستفتاء وإن شئت إستبيان. فكل هذه الشرائح المذكورة أعلاه هي ليست كل الشعب الليبي ولا تمثل نسبة كبيرة تذكر منه. وحتى لا يفهم من ذلك علي أنه إقصاء أو خلق أقلية، ينبغي وضع منظومة آمان إجتماعي لمعظم هذه الشرائح (بإستثناء زبانية القذافي من ذوي السوابق المشار إليها) لإحتوائها والإستفادة من بعض خبراتها في بعض الجوانب في بيوت خبرة تكون موضعا للثقة والتقدير وللتحكيم أوقات الأزمات والصراع والحفاظ علي التوازنات، لكنها لا يجب أن تشارك مباشرة في حكم ليبيا تحقيقا لمبدأ عدم التحيز. وفي رأيي أنا أن في إبعادهم عن سدة الحكم المباشر فيه حفظا لكرامتهم ومكانتهم النضالية من مهاترات الصراع السياسي الذي قد لا يرحم. المقصود ليست حكومة Made in China فهذه الشروط ليست مستحيلة بل ترقى إلى مكانة ومنزلة الوطن في نفوس الليبيين وما عاناه هذا الوطن من مآسي طيلة 42 عاما من الحكم القهري المتعجرف أثناء سنوات حكم القذافي القاحلة وذلك كان بسبب التسيب وعدم المبالاة والسلبية المفرطة. فليبيا ولاّدة زاهرة مليئة بأبنائها في المدن والقرى والنجوع وفي الجامعات والمصانع وفي المستشفيات وفي المزارع والمدارس، يعرفون ما تعنيه شكوى المواطن ويدركون ماذا يعني خروجه للشارع. لذا يجب أن يحكم ليبيا الوطنيين من الليبيين المخلصين من أهل هذا البلد، الذين كابدوا الآم الليبيين وعاشوها وعاصروها لحظة بلحظة وذاقوا ويلاتها عن قرب وليس عبر أثير المحيط أحياناً. محمد يونس الدرسي