لندن ـ «القدس العربي»: في منتصف أسبوع عيد الحب الأخير، تصدر الشاب الإسباني غونزالو غارسيا، عناوين الصحف والمواقع الرياضية، بعد هدفه الحاسم الذي سجله في مباراة ريال مدريد ضد ليغانيس، التي انتهت بفوز فريقه بثلاثية مقابل اثنين في دور الثمانية لكأس ملك إسبانيا، بعدها اقتصر ظهوره على 87 دقيقة لعب مع الفريق الأول على مدار الموسم المنقضي، قبل أن تأتيه فرصة العمر ليعبر عن نفسه بالطريقة التي يريدها لنفسه، بتقديم أفضل ما لديه في فترة غياب المهاجم الأول كيليان مبابي، بداعي الأزمة الصحية التي عانى منها في بداية مشوار النادي الملكي في منافسات نهائيات كأس العالم للأندية في الولايات المتحدة الأمريكية، تاركا مستواه وتأثيره على نتائج الفريق يتحدثان عن نفسهما، باعتباره اللاعب الوحيد الذي تمكن من التسجيل أو صناعة الأهداف في كل مباريات الفريق في البطولة، باستثناء ما حدث في ليلة السقوط المروع أمام باريس سان جيرمان برباعية نظيفة في الدور نصف النهائي، والمفارقة أن فاعلية صاحب الـ21 عاما، اختفت تماما بعد إجباره على اللعب في مركز الجناح الأيمن المهاجم، وذلك من أجل عيون الميغا ستار كيليان مبابي، الذي بدوره لم يبذل المجهود الكافي لتطبيق أفكار المدرب على أرض الملعب، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لإثارة الجدل والقيل والقال حول مستقبل وشكل الهجوم المدريدي، إذا لم يكافح النجم الفرنسي من أجل تنفيذ تعليمات المدرب الجديد بالشكل المطلوب، كما كان يفعل غونزالو غارسيا في وقت غياب صاحب القميص رقم (9)، وسط حالة من الإجماع في وسائل الإعلام و«السوشيال ميديا»، على أن مفاجأة الريال في المونديال سيكون له دور محوري في مشروع ألونسو في المرحلة القادمة، بصرف النظر عن تألق مبابي وشريكه المتذبذب فينيسيوس جونيور، وهذا سيساهم بالتبعية في إعادة هيكلة الهجوم الأبيض كما سنستعرض معا في هذا التقرير.
حل كورتوا
بعد الهزيمة النكراء أمام آرسنال بنتيجة 1-5 في مجموع مباراتي الذهاب والعودة للدور ربع النهائي في دوري أبطال أوروبا، أصر حامي عرين الفريق أن الأزمة لا تكمن في تهور المدافع أسينسيو، ولا في عدم توازن خط الوسط ولا غياب إبداعات رودريغو غوس في مثل هذه المباريات، بل في افتقار الفريق لخدمات نوعية المهاجم الجلاد القادر على التعامل مع العرضيات التي كانت ترسل من الجانبين من دون أن تجد من يتابعها داخل مربع العمليات، قائلا بالنص: «نمرر الكثير من العرضيات، لكن هذا العام ليس لدينا خوسيلو، أحيانا يجب أن نلقي باللوم على أنفسنا، أشعر أن علينا اللعب بروح جماعية أكثر وليس بشكل فردي»، وبعد ثلاثة أشهر، يبدو وكأن ألونسو قد وجد الحل من خلال غونزالو غارسيا، الذي ترعرع في داخل أكاديمية النادي، وكان في الموعد عندما احتاجه الفريق الأول لتعويض غياب مبابي، أو بلغة كرة القدم، نجح في اغتنام فرصته النادرة، بتقديم أوراق اعتماده على حساب من هم أكثر منه خبرة وممارسة مع الفريق الأول، راسما نفسه بنسخة المهاجم الصندوق رقم (9)، الذي ترتكز عليه أفكار المدرب ألونسو، منذ أن كان مدربا لليفركوزن الألماني، كواحد من أصحاب المدرسة التي تميل إلى فكرة الرهان على مهاجم قناص داخل منطقة الجزاء، وفي نفس الوقت لا يتوقف عن الركض عندما يُطلب منه الضغط على أول مدافع، ما يعني بشكل أو آخر، أن المدرب الأربعيني يبحث عن لاعب يتمتع بحضور قوي وأيضا بإمكانه إزعاج المدافعين والتسجيل من أنصاف الفرص، وكما هو شائع ومعروف في عالم كرة القدم، هذه النوعية النادرة من اللاعبين، عادة ما تُكلف الخزائن ملايين الدولارات، لكن الفتى الملقب بـ«راؤول غونزاليز» الجديد، سرعان ما أثبت في أول 5 مباريات في المونديال، أنه يملك كل المواصفات اللازمة والتي يحتاجها المدرب للنجاح في هذا الدور.
أرقام وتضحيات
بالنظر إلى سجل غارسيا في كأس العالم للأندية، سنجد أنه بادر بقص شريط أهداف الفريق أمام الهلال السعودي، وبعدها ساهم في التسجيل أمام باتشوكا المكسيكي، ثم لم يتوقف عن التسجيل أمام سالزبورغ النمساوي، ويوفنتوس الايطالي وبوروسيا دورتموند الألماني، فقط كما أشرنا أعلاه، تعطلت الماكينة التهديفية مع عودة مبابي إلى مركز المهاجم المحوري على حساب غونزالو أمام «بي إس جي»، وهذا ما ساهم في ارتفاع أسهمه على حساب مهاجمين آخرين أكثر منه شهرة، مثل البرازيلي إندريك، الذي عانى من إصابة عضلية في نهاية الموسم، ومواطنه المترنح رودريغو غوس، المحتمل رحيله عن صفوف الفريق قبل إغلاق الميركاتو الصيفي، وبطبيعة الحال، إذا حافظ ابن الأكاديمية على حالة التوهج التي كان عليها في المونديال، بالجمع بين التضحيات البدنية التي يريدها المدرب وبين تنفيذ دوره الرئيسي أمام شباك المنافسين، سيكون من الصعب إبعاده عن التشكيل الأساسي أو على أقل تقدير من حسابات ألونسو هذا الموسم، وهذا استنادا إلى ما نقله موقع «Goal» العالمي على لسان المدرب الإسباني، بأن الأولوية ستكون دائما للاعب الأكثر التزامنا وانضباطا سواء في التدريبات الجماعية أو المباريات، ولو أن من شاهد جُل مباريات اللوس بلانكوس في نهاية حقبة المدرب السابق كارلو أنشيلوتي، يعرف جيدا أن الفريق كان ولا يزال يعاني من عدوى «الهبوط الجماعي» في مستوى أصحاب المواهب القادرة على صنع الفارق في الأوقات الحاسمة، إما لمعاناة البعض من مشاكل الإجهاد لتلاحم آخر موسمين، وإما لتأخر انسجام الدماء الجديد مع القدامى، كما وضح في تراجع مستوى جود بيلينغهام في الموسم الثاني، مقارنة بالحالة الرائعة التي كان عليها في الموسم الأول، وكذلك الأمر بالنسبة لثنائية مبابي وفينيسوس وأحيانا الثلاثية عندما كان المدرب يقامر برودريغو كمهاجم ثالث، وهذا يعني أنه من الصعب على المدرب تغيير هذه الثقافة في ليلة وضحاها، لكن وجود دماء جديدة بنفس شغف وجوع غارسيا، قد تساعد في تحريك المياه الراكدة في الهجوم المرصع بالجواهر الثمينة بالاسم.
الثقة والمصلحة
«لم تكن لدي أي شكوك بشأن غونزالو، ما يفعله ليس مفاجئا. لقد فعل ذلك مرات عديدة في كاستيا. إنه اللاعب النموذجي في مركز المهاجم رقم (9)، الذي يعرف كيف ينتظر فرصته، ويتحرك ببراعة. أنا سعيد جدا من أجله»، بهذه الكلمات التي تنبض بالثقة والإعجاب، أثنى مدرب الريال على الدور الكبير الذي لعبه غارسيا في الفوز الشاق الذي تحقق على يوفنتوس، استكمالا للإضافة الكبيرة التي يعطيها للفريق منذ بداية المونديال وحتى الإقصاء الدرامي أمام بطل أوروبا، لذا يرى بعض النقاد والمتابعين، أن تألق ابن النادي في هذا المركز الحساس، قد يكون جزءا من خطط ألونسو التكتيكية، التي تتماشى مع نهج الريال في السنوات الثلاث الماضية، بالاعتماد على مهاجم يعرف جيدا كيف يخلق المساحات لفيني في الثلث الأخير من الملعب، تماما كما كان يبدع كريم بنزيمة بشكل غريزي في القيام بهذا الدور قبل ذهابه إلى اتحاد جدة السعودي، وبدرجة أقل فعلها جود بيلينغهام في الموسم قبل الماضي، بيد أن الصدمة الحقيقية كانت في فشل واخفاق مبابي في القيام بنفس الدور، ليتحول إلى جزء من معاناة السهم البرازيلي في الموسم الماضي، مقارنة بالنسخة المخيفة التي كان يبدو عليها في أول 3 مواسم تحت قيادة أنشيلوتي في ولايته الثانية. وبالنسبة لغارسيا، فقد أثبتت التجارب أنه يدرك ذلك، وهذا الأمر كان واضحا في هدف فيني الافتتاحي أمام سالزبورغ، حيث بركض الشاب الإسباني في العمق، ليسهل تمريرة بيلينغهام المفتاحية للدولي البرازيلي لكي يطلق سهامه في شباك الفريق النمساوي، وهذا هي المواقف التي كان يفتقرها فينيسيوس في وجود مبابي، بالرغم من أنها المواقف التي تظهر قوته الحقيقية، كلاعب يصعب الوقوف أمامه في موقف لاعب ضد لاعب أو اثنين في المساحات الشاغرة في الثلث الأخير من الملعب.
لكن سرعان ما عادت نسخته الباهتة مع تعافي مبابي من الإصابة وعودته للمشاركة كبديل أمام يوفنتوس وبوروسيا دورتموند، قبل أن تكتمل بمشاركته أساسيا أمام باريس سان جيرمان، والتي أثبتت بما لا يدع أي مجال للشك، أن هجوم الميرينغي يكون أفضل في وجود فيني وغارسيا على حساب مبابي، إلا إذا نجح المدرب مع الوقت في إعادة ضبط مبابي، منها ليستعيد أفضل مستوياته على الإطلاق، ومنها أيضا ليقوم بالدور الذي جاء من أجله إلى «سانتياغو بيرنابيو»، بمحاكاة دور كريستيانو رونالدو في سنوات ذروته بالقميص الأبيض، أما غير ذلك، فسوف يضطر المدرب لرفع شعار «بيدي لا بيد عمرو»، من أجل مصلحة المنظومة الجماعية، والتي تقتضي بضرورة الرهان على مفاجأة المونديال في مركزه المفضل. وفي كل الأحوال، ستكون هناك ضحية أو اثنتين لتألق غارسيا في المونديال، أوفرهم حظا للتراجع في ترتيب المهاجمين أو الخروج من النادي هذا الصيف إندريك ورودريغو غوس، فيما ستكون ضربة مزدوجة لمجلس الإدارة، منها ستوفر ملايين طائلة من أجل التوقيع مع مهاجم يتماشى مع أفكار وإستراتيجية المدرب، ومنها أيضا ستنتعش الخزينة بعشرات الملايين نظير الاستغناء عن واحد من الثنائي البرازيلي، في أحدث عملية لإعادة هيكلة هجوم الفريق في المرحلة القادمة.