أثار فيلم أف 1 F 1 The Movie ضجة كبيرة حتى قبل أن يعرض في دور العرض، بسبب الدعاية العملاقة التي بدأت منذ أشهر ومن الناحية العملية منذ سنوات. واعتمد الفيلم على طاقم ذي خبرة واسعة في أفلام الإثارة العنيفة. ولكن الفيلم قدم أيضا أحد أشهر ممثلي السينما الأمريكية، ألا وهو براد بت.
أحداث الفيلم
تدور أحداث الفيلم حول مالك أحد فرق الفورميولا واحد Formula 1 حيث يشعر «روبن سرفانتس» (الممثل خافير باردم) بأن نهاية فريقه قد اقتربت بسبب عدم الفوز بأي سباق مؤخرا، وترك السائق الأبرز الفريق ليعمل لدى فريق آخر. ولإنقاذ الموقف اليائس، يلجأ المالك إلى «سوني هَيز» (براد بت) الذي كان صديقا قديما له وسائقا شهيرا. وكان هذا الصديق قد تعرض لحادث مريع أثناء سباق (الفورميولا واحد) قبل ثلاثين عاما، ما جعله يقضي فترة في المستشفى، ويترك هذه الرياضة ليعمل في عدة مهن مختلفة، ولكنه يشارك في السباقات السهلة أحيانا لكسب بعض النقود. ومع ذلك، يؤمن صاحب الفريق بأن صديقه سوني ذا قابلية سحرية وبأنه ملاذه الوحيد، وبعد إلحاح منه يوافق سوني وينضم إلى الفريق وسط دهشة الجميع، بسبب كبر سنه حيث كان في أوائل الخمسينيات من العمر. وكان أكثر المعترضين، السائق الثاني في الفريق الذي تميز بتعجرفه وغروره.
يجرب سوني السيارة في تمرين أولي ثم يجرب حظه في أحد السباقات، وكانت المفاجأة أنه لم يعرف كيف يشغل السيارة، مثيرا استياء الجميع. ولكن سوني لا يخيب أمل أحد، إذ سرعان ما يبدأ أداؤه بالتحسن، على الرغم من حادث أصطدام خطير له مع سيارة السائق الثاني للفريق، ما تسبب في إرساله إلى المستشفى، ولكن أدارة الفريق استطاعت سريعا العثور على من يحل محله. يطلب سوني من المديرة الفنية للفريق القيام بتغييرات على تصميم السيارة لتحسينها، فتقوم بذلك بنجاح. وتتطور علاقة سوني بتلك المديرة، حتى تتحول إلى علاقة غرامية. ولكن المشاكل تظهر حيث يكتشف صاحب الفريق أن سوني كان قد أصيب إصابات بالغة في حادثه القديم، ما يجعل أي حادث جديد يشكل خطرا عليه، كما تعترض إدارة الفورميولا واحد على التغييرات الجديدة التي أجريت على السيارة، على الرغم من أنها سبق أن وافقت على التصاميم، حيث أستلمت وثائق خاصة بالفريق تدل على أن التغييرات لم تكن كالتصاميم. ويكتشف سوني أن أحد شركاء صاحب الفريق كان وراء إرسال تلك الوثائق بعد أن أجرى تزويرا فيها كي يجبر الفريق على الخسارة، وبالتالي بيعه وتأسيس فريق جديد، ويحاول رشوة سوني الذي يرفض العرض. ولكن إدارة الفورميولا واحد توافق على التغييرات التي أجريت على السيارة ويفوز سوني في السباق أخيرا، على الرغم من مشاكله الصحية منقذا الفريق، مما ينهي آمال ذلك الشريك المحتال، وتنتهي مشاكل الفريق كليا. ويترك سوني الفريق ليصبح زميله السائق الرئيسي فيه، ويعود إلى ممارسة هواياته في الدخول في أنواع أخرى من سباقات السيارات، بغض النظر عن مردودها المالي. وينتهي الفيلم هنا.

تحليل الفيلم
كان على القائمين على الفيلم اختيار عنوان أجمل وأكثر عمقا، عوضا عن هذا العنوان الذي اعتبره الجميع دعاية تجارية لشركة سباقات الفورميولا واحد. وظهر الفيلم وكأنه فيلم لرعاة البقر (الكاوبوي) في ميدان لسباق السيارات، مع وجود البطل المغوار براد بت. ولا شك أن الفيلم ممتع، لاسيما لهواة أفلام الإثارة، فقد كان إخراج مشاهد السباق والعنف المصاحب له بسبب تصادم السيارات ممتازا، ولم تكن الموسيقى أقل جودة من الإخراج. ومما هو جدير بالذكر أن شركة الفورميولا واحد قدمت مساعدات كبيرة لمخرج الفيلم، على شكل أفلام سباقات وحوادث حقيقية واستشارات فنية، كما ظهر بطل العالم في سباق السيارات لويس هاملتن في لقطتين في الفيلم. ولكن جوانب الفيلم الأخرى كانت بحاجة ماسة لتحسينات جذرية، فالقصة ضعيفة جدا وغير واقعية، إذ من المستحيل أن يطلب فريق لفورميولا واحد من سائق في بداية الخمسينيات من عمره، ولم يتسابق في هذه السباقات بالذات لمدة ثلاثين عاما الانضمام إلى الفريق، فما بالك لإنقاذه. وعلى سبيل المثال أكبر متسابق لفورميولا واحد الآن لا يتجاوز سنه الثلاثة والأربعين، ولم يترك الفورميولا واحد أبدا. ومما يزيد الطين بلة كونه غير مؤهل صحيا لذلك. ولكن هذا الضعف في الحبكة يعطي الانطباع بأن سببها هو تعليل وجود براد بت وهو في بداية الستينيات من عمره. وبالتالي، فإن قصة الفيلم تم تغييرها من أجل الممثل الرئيسي. ويمثل هذا نقطة ضعف كبيرة في الفيلم لأنه من المفروض أن يتماشى الممثل مع قصة الفيلم، وليس العكس.
كانت من مشاكل الفيلم سوء أداء ممثليه الرئيسيين، فبراد بت كان يتصرف وكأن وجوده في الفيلم كافيا، فلا داعي لمحاولة إتقان الأداء. ومحاولته للظهور وكأنه البطل المغوار الذي يتجاوز كل التحديات بسهولة ودون حتى أن يفسد تسريحة شعره، كما أنه فشل في إعطاء الدور الحرارة والتوتر والجدية اللازمة، حتى عندما اكتشف احتيال شريك صاحب الفريق، فإنه كان يضحك بينما شيء من هذا النوع كان كفيلا باندلاع مشكلة قانونية كبيرة. ويقع اللوم هنا أيضا على المخرج، فواجبه تصحيح أداء الممثل، إلا أن براد بت كان على ما يبدو فوق التصحيح، لاسيما أنه كان أحد منتجي الفيلم. وعلى الرغم من صبغ براد بت شعره بشكل واضح، فقد كان واضحا أنه ليس في أوائل الخمسينيات، بل في الستينيات، كما كان عليه فقدان بعض الوزن، حيث بدا بدينا بعض الشيء، ولم تنفع المحاولات اليائسة لجعل مظهره يبدو وكأنه في أوائل الخمسينيات من عمره. وكان انجذاب المديرة الفنية له غير مقنع، إذ كان الكثير من الرجال أكثر جاذبية وشبابا منه. أما خافيير باردم، فكان غير مقنع، وكان أداؤه ضعيفا، ومما زاد الأمر سوءا سخافة الحوار بين الممثلين، وكأن كاتب النص لم يقض أكثر من نصف ساعة في كتابته بأكمله. ولذلك كان من الواضح أن جل اهتمام القائمين على الفيلم كان مشاهد السيارات في السباقات والمبالغة في عنفها، حتى إذا وقعت أخطاء كبيرة، فمثلا كان من الواضح أن السيارة المحترقة للسائق الثاني لم تكن تلك التي يُنقَذ منها السائق من قبل البطل المغوار سوني (براد بت). وفي نهاية المطاف كان البطل الحقيقي في هذا الفيلم السيارات في السباق، وليس الممثلين. ويذكرنا هذا بفيلم «السلاح الأقصى مافريك»Top Gun Mavrick، الذي اشترك مع فيلم «أف1» في المنتج والمخرج ومؤلف الموسيقى، حيث كان بطل الفيلم الطائرات المحلقة والمعدات العسكرية، وليس الممثل توم كروز. ويعد هذا قاسما مشتركا في هذا النوع من الأفلام، فالذين ذهبوا إلى دور العرض لمشاهدة أفلام حول غرق السفينة تيتانيك كانوا في الواقع منجذبين إلى السفينة وغرقها، وليس إلى الممثلين. ولهذا السبب، فإن هذه الأفلام في الواقع نوع من أفلام الرسوم المتحركة أو ألعاب الفيديو.

ادعت بعض المصادر أن تكاليف إنتاج هذا الفيلم كانت ثلاثمئة مليون دولار، ما جعله أحد أكثر الأفلام تكلفة في تاريخ صناعة السينما العالمية. ولكن هذا ليس مشكلة، فإن الفيلم تلقى أربعين مليون دولار من الشركات التي ظهرت فيه، بالإضافة إلى ذلك حصد الفيلم مئة وأربعة وأربعين مليون دولار من أول يومين لعرضه، وكانا يومي عطلة نهاية الأسبوع. وبسبب شهرة الفورميولا واحد خارج الولايات المتحدة، حصل الفيلم على أرباح أكثر في عروضه الخارجية. وبلغت ميزانية الدعاية أكثر من خمسين مليون دولار، بل إنها ربما كانت مئة وسبعة وخمسين مليون دولار، حسب بعض المصادر. وقد ظهر الكثير من المقالات على شكل مقالات ثقافية، واصفة الفيلم بأجمل الأوصاف في مختلف وسائل الإعلام، وحتى أكثرها احتراما بينما كانت في الحقيقة دعاية واضحة له.
فورميولا واحد
فورميولا واحد في الحقيقة شركة تدير مجموعة السباقات المعروفة باسمها، وتعد الأصعب والأشهر بين سباقات السيارات في العالم باستثناء الولايات المتحدة، حيث تتفوق عليها سباقات الناسكار شهرة. وتشترك فيها عشرة فرق، حيث يمثل كل منها اثنين من أفضل سائقي السيارات في العالم. ويعامل الإعلام العالمي هؤلاء السائقين مثل نجوم السينما. ويتكون كل فريق من عدد كبير من المختصين، الذين يصممون كل جزء من السيارة، حسب قواعد إدارة الفورميولا واحد. وظهرت الشركات المتخصصة في تزويد هذه الصناعة بالذات بكل ما تحتاجه من معدات بالغة الدقة. وأشهر دولة في هذا المجال إنكلترا، حيث تقع مراكز ستة من الفرق فيها. زادت شعبية سباقات الفورميولا واحد في السنوات الأخيرة، حيث قامت الشركة المالكة بإنتاج سلسلة من الأفلام الوثائقية باسم «قُد لتحيا» Drive to Survive عام 2019 عن الحياة في سباقات الفورميولا واحد، ونالت نجاحا كبيرا، حيث حصدت مئتين وتسعين مليون دولار خلال أربع سنوات، وأدت هذه السلسلة إلى زيادة كبيرة في شعبية الفورميولا واحد، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تتجاوز شعبية سباقات الناسكار هناك قريبا. ولجذب النساء لمشاهدة هذه الرياضة، قامت إدارة الفورميولا واحد بإنتاج سلسلة أف 1: الأكاديمية F1: The Academy. وكان كل هذا خير دعاية لفيلم أف 1 الذي يعد في الواقع تكملة لها.
سباق السيارات في السينما
لم يكن فيلم «أف 1» الأول حول سباق السيارات، فهنالك المئات منها. وقد يكون أولها فيلم للممثل تشارلي تشابلن عرض عام 1914. وأما أشهرها في الماضي القريب فكان سلسلة أفلام السريع والغاضب Fast & Furious (عشرة أفلام) وسلسلة سيارات Car (ثلاثة أفلام) وسلسلة هربيHerbie . وهنالك أيضا أفلام شهيرة أخرى مثل سيناSenna (2010) واندفاع Rush (2013) وفورد ضد فيراري Ford v Ferrari (2019). ومن الجدير بالذكر أن براد بت، لم يكن أول نجم سينمائي كبير يظهر في فيلم عن سباق السيارات، حيث سبقه جيمس غارنر في فيلم «غراندبري» (1966) وبول نيومان في فيلم «فوز» (1969) وستيف مكوين في فيلم «لمان» (1971) وكان هؤلاء النجوم الثلاثة من الهواة البارزين في سباقات السيارات على عكس براد بت.
المستقبل
من المستبعد أن يستمر نجاح الفيلم الكبير طويلا، فخلال الأيام القليلة المقبلة سيبدأ عرض أفلام جديدة ومشابهة له نوعا ما، ويتوقع الخبراء أن تنال نجاحا كبيرا مثل «سوبرمان» Superman و»العظماء الأربعة» The Fantastic Four وغيرهما. وجميع هذه الأفلام أجزاء لأفلام سابقة، وتعتمد على شخصيات غير واقعية، وحتى «أف 1» لأنه في الحقيقة جزء من المسلسلات الوثائقية المذكورة أعلاه، ما يدل على انحدار درجة الإبداع في صناعة السينما وعجزها عن تقديم الجديد في الفكر الإنساني. بدأ الحديث حول إنتاج الجزء الثاني لفيلم «أف 1» وتدعي بعض المصادر أنه سيضم توم كروز إلى جانب براد بت، ما سيجعل الفيلم أكثر شبها بفيلم «السلاح الأقصى مافريك». ولا نعلم كيف سيحدث ذلك، فكل من الممثلين غير معتاد أن يشترك معه نجم سينمائي كبير في بطولة فيلم.
باحث ومؤرخ من العراق