تونس – “القدس العربي”: دعا باحثون دوليون وخبراء في المجتمع المدني الولايات المتحدة الأمريكية إلى استبدال التحالفات الدائمة مع المؤسسات الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي بتحالفاتها المؤقتة مع الأنظمة الاستبدادية.
وعقد مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في واشنطن أخيرا مؤتمره الثالث والعشرين، بمشاركة عدد كبير من قادة الرأي والمجتمع المدني في العالم.
وخلص المشاركون إلى ضرورة “إعادة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية بشكل نقدي، مع إعطاء الأولوية للدعم طويل الأمد للمؤسسات الديمقراطية على التحالفات قصيرة الأمد مع الأنظمة الاستبدادية”.
كما دعوا، في بيان تلقت “القدس العربي” نسخة منه، المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة إلى تعزيز بنيتها التحتية المدنية والاستفادة من القيم الإسلامية لبناء حوكمة مستدامة وتعددية، معتبرين أن مكافحة الاستبداد تتطلب “مزيجًا من الإصلاح المؤسسي، والتعبئة الشعبية، والتضامن العابر للحدود الوطنية”.
وأكد رئيس المركز، الدكتور رضوان المصمودي، خطورة الأزمة التي يواجهها العالم العربي والإسلامي، حيث “يتم تصعيد الأنظمة الاستبدادية المتجذّرة، التي غالبًا ما تدعمها القوى الغربية أو تتغاضى عنها ضمنيًا، بالقمع وتفكك المؤسسات وخنق المعارضة”.
لكنه اعتبر، في المقابل، أن الديمقراطية والحرية راسختان في التراث الإسلامي، وتمثلان التطلعات الحقيقية للمجتمعات الإسلامية.
وشدد على ضرورة إعادة الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، محذرًا من أن غياب هذه الالتزامات لن يؤدي إلا إلى تعميق عدم الاستقرار والقمع.
كما دعا المصمودي إلى “بناء تحالفات واسعة لمقاومة الاستبداد وبناء أنظمة سياسية شاملة”. مؤكدا دور المؤتمر في “اكتشاف كيفية إسهام الأخلاق الإسلامية في إثراء الحكم الديمقراطي، ودراسة تأثير السياسات الأمريكية والغربية”.
وأشاد الباحث وائل الزيات بسعي الشعب السوري الدؤوب نحو الكرامة والإصلاح الديمقراطي، معتبرا أن سوريا نموذج يُحتذى به في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد أنه “بعد سنوات من القمع الممنهج الذي مارسه نظام الأسد، تُشير التحوّلات السياسية الأخيرة إلى نقطة تحوّل مُحتملة، تتطلب انخراطًا دوليًا مُتجددًا يُركّز على العدالة والمساءلة والشمول”.
فيما انتقد الزيات الاستجابة العالمية للصراع السوري ووصفها بأنها غير متسقة وغير كافية، لا سيما في فشلها في دعم المجتمع المدني والسعي إلى عدالة انتقالية حقيقية.
وشدد على أن المستقبل المستدام يجب أن يُعطي الأولوية لأصوات السوريين، أولئك الذين عانوا أكثر من غيرهم، والذين يواصلون الدعوة إلى التغيير من الداخل ومن المنفى.
وتناولت الباحثة سارة ليا ويتسن الأزمة العميقة للديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط على خلفية الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.
وأكدت أن “آفاق الحكم الديمقراطي في المنطقة تم تقويضها بشدة بسبب الأنظمة الاستبدادية، والتواطؤ الغربي، وانهيار المعايير القانونية الدولية”.
واعتبرت أن غزة أصبحت “كارثة إنسانية ومقبرة رمزية للقانون الدولي”، مؤكدة فشل الديمقراطيات الغربية في الحفاظ على قيمها المزعومة.
كما انتقدت ويتسن الولايات المتحدة بسبب “تمكينها الأنظمة القمعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال المساعدات العسكرية والغطاء السياسي والتحالفات الاستراتيجية، مُعطيةً الأولوية للنفط ومبيعات الأسلحة وإفلات إسرائيل من العقاب على حساب التنمية الديمقراطية”.
وأكدت أن “جهود الولايات المتحدة لتعزيز الديمقراطية كانت في معظمها تمثيلية، بينما رسّخت سياساتها الفعلية الاستبداد وقوّضت المجتمع المدني. وحذرت من أن هذا النفاق لم يؤدِّ فقط إلى دمار إقليمي، بل إلى تراجع ديمقراطي داخل الولايات المتحدة نفسها”.
فيما استعرض الباحث محمد الخليفي ما اعتبره “انتقال تونس من الديمقراطية الواعدة في الربيع العربي إلى حالة من التراجع الديمقراطي. فبعد اعتماد دستور تقدمي عام ٢٠١٤، أدى صعود الرئيس قيس سعيد إلى موجة من الاستبداد الشعبوي، مدفوعة بالإحباط الاقتصادي وخطاب الشرعية القانونية”.
وأكد الخليفي أن “تراجع المسار الديمقراطي في تونس يكشف عن هشاشة المؤسسات السياسية في ظل غياب الشمول الاقتصادي والثقافة المدنية القوية”.
وانتقد فكرة أن الإسلام يتعارض بطبيعته مع الديمقراطية، واصفًا إياها بـ”المغالطة الثقافية”، معتبرا أن تجربة تونس تعتبر مثالًا على كيفية استغلال المؤسسات الضعيفة تحت ستار الإصلاح.