يتوقف بعض الوقت ليجول ببصره داخل القاعة بحثا عن المترجم، وبمجرد أن يطمئن لوجوده في الطابق العلوي يبادره بالسؤال وسط دهشة الحاضرين وحيرتهم إن كان يستمع إليه أم لا.
تمر دقائق قليلة فيعود مجددا لاستفساره بصوت عال عما اذا كان بالفعل بصدد ترجمة كلامه. حركات الرئيس التونسي وتصرفاته داخل المعهد الأمريكي للسلام في اليوم الأول من زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة بدت عفوية وغريبة وشدت الكثير من التونسيين، فقد ظهر الباجي قائد السبسي، خلال تلك الجلسة مضطربا وغير قادر على الخطابة، وأثارت محاولاته المستميتة التحدث بانكليزية محشوة ببعض الكلمات الفرنسية شفقة البعض، وتندر الآخر. لكنه كان يعرف جيدا أنه جاء لأجل غاية محددة تهون أمامها الزلات، وهي التحدث إلى نخبة مختارة من الجمهور الأمريكي المقرب من دوائر صنع القرار. وحتى لا يضيع وقته ووقت مضيفيه فقد فضل الدخول مباشرة، ومن دون مقدمات في صلب الموضوع، واختار الانتقال بعد عبارات الترحيب التقليدية بالمنظمين إلى ما وصفه بالتنبيه إلى مسألة مهمة، وهي الفرق بين الإسلامي والمسلم. هل كان الحاضرون وهم من الجامعيين ورجال الفكر والسياسة يجهلون ذلك حقا، أو أن غاية ما في الامر هو ان السياسي التونسي المخضرم أراد البحث عن مدخل آمن ومضمون يكسب به عقول قادة الرأي الأمريكي المشغولة للآخر بالبحث عن تأثير الإسلام على شعوب المنطقة ومصيرها على المدى القريب والمتوسط؟
لقد همس لهم منذ البداية بأنه يعرف أهمية الجهة التي دعته، أي معهد السلام ثم انتقل بهم بعد ذلك للتذكير بالوعد الذي قطعه أمام الرئيس اوباما منذ أربع سنوات بمواصلة العمل لاجل ترسيخ الديمقراطية في تونس، ثم قبوله تسليم السلطة بعد انتخابات اكتوبر 2011 للأطراف التي اختارها الشعب و»كان أغلبها من الحزب الإسلامي»، مثلما قال بشكل متعمد لغرض المرور إلى التنبيه المقصود، وهو أن «الإسلاميين هم حركة سياسية بالاساس تستعمل الدين للوصول إلى الحكم، واحيانا تستخدم العنف ايضا لاجل تلك الغاية». اما المسلمون فهم «مثله ومثل أغلب التونسيين ينتمون لديانة منفتحة على باقي الديانات الاخرى».
لم يسترسل السبسي كثيرا بعد ذلك في شرح الفرق بين الاسلاميين والمسلمين، لكنه انتقل على الفور إلى الاستنتاج بأنه» لحسن حظ تونس أن الحزب الذي كان ينعت في السابق بالاسلامي، في اشارة إلى حركة النهضة، قد تحول إلى حزب سياسي بمرجعية دينية».
كيف وقع ذلك التحول ومن دفع وخطط لحصوله؟ يفضل الرئيس هنا ترك المهمة لفطنة وذكاء الحاضرين، ربما من باب التواضع وحتى لا يتهمه احد بأنه جاء إلى واشنطن من أجل تلميع صورته والحديث فقط عن انجازاته الشخصية. ولأجل أن يطمئن بال المضيفين وتقر أعينهم، يعلمهم بأن معظم التونسيين مسلمون منفتحون على باقي الاديان، وأن الوجود اليهودي بالبلد اقدم حتى من وجود اليهود في امريكا، ثم لا يغفل بالطبع عن الاشارة إلى نجاح السلطات الشهر الماضي في تأمين الزيارة السنوية لليهود إلى كنيس الغريبة بجزيرة جربة في الجنوب.
هل يكفي ذلك حتى تحوز تونس شهادة الاعتماد النهائي كديمقراطية مثالية تستحق دعم الغرب وإسناده المالي والاقتصادي؟ بالقطع لا فليس الامر بمثل تلك السهولة، وإلا لكانت تونس الآن مثل سنغافورة أو دبي أو ماليزيا وباقي شقيقاتها الآسيويات الصاعدات. وما جاء على لسان روني الطرابلسي، وهو رجل اعمال يهودي تونسي يملك نفوذا واسعا في قطاع السياحة، في تصريح أدلى به الشهر الماضي إلى صحيفة «الصباح» الاسبوعية المحلية، قد يلخص القصة، لقد قال روني ببساطة ومن دون لف ولا دوران إن «النجاح في المسار الانتقالي هو أمر جيد وانجاز، لكن النظام الديمقراطي لم يكن يوما مسألة حيوية يبحث عنها السائح، والدليل على ذلك وجود وجهات سياحية تلقى رواجا رغم رعايتها من قبل أنظمة مصنفة ديكتاتورية». لا يستحق الامر اذن مزيدا من الشرح، فالديمقراطية وكما قال روني بالفم المليان، لا تجلب السياح الآن ولن تجلبهم ايضا في المستقبل، فما الذي يجلب الغرب ويثير اهتمامه خارج الديمقراطية وبعيدا عنها؟ انها المصالح والمصالح وحدها. لأجل ذلك لم ينس السبسي التأكيد على ما وصفه بـ»الطابع الاستراتيجي» للعلاقة مع امريكا، وحتى لا يظل الأمر مجرد خطابات رومانسية جوفاء يأتي الدليل العملي على الارض بالتوقيع في مبنى وزارة الخارجية الامريكية على ما أطلق عليه «مذكرة تفاهم للتعاون طويل المدى بين تونس وامريكا». وهنا تفرض مقتضيات البروتوكول أن يوقع مسؤول آخر بدلا من الرئيس، بما أن الطرف المقابل هو جون كيري وزير الخارجية الامريكي. ولم يكن ذلك المسؤول سوى محسن مرزوق مستشاره السياسي، الذي صعد قبيل الزيارة بأيام إلى منصب الامين العام لحزب نداء تونس الحاكم. إنها على ما يبدو شروط الاستراتيجية. فلاجل عيونها تزاح كل العقبات الشكلية ويصبح المستشار قادرا، سواء رضي خبراء القانون، أم لم يرضوا على التوقيع على اتفاق رسمي بدلا من وزير الخارجية، الذي بقي في تونس ولم يرافق رئيسه أصلا في المهمة الاستراتيجية. أما التبرير المتداول لذلك الغياب فهو اهتمام معاليه بازمة المواطنين التونسيين المحتجزين بليبيا. فتحريرهم هو الغاية الاكثر الحاحا وتأكيدا الآن، اما الاستراتيجية والمستقبل القريب والبعيد فليس هناك من داع أو مبرر للقلق أو التخوف عليه، خصوصا بعد أن قدم مرزوق في تصريح لصحيفة «الشروق» المحلية حصيلة الزيارة، وأكد على أنها «تميزت بترحيب كبير بتونس ورئيسها، اذ حرر الرئيس اوباما مقالا مشتركا مع رئيس تونس كانت لغته ايجابية جدا. والتقت اهم شخصيات الحكم والسلطة التشريعية والمجتمع المدني الامريكي ورجال الاعمال بالرئيس… وتمكنت تونس من الحصول على صفة الحليف الرئيسي خارج حلف الناتو، ومضاعفة الدعم العسكري الامريكي لها. كما تم التوقيع على مذكرة تفاهم استراتيجية تؤطر لاتفاقيات ومعاهدات مهمة مقبلة، وساهم قرار امريكا بمنح ضمانات قروض بمبلغ خمسمئة مليون دولار من تعزيز وضعنا المالي…». ما الذي يطلبه أو يحلم به التونسيون اكثر من ذلك؟
البترول وباقي الثروات التي نهبتها الشركات الاجنبية وحلفاؤها المحليون طوال عقود طويلة، والتي لا احد يعلم حجمها ومقدارها، تثير حملة بدأت في اكتساح مواقع التواصل الاجتماعي وصارت تتمدد داخل البلاد بشكل آثار قلق بعض كبار رجال الاعمال، ولم يعد ممكنا للسلطات الاكتفاء بتجاهلها. لكن الطلب الذي يستند إلى الفصل الثالث عشر من الدستور الجديد، والذي ينص على أن «الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي تمارس الدولة السيادة عليها باسمه» لا تتبناه حتى الان جهة سياسية معلومة، وحتى حراك شعب المواطنين الذي اعلنه الرئيس السابق الدكتور المرزوقي، والذي يوجه اليه الاعلام المحلي اصابع الاتهام بالوقوف وراء الحملة، لم يصدر بيانات أو مواقف واضحة وعلنية عن الموضوع. هل هو بالفعل اذن مجرد اندفاع تلقائي لشباب متحمس على صفحات الفيسبوك وهل يملك المروجون للحملة تصورا للمرحلة الموالية وهي تحديد الاهداف النهائية من الحملة؟
إن صدقنا نتائج الانتخابات الاخيرة وموازين القوى التي افرزتها، فإننا سنرجح حتما كفة الموقف الرسمي الذي جاء على لسان وزير الصناعة والطاقة في مداخلة على إحدى الاذاعات الخاصة من أن «الحملة مبالغ فيها» رغم انه من حق المواطن التونسي معرفة حجم المعـــــاملات في مجال الطاقة على حد تعبيره.
اما إن اعتــــبرنا أن تلك النتائج لا تعكس بالضرورة واقعا شديد الاضطراب والتحرك، وانها انبنت فقط على مغالطات وعمليات توجيه مقصود للرأي العام فإننا سنصبح بالتاكيد امام مأزق آخر وهو قدرة التونسيين على الاختيار وعلى معرفة حاجاتهم بشكل حر ومستقل. وهنا سندرك أن الصورة تزداد بمرور الايام تشويشا وان معظم الناس غير قادرين على التمييز بفعل حالة الخلط المتعمد بين المتناقضات التي جعلتهم العوبة سهلة يحركها الاعلام في كل الاتجاهات.
والمفارقة العجيبة هنا أن معظم التونسيين فقدوا ثقتهم بذلك الاعلام ،ولاجل ذلك فهم يفسرون هجومه على حملة «اين البترول»على انه دليل اضافي على صدق الحملة وشرعيتها. والمصيبة الاعظم هي أن اللاعبين الكبار الذين يرقبون المسرحية من فوق لا يهتمون كثيرا إن كانت النار ستلتهم الممثلين في المشهد الاخير من الرواية، لأن ما يهمهم في النهاية امر واحد فقط وهو المصالح الاستراتيجية التي ذهب لاجلها الباجي لامريكا، والتي لا يقبلون أو يشعرون ابدا بان هناك تونسيين يحتاجون بالفعل لمعرفتها أو حشر انوفهم فيها لا اليوم ولا غدا.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية