المغنيات المغربيات والهوية البصرية: «الفيديو كليب» يتحول إلى مرآة للثقافة

ماجدة أيت لكتاوي
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة الغنائية المغربية موجة متجددة تقودها مجموعة من الفنانات الشابات، اللواتي اخترن العودة إلى الجذور، ليس فقط في الكلمات والألحان، بل في الصورة واللباس والفضاء والرسالة، كالمغنية خولة مجاهد، المعروفة فنيا باسم «جيلان»، ودعاء اليحياوي ومنال بنشليخة، وغيرهن ممن وجدن في الكليب الغنائي منصة لتكريس الانتماء والاعتزاز بالثقافة المغربية، في تجلياتها وروافدها المتنوعة.
في كليب «آوليدي»، تُطلّ جيلان وهي ترتدي قفطان النطع التقليدي إلى جانب قفاطين أخرى محاكة بعناية، محاطة بنساء يرتدين قفاطين بألوان ترابية وأخرى زاهية، في مشهد يعبق بالنوستالجيا العائلية. الأمر ذاته يتكرر في أعمال دعاء اليحياوي، التي اختارت القفطان المغربي كرمز للأصالة والقوة. أما منال بنشليخة، فمزجت بين اللباس المغربي والستايل العصري، مقدمة نموذجا حديثا للمرأة المغربية المرتبطة بجذورها والمنفتحة على العالم.
لم تعد مواقع التصوير مقتصرة على الاستوديوهات أو المدن العالمية، بل باتت المشاهد تُصوَّر في أحياء مغربية قديمة، وداخل رياضات (جمع رياض، منزل تقليدي فسيح ذو خصوصيات معمارية وجمالية متميزة) تعبق برائحة التاريخ، وتستعرض تفاصيل جمال المعمار المغربي الأصيل، وتحتفي بالزليج البلدي، مؤكدة تميز الحِرفيين المغاربة وتفرد إبداعاتهم.
كما باتت «الكليبات» تصوّر في قرى جبلية، ومدن رائعة الجمال كشفشاون الزرقاء ومدينة مراكش الحمراء وغابات طنجة ودروبها، حيث تأخذ الطبيعة والعمارة المغربية دور البطولة إلى جانب الفنانة، وتصبح الخلفية جزءا من الرسالة الفنية.
الموسيقى أيضا تخضع للتوجه نفسه، فالكثير من الأغاني أصبحت تمزج بين إيقاعات العيطة والراي وكناوة، والأهازيج الأمازيغية، مع لمسة عصرية من «الإلكترو» أو «الفيوجن». ولم تعد تكتفي هذه الأغاني بالدارجة المغربية، بل باتت توظف اللهجات الريفية والأمازيغية والحسانية في بعض الأحيان، كدلالة على انفتاح على كامل الهوية المغربية. كما لم يفُت الكليبات النسائية المغربية ومخرجوها إظهار عدد من الرموز كالأم والجدة والحناء والأعراس وعاداتها، إلى جانب الطقوس اليومية، بالإضافة إلى هذا المجهود، الذي يعيد تشكيل الذائقة الجمالية لدى المتلقي، تكرّس هذه الأعمال الفنية حضور المرأة المغربية كرمز للقوة وللتجذر، وللوعي الثقافي وبكونها سفيرة الثقافة المغربية وناقلتها إلى أبنائها وباقي الأجيال. فالفنانات لا يكتفين بالغناء، بل يُقدّمن أنفسهن كصاحبات مشروع فني متكامل، فيه صورة وهوية وخطاب. الخطاب هنا لم يعد مستوردا من الخارج، بل أصبح منبعثا من الداخل المغربي، بشخصيته وفرادته.
هذه الموجة الجديدة التي تقودها فنانات مغربيات، والتي باتت تحظى باستحسان المتلقي المغربي، كما باتت تثير انتباه الجمهور العربي والأجنبي كذلك، عززت من تحوّل الأغنية المصورة إلى منصة للاعتزاز بالهوية، وجعلتها مرآة تعكس جمال وتنوع الثقافة المغربية. تستخدم الاستعراض الحركي والبصري ولا تكتفي بالموسيقى فقط، بل تصبح منصة للمعاني، وتبني عالما بصريا غنيا بالرموز.


وهكذا، يسافر الفيديو كليب الخاص بأغنية «آوليدي» الذي وقعه المخرج أيوب السفات، بالجمهور في جولة ساحرة داخل العمق المغربي، من خلال مناظر خلابة تجمع بين الهندسة المعمارية الأصيلة واللباس التقليدي المغربي والتقاليد الشعبية. وتظهر جَيْلان في لقطات مختلفة، ترقص وتحتسي الشاي المغربي، وتقف جانب والديها وزوجها المنتج بيتهوفن، وترفع العلم المغربي بفخر واعتزاز. ومن بين مشاهد الفيديو كليب، تظهر جيلان وهي ترتدي القفطان المغربي، وبعد ذلك مباشرة ترتدي قميص المنتخب المغربي لكرة القدم وهي محاطة بأطفال يرتدون القميص نفسه.
وفي مشاهد أخرى ظهرت الفنانة وهي تمتطي الحصان على الشاطئ مرتدية زي التبوريدة (الفروسية التقليدية)، ما اعتبره نقاد تكريما للمرأة المغربية المشاركة في هذا الموروث الشعبي العريق. كما يظهر في الفيديو كليب كذلك والدها، الفنان المغربي المعروف حسن مجاهد، وهو يعزف على آلة الكمان في لحظة تجمع بين جيلين من الإبداع. من وجهة نظر الباحث في التواصل الثقافي والإعلام المرئي نور الدين التلاج، فإن أغنية «آوليدي» التي عرفت انتشارا كبيرا ولاقت نجاحا واحتفاء لدى الجمهور المغربي، تتجاوز المعنى المباشر نحو دلالات ثقا فية وأيديولوجية. بداية من سيميائية اللباس المغربي التقليدي، حيث تتكرر عناصر مثل القفطان، والجلباب، واللثام الصحراوي، وهي علامات ذات قيمة ثقافية عالية، إذ حسب رولان بارت، فاللباس ليس مجرد غطاء، بل «نص» بصري يعبّر عن هوية وانتماء، حيث يحيل القفطان والجلباب على العمق الحضاري المغربي، بينما اللثام الصحراوي يوحي بانتماء ترابي واضح للصحراء، وبالتالي تؤدي هذه العلامات وظيفة أيديولوجية، تتمثل في ترسيخ مغربية الصحراء بصريا، من خلال تمثيل الرموز التراثية الأصلية في سياق فني.
وأضاف الباحث الأكاديمي، أن الخيل وتمثلات فن «الفانتازيا» أو «التبوريدة تحمل الأغنية بُعدا رمزيا مرتبطا بالقوة والسيادة والشهامة المغربية، وفق سيميائية رولان بارت دائما، إذ الصورة هنا «تحمل حمولة ثقافية»، وتمثل الفانتازيا «سردا أيقونيا» للتراث المغربي في بعده العسكري والاحتفالي.
أما بخصوص الشاي والزليج فكتب التلاج أن الشاي المغربي، بأدواته وطريقته، لا يعتبر مشروبا، بل ممارسة سيميائية ترسّخ الهوية اليومية للمغاربة.
وخلص الباحث إلى أن أغنية «آوليدي» ليست فقط إنتاجا فنيا، بل نص سيميائي ثقافي وأيديولوجي، حيث تمارس الرموز المرئية سلطة ناعمة من خلال استعادة السيادة الرمزية على الصحراء والموروث المغربي. كما تمثل الأغنية نموذجا لـ»الخطاب الإعلامي الفني المؤدلج، الذي يوظف الثقافة للدفاع عن السيادة، لا بالخطاب المباشر، بل بالعلامة».
يشار إلى الفنانة خولة مجاهد (جيلان) هي كاتبة أغان ومؤدية مغربية ببعد عالمي، تدمج البوب مع أنماط موسيقية متعددة، دون أن تتخلى عن الروح المغربية التي تُشكّل جوهر موسيقاها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية