عن الموظف بركات وشخصياته الكثيرة

حجم الخط
0

بينما كان خمسة، أو ستّة من المرشحين لوظيفة ينتظرون في قاعة ليُستدعوا إلى المقابلة، واحدا إثر واحد، اختير رجل منهم، من دون سبب معروف، ليكون أول الداخلين إلى المقابلة. كان حاملا الورقة التي زوّده بها الموظف الذي أدخله، بيضاء لم يكتب عليها شيء. وإذ قدّمها إلى من يُفترض أنه المدير العام، بدأت الورقة بالاشتعال، حارقة اليد التي تمسك بها، ثم الذراع، ثم الجسم كله. ولم يلبث ذاك المسؤول أن تلاشى. لم يبق منه إلا ثيابه التي امتنعت عن الاحتراق، فرماها الموظف المختار الذي اسمه بركات في سلّة مهملات الغرفة.
هو مشهد أكثر من سريالي، ذاك الذي أعقب سابقه في غرفة الانتظار. هناك وصف الكاتب بالتفصيل الأكثر واقعية ترتيبَ الجالسين الخمسة، الذين يتلهى بعضهم بالنظر إلى شاشات هواتفهم، وأحدهم بقراءة كتاب، وواحد آخر منهم لا يفعل شيئا لاضطراره بسبب سلس البول، الذي يعاوده، إلى أن يكثر من التردّد إلى الحمام. ولنضف إلى تلك الواقعية الدقّة َفي وصف هندسة الغرفة وترتيب جلوس مَن فيها، واللوحات المختارة المعلٌّقة على الجدران، ثم، في المشهد الثاني الموصوف أعلاه، مشهد الورقة المحترقة، تبدو الرواية كأنها نسفت بدايتها سالكة تحوّلا غير منتظر ولا مفهوم. فسريعا ما سنقرأ أن الرجل طالب الوظيفة تحوّل إلى أن يكون هو المدير العام الجديد. وقد فاجأته معاملة الموظفات والموظفين له بصفته تلك، كأنه كان هو المدير العام من قبل ذلك. ويجب ألا ننسى تفصيلا آخر سيتابع خلال تتابع أحداث الرواية وهو معرفته بانطباق اسم «بركات» عليه وعلى المدير العام المحترق.
وستعود الرواية إلى واقعيتها في وعي بركات طالب الوظيفة في ما هو يفكّر بطريقة يخرج بها من مكتبه، ليصل إلى بيته في المنطقة الوسطية من المدينة، فيما الموظفون يسعون إلى نقله بسيارة المدير العام، التي صارت سيارته البديلة، حاملين إياه إلى بيته الجديد في منطقة مخصصة لسكن الأغنياء. لكنه، شبه مرغم، وجد نفسه هناك، وإذا بامرأته أستاذة جامعية أنيقة الهندام تمعن في صدمه بالتصرف كامرأة له. هي أيضا، تحمل اسم زوجته، كريمة، كما يحمل هو اسم شخصيته الجديدة كمدير عام. وكذا كان حاله مع أولاده ومع خادمة المنزل الفخم.
لا تتوقف الرواية عن التنقل بين العالمين، الواقعي والمتخيّل، وإن كانت، في الفصول التي ستلي، ستحوّل ذلك إلى متاهة تمعن في تعقّدها. هناك «بركات» ثالث سيظهر في سياق هذه المواجهة، وهو رجل مريض غائب عن الوعي، وقابع في سرير المستشفى وحوله عائلته. هذا البركات الأخير (الثالث) لم يلبث أن استفاق من غيبوبته، حين سمع اعتذار بركات الأول عن دخوله إلى هذه الغرفة بالخطأ. لكن المهم في تلك الحادثة أن بركات الجديد هذا، بركات الأخير، سينضاف عنصرا جديدا إلى التشوش المدوّخ الذي سيعيشه موظّفنا.
لم يتأخر بركات الثالث عن تقديم نفسه بأنه كاتب روائي. وهو، في الربع الأخير من الرواية كتب بقلمه، لكن بعقل لا يقل اضطرابا، عن علاقة بركات الأول بمن أضيفا إليه. ثم أن بركات الثالث هذا لن يكتفي بكونه إحدى شخصيات الرواية، بل هو تحوّل بعد حضوره فيها إلى كاتب لها. ليس كمتدخّل فقط، بل أيضا كمستكمل لسياقها السردي وموضح له. أما نصّه، الذي اقتحم الرواية بتولّيه مهمة السرد نيابة عنها، فبدا أطول ما ينبغي وضعه بين هلالين، أو فاصلتين، مقارنة مع أي عمل روائي سابق.
ودائمل تعود الرواية إلى مشهدها الأول، حيث ينتطر الرجال الخمسة ليُعمل على تحريكهم من جديد. بركات أيضا، أعني بركات الأول المعرّض للتغيّر والحلول محل آخرين، سيفاجأ على الدوام بأن «الحظ» رفعه إلى مرتبة تفوق طموحه. فحين وُعد، قبل تحوّله إلى أن يكون المدير العالم، بأن يعيّن مساعدا لذاك الموظّف الكبير، لم يحتجّ ولم يُحبط بعد أن فشل ما كان وُعد به. عاد من فوره إلى بيته الأول، العادي وبلا فخامة، قانعا وراضيا. بركات هذا ليس مهجوسا بالترقّي الوظيفي، بل إنه، في مواضع من الرواية، أظهر سعادته بعائلته بعد كل إعادة له إلى وظيفته القليلة الأهمية. هو موظف عادي، وهو قابل بذلك، بل إنه يقرّ بأن كفاءته في العمل لن تتيح له تبوّأ منصب مناسب أرفع. لكن، رغم ذلك، أجريت عليه تلك التجربة المتخيّلة.
هي تجربة، أو هي لعبة جرى تحريك مجرياتها بتمكّن وسلاسة، لكن يظل قارئها يتساءل إلى ماذا ترمز، أو في أي وجهة تذهب. أو، أيضا، ما الذي يريد الكاتب إبلاغه من هذه اللعبة المصنوعة بمهارة. وربما يتساءل قارئنا ذاك إن كان، بقراءته، قد فاته الانتباه إلى مقصد الكاتب، أو مقاصده مما روى.
*»بركات العالق في الخيال» رواية عبد العزيز الصقعبي صدرت عن دار الساقي في 222 صفحة سنة 2024.

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية