المؤرخة الفلسطينية نهى زعرب قعوار
الناصرة- “القدس العربي”: في مثل هذا اليوم عام 1948، كانت مدينة الناصرة وبناتها، وكل منطقة الجليل المركزي، التابع للدولة العربية وفق قرار التقسيم الأممي، قد خضعت للاحتلال الإسرائيلي دون قتال أو مقاومة واسعة.
في نطاق حديثها الخاص لـ “القدس العربي” عن مسيرتها، عشية بلوغها التسعين من عمرها، وهي ما تزال تتمتع بحيوية ونشاط، تتوقف المؤرخة الأديبة ابنة الناصرة، نهى زعرب قعوار، عند يوم احتلال مدينة البشارة، الناصرة، وكيف صعق الجنود الإسرائيليون طفولتها.
وُلدت الأديبة والمؤرخة نهى زعرب قعوار في الناصرة، داخل أراضي 48، عام 1936، وتعلّمت في ابتدائيّتها الحكومية، قبل أن تنتقل إلى المدرسة المعمدانية الثانوية، وما زالت تنشط في حياتها اليومية وكأنها في جيل الشباب وهي على باب التسعين.
اقتحموا بيتنا، وكنت أنا طفلة صغيرة، وشقيقاتي أصغر مني، فكدنا نموت خوفًا، أمرونا نحن أيضًا برفع أيادينا فوق رؤوسنا
الكاتبة نهى زعرب قعوار، التي احتفلت قبل نحو الشهرين بعيد ميلادها التاسع والثمانين، تواظب على ممارسة كامل هواياتها: الزراعة المنزلية، الرسم، المطالعة، الكتابة، وسماع الموسيقى والغناء، وتنعش روحها ماجدة الرومي وفيروز.
في حديث لـ “القدس العربي” تتحدث زعرب قعوار عن أسرار صحة الجسد والذاكرة، وتروي قصصاً عن مدينتها قبل وبعد نكبتها المصادفة في 16 تموز 1948، وتتوقف عند “صالون نهى”، منتدى أدبي تنظمه في أول يوم أربعاء من كل شهر داخل بيتها، الذي يجمع منذ 45 عاماً الخلان والزملاء في حديث النثر والشعر.
قعوار، وهي حفيدة طنوس قعوار، الرئيس الأول لبلدية الناصرة، التي تأسست قبل 150 سنة، حازت لاحقاً على الشهادة العامة في اللغات العربية، العبرية، والإنكليزية، وعلم اللاهوت من جامعة لندن بالمراسلة.
كتبت نهى زعرب قعوار المقالات في الصحف، وأصدرت عدة مؤلفات، أبرزها كتاب “تاريخ الناصرة- مسيرة عبر العصور”، ومنها قصص ودواوين شعر وقصائد وكتب للأطفال.
بعد شهور ستحتفل بعيد ميلادها التسعين، لكنها لا تفكّر ولا تنشغل بالعيد، وتقول إن ما يشغلها هو كيف ستكون هي في العيد التسعين، خاصة من الناحية العقلية.
عقلي لا يتعطّل ولا دقيقة، كل يوم أُكرّس الكثير من وقتي للمطالعة والكتابة. ورثت أنا وشقيقي أمين هوس القراءة من والديّ، فقد أهدى والدي والدتي يوماً صورة كبيرة اسمها “القارئة”، وفيها سيدة جميلة تقرأ كتاباً، وهذه كانت هدية ثمينة جداً، وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم. من تجربتي، المجهود العقلي سبب الذاكرة الخضراء. ربما هي الصفات الوراثية.
وبالنسبة للجسد أضيف أيضاً العمل، فالحركة بركة، ويومياً أعمل في حديقة البيت. ورثت فرط الحركة من والدي، الذي كان من كبار المهندسين المسّاحين في فلسطين، منيب أمين زعرب.
جدي أمين زعرب لبناني الأصل، وولد في عكا لأم عكيّة، وكان قد رافق والده أيوب زعرب في الانتقال من الفحيص بالأردن، فإلى لبنان، إلى فلسطين، بحثاً عن الأرزاق.
وعائلة زعرب وعائلة قعوار تنتميان لعائلة سميرات، وزعرب هو اسم دخيل على العائلة أو لقب، فزعرب يعني الإنسان القصير الذكي.
تجولت في طفولتي المبكرة مع والدي في مدن فلسطين من طبرية إلى سدود وعسقلان وغزة وخان يونس وغيرها بحكم عمله كمهندس مسّاح، ولذا تعلمت في الصف التمهيدي في مدينة طبرية، قبل الانتقال إلى الناصرة عام 1942، والتحقت بالمدرسة المعمدانية، وأنهيت الصف الثاني عشر عام 1956، ووقتها كانت رسوم التعلّم باهظة.
وتوضح أنها عند وقوع نكبة فلسطين كانت طفلة في الثانية عشرة من عمرها، وما زالت تذكر جيداً ما حصل في الناصرة: “قبيل احتلالها في تموز، سادت حالة من الفوضى و”حلّة الحكم”. بيتنا في منطقة الخانوق شمال الناصرة، حيث مفرق الطريق إلى صفورية وطبرية. في ذاك اليوم جاء جارنا ليلعب “الطاولة” مع والدي كعادته، وما أن وصل حتى سمعنا صلية من الرصاص المتواصل، فاستبدّ بنا الرعب، فنحن أطفال ولم نكن معتادين على صوت الرصاص. وبعده سمعنا الجنود يقتحمون بيت جيراننا ويقتادونهم للشارع، فدخلنا مهرولين إلى الحمام للاختباء به، ومعنا ابنة جارنا الطفلة.
بعد زخّات رصاص كـ”زخ المطر”، ساد حال صمت، وما هي إلا لحظات حتى جاء الجنود يقرعون باب بيتنا الجديد بأعقاب البنادق وهم يقولون بصوت صارخ وبعربية مكسرة “افتح افتح”. سألت أمي: هل تنتظرهم حتى يحطموا الباب؟ فقال والدي: لا، سأفتح لهم.
اقتحموا بيتنا وكنت أنا طفلة صغيرة، وشقيقاتي أصغر مني، فكدنا نموت خوفاً، خاصة أنهم أمرونا نحن أيضاً برفع أيدينا فوق رؤوسنا، فحتى الطفل ابن العامين ونصف العام أمروه برفع يديه.
كان ذلك في 16 تموز 1948.
أخرجونا من البيت وهم يدفعوننا بأعقاب البنادق، ونحن نمر عبر الغابة في منطقة الخانوق حتى شارع الناصرة- طبرية- صفورية، حيث تم تجميع من تبقى من أهالي الحي الذين هرب معظمهم واختبأوا بالمغاور.
كان الجنود اليهود يعتمرون كوفيات عراقية حمراء ويعتلون دبابات بريطانية، وكان والدي قد تنبه لذلك عندما كنا ما زلنا داخل البيت، فور سماع الرصاص، وأزاح ستارة النافذة وفتح النافذة وقال لوالدتي عزة قعوار: “تعالي شوفي، دبابات إنكليزية والجيش عراقي.. يعيش الجيش العراقي.. تعالوا اطلعوا من الحمام”، فطلعنا، وما كنا نعرف أنهم مستعربون من فرقة “ياعر”، بقيادة ضابط يدعى حاييم لاسكوف، وقد جاءوا للناصرة من ثلاث جهات: من كفار هحورش، ومن العفولة، ومن صفورية، والتقوا في “الخانوق”.
عندما وصلنا مفرق الخانوق كانت تنتظرنا فاجعة مروّعة، حيث شاهدنا شاباً، هو سعيد الصفوري من الناصرة، كنا نعرفه لأنه اعتاد على العمل في حديقتنا. وكان يعتمر هو الآخر كوفية حمراء، وعندما شاهدهم، وعلى بعد حوالي عشرين متراً، ضرب بيده على صدره وقال: “مسلم والحمد لله”، وضرب تحية لهم، فرشّوه بالرصاص، وكان “يتزعفل بدمه”، فتمسكنا بأمي ووالدي ونحن نرتجف خوفاً ونبكي عليه، خاصة أننا نعرفه جيداً.
عندما شاهد والدي ذلك، سأل الضابط حاييم لاسكوف: ما مصيرنا نحن؟ فقال الضابط: “إذا سلمت البلد ستسلمون، وإذا لم تستسلم فستُقتلون”، وحرك يده بحركة توحي بالذبح، فارتاح قليلاً، لأن ذلك يعني بالنسبة لنا وقتها أن هناك حلاً.
بقينا هناك ثلاث ساعات تقريباً، حتى جاء رئيس بلدية الناصرة يوسف بك الفاهوم، وإبراهيم الفاهوم، وخوري طائفة الكاثوليك باسيليوس، وغيرهم يحملون راية بيضاء على خشبة رفعها رئيس البلدية، وصعدوا إلى بيت عائلة الجسر بناءً على تعليمات الجيش، وبعد قليل قالوا: “سلّمت البلد.. بتقدروا تروحوا”.
وتشير نهى قعوار إلى أن والدها، وقبيل مغادرة البيت بعد مداهمته، كان الجنود الإسرائيليون قد أخضعوه للتفتيش الدقيق، ومد أحد الجنود يده إلى جيبه واستولى على “صيغة” والدتي (أساور وخواتم وغيرها).
وعندما دعا والدي الضابط لاسكوف وطلب التحدث معه، قال بالإنكليزية: “عندما شاهدت الجنود، خلت أن الجيش مرتّب ولا يقوم جنوده بسرقة الناس”، وروى له سرقة “الصيغة”. وعندها قال الضابط: “إذا أوقفت الجنود في صف واحد، هل تعرف أيّاً منهم؟”، فقال والدي: نعم. وهكذا حصل، فقد أشار والدي للجندي السارق، فمد الضابط يده إلى جيب الجندي وأخرج منها علبة الصيغة، فأعادها لوالدي بعدما تثبّت من معرفته ما في العلبة بدقة.
عندما عدنا للبيت وجدناهم قد أعاثوا خراباً كبيراً في بيتنا، وكانوا ينبشون في كل زاوية. لكن الحمد لله أننا بقينا في بلدنا، وهذا هو الأهم.
ولم تكتفِ نهى قعوار بدراستها الثانوية، فتعلمت اللاهوت في جامعة لندن بالمراسلة، وذلك بعدما حرمها والدها من تعلم اللغة العربية التي تعشقها في جامعات البلاد خوفاً من الاختلاط مع الشباب، وهذا كان نصيب الكثير من الفتيات في تلك الفترة.
صالون نهى زعرب قعوار الأدبي من الصالونات الأدبية النادرة، وعمره 45 سنة، وفيه يجتمع الأدباء في كل أربعاء من كل شهر، وأحياناً نفتح الفرصة لانضمام متابعين ومهتمين، ونتحدث عادة في تشكيلة مواضيع ثقافية وأدبية، وفيه تلتقي أجيال من الكُتّاب.
عقلي لا يتعطّل ولا دقيقة، فأكرّس الكثير من وقتي للمطالعة والكتابة.. المجهود العقلي سبب الذاكرة الخضراء
وقد أصدرت نهى مؤلفات كثيرة، أهمها مجلد بعنوان “تاريخ الناصرة: مسيرة عبر العصور”، الذي يستعرض تاريخ المدينة منذ عصر المسيح وعلاقته بمدينة البشارة، وهو توثيق للحياة الاجتماعية في الناصرة، واستغرقت كتابته 18 سنة.
وصدر لنهى قعوار دواوين شعر ومؤلفات كثيرة منها: “وهج اليراع”، “مذكرات عن حرب العراق”، “شجرة المجد”، “كلماتي”، “شريط الذكريات”، “سيرة حياتي”، وكتب للأطفال أيضاً، منها: “النسر الأسود”، “العين الماسية”، “الأميرة سندريلا”، و”ليلة عيد”.
وتستعيد نهى قعوار في كتابها “عين الناصرة” التاريخية التي زوّدت الأهالي بالمياه طيلة قرون، وكانت كقرية كبيرة، بخلاف يافا وحيفا والقدس، لكنها كانت مركزاً تجارياً وأماً لكل القرى المحيطة بها، وأعداد كبيرة من السائحين والحجاج المسيحيين كانوا يزورونها منذ قرون طويلة، بحثاً عن زيارة كنيسة البشارة، حيث بُشرت سيدتنا مريم العذراء بأنها حامل.
وكان من بين هؤلاء الحجاج روس، يأتون إلى بلادنا مشياً على الأقدام، وكانت تروي لي والدتي أنهم كانوا يصلون منهكين ويرتدون زياً موحداً أسود، وكان بعض النصراويين يقدم لهم شوربة العدس.
كانت عين العذراء قد تهدمت وبُنيت من جديد عدة مرات، لكنها ظلت تتدفق بمياه غزيرة، والعين العذراء الأصلية موجودة في كنيسة الروم، ولجانبها بئر، وهناك بشرها الملاك بأنها ستلد السيد المسيح. ولاحقاً، مُدّت قنوات أو قساطل تحت الأرض من الكنيسة إلى عين البلدة، التي تُعرف اليوم بـ “عين العذراء”، لتحاشي دخول الناس بكثافة إلى الكنيسة لانتشال المياه يومياً.