في إحدى رواياته الأكثر سوريالية وتشويقا، «التحول»، يبارز فرانز كافكا متاهة التحويل الفانتازي لأحد شخوصه المبهرين، غريغور سامسا، «إذ استيقظ ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، ووجد أنه قد تحوَّل وهو في سريره إلى حشرة عملاقة. كان مستلقيا على ظهره، الصلب مثلما درع، ولما رفع رأسه قليلا، رأى كرشه منتفخة، داكنة، تُجزِّئها خطوط مقوسة جاسية، والغطاء بالكاد ممدود على أعلاها، ويكاد أن ينزلق عنها كلية. وكانت قوائمه العديدة، والدقيقة بشكل فادح بالنظر إلى ضخامة بدنه، ما تنفك تهتز، في حركة يراها ولا يستطيع إزاءها شيئا».
العلامات البارزة في تجويفة الأحداث، وتقاطعاتها في بنائية النص السردي وتأويلاته، وأثر ذلك في تداخل المجاز وفن التحويل والتشاكل الإيديولوجي والفلسفي، تجعل من تحليل معايير الشخصية المركزية وأهميتها، تجلياتها في عنصر الزمكان ومفارقاته، أمرا يستبطن حدودا فاعلة في فهم تقاطعات النص «التحول»، وارتكازه على نظام الاسترجاع/ الاستباق، كمكون أصيل في صيرورة النص الروائي ودلالته.
«تحول» فجائي من صورة «الإنسان» إلى «حشرة»، و«تحول» استعاري من كائن تفكري إرادي إلى حالة التباس خارج المعنى أو خارج المتوقع.
والمعضلة في هذا اللاتوازن، واللاتناسب، هو ذاك الإدراك السامي لغريغور باحتفاظه الغريب بوعيه الإنساني داخل جسد حشرة. وهو اعتبار لمعاناة التحكم في الجسد المتحول، وتعويل لاستحضار الذوات الأخرى، بقصد التحفيز والإذعان.
أنموذج «التحول» في فكرة كافكا، ينبئنا بوجود تجاذبات سياقية، مغطاة بنفس متاهة «التحول» وتناقضاته الراهنة، في مضمار ما يشهده العالم اليوم، من تحولات عميقة، تكون فيها المشكلة الإنسانية والأخلاقية، قطب الصراع وموطن التناحر والاصطفاف والمغامرة. إذ تؤول الـ«تحولات» الكافكوية العنيدة، إلى معترك لفهم العالم واختراقاته للوجود والحياة، واستماتته لإعادة بناء ميتافيزيقا ذات معالم جمالية نظرا ومنهجا.
وهو ما يوثق دهشتنا اليوم تجاه ما رسخته الفلسفة الكلاسيكية في نسقها الأحادي الفكر سيّد الذات، حيث تبدو اللحظة الرومانسية في نزعتها التشاؤمية للذات وانطوائها السّلبي، كأنها تبحث عن ملاذات بديلة لاسترفاد «تحول» يضاهي لحظة استعادة الزمن، وترتيبه وفقا لأنماط وتقاطعات حديثة، تنظر بعين أخرى، غير تلك التي تبني مستقبلها من واجهة «الإنسان» و«المعرفة» و«أخلاق العدل والمساواة والحرية» و«السلوك البشري».. إلخ.
من «التحول» إلى «رقمنة الأخلاق»
يشي عالم التطور الرقمي الراهني، وتسارع تحولاته الجذرية وتعاظم سلوكياته وقيمه في بنى المجتمعات الشبكية المتسلسلة، بتدافع تأثيرات في فواعل «الأفراد» و«المجتمع»، ما يجعل من بارديغم «السلوك الرقمي» نافذة لتحليل بنيات التعاطي مع هذه التحولات، كموضوعات التنمر الإلكتروني، والعزلة الاجتماعية، والعلل السيكولوجية، وترويج المعلومات المضللة. وفي ما يشبه «التحول الكافكوي»، تستقصينا أسئلة «الرقمنة» وأخلاقياتها وآثارها الاجتماعية الجانبية، والتحولات البنيوية التي تتركها الصدمة في الاجتماع الإنساني، حيث تتداعى محتويات المنصات الرقمية، وتنظيماتها الرقابية الخطيرة، بما في ذلك وسائط التواصل الاجتماعي التي تحتوي على فرائس ومهرة مجيشين لاستيعاب أكبر قدر من التمييز التحليلاتي والنظامي لمعرفة الطبائع والركونات النفسية، والبواعث المؤشرة على حدوث الحركات المستوعبة للسياقات الظرفية وقطائعها، والوعي بالواقع والسياسة العامة. على اعتبار تشكيل تبريرات أفقية، لتحليل أنماط الحياة، حيث نتكشف عرايا أمام مجهرية العالم المخفي من وراء مرايا الرقمنة، تتحول فيها كل حركاتنا وهمساتنا إلى رموز وعلامات، تستبصر من خلالها أفق انشغالاتنا ومساحات انتقاداتنا ومشاريع وعينا وتوريتنا.
باختصار: كيف ننظر للعالم؟ وكيف ندرك أدوارنا فيه؟ وكيف تتشكل مآلاتنا بإزائه؟ وما هي الحدود الثاوية المنظورة في ابتعاث سلوكنا وتحدينا لتخومه وعناصر تدبره؟
ينتقل «التحول» الكافكوي العنيد من مجرد تحويط جمالي، في تجليه الوصفي الغرائبي، إلى تمثله لعناصر تكسير الهوة الساحقة بين خيال «التحول» الرقمي وانحيازاته لتدوير «أخلاق» ترمز إلى ابتداع أنماط عائمة باختلاف ذهنيات وثقافات متشكلة بإزاء التحول المذكور.
وعلاوة على الطفرة الأخلاقية المكسوة بزعاف قوة الخيال الرقمي، الذي هو جزء من بنية التحول المحايث لوضع «الحشرة» ـ غريغور سامسا بطل التحول المأسورـ يصير في سياق لغة الخطاب الجديد في عالم أخلاق الرقمنة، بواسع نفوذها وسلطتها، انحياز للتمزيق والبعثرة واستنزاف الهوية. ما يجعل من فائض الانجذاب والتورط في محاكاة الآخر، نظاما للطفح، وحقلا مفتوحا للتحريف وإفراغ المعنى من معناه الأصلي، تماما كما هو الحال في تعرية عجزنا عن المواءمة مع هذا التحول الاستئصالي العبثي، والذي يتعدى حضورنا الرمزي في قاعدة البيانات الرقمية المخيفة، إلى موقف المحيط الاجتماعي والثقافي السلبي من ذلك.
محنة «الرمز»
وتعثر «الغابة»
يأتي على زماننا، في هيمنة واجتياح عالم الأخلاق الرقمي الجديد، تجريف يوازي انشغالاتنا المادية بالوسوم والتقاطعات النصية المنبعثة من ركام التوهيم وتدليل الخيالات وتحويلها إلى مادة لاستعادة الزخم والمتابعات الكثيفة في احتواءات «الترند» و«صور الأفاتار» وتمثلات ذهانية أخرى غارقة في الكشط والمشاعر الباردة. حيث يبلغ هذا التوقع كل نشاطه المخطط له، ليعيد سؤال محنة «الرمز» أو القدوة في مخيالنا الثقافي والهوياتي. إذ لم يعد التقدير المثار حول الفضاء الرمزي للمجتمع، ثقافيا كان أو دينيا أو سلوكيا حتى، هو واجهة انعقاد العقل وتوحده في الخلفية الثقافية للمجتمع والأفراد، بل يتعلل الوجود بالأزمة المصطنعة المصيرة لأهواء الوافد الجديد، التي يبتذل محنته من مستوى تشكل صفاته المنخلقة من غور التفاهة والتفرعات المأسورة بأنماط وعلاقات مشتبه في متانتها وارتقائها الوجودي والسلوكي.
هذا الاستتباع في تحليل ظاهرة الغياب القسري للقدوة، بعد بروز طفرات التحول الرقمي بالشكل الآني، يعيدنا إلى محيط بطل كافكا، أو مجتمعه السري النووي الصغير، أخته التي كانت تؤثره في محنته، حين تبتعد عنه مع مرور الوقت وتفاقم أزمته الوجودية، سرعان ما تدفعه للاختفاء بعيداً عن الأعين. ثم وهي تبلور مشاعرها لمشاعر باردة وغير إنسانية بالمرَّة، برغبة جماعية في التخلص منه، حتى ولو كان الثمن هو الموت، فالارتباط المادي الذي يربطهم به قد انقطع صبيحة التحول الحشري مع توقفه عن العمل، بالفعل يموت غريغور.
هو الموت في النهاية. لكنه ليس أملا في استعادة الجسد. أو بالمعنى الحقيقي للأخلاق، استعادة فورة الحياة، والاقتبال على دفعها بـ«التحول» إلى قضية، إلى معنى للوجود بالحقيقة، وليس بالتجاوز الظاهري للحدث القدري، أو التواري خلف التباسات خارج التفكير.
من سوء اعتبار تخمين كافكا أنه يلهم ذاكرة قارئه بما يمكن أن يستوعب التحلل من مسؤولية الأخلاق نفسها، بالمعنى الكانطي، من حيث كونها لا تحددها النتائج أو العواقب، بل تنبع من «واجب قاطع» يلتزم به الفرد بغض النظر عن رغباته أو ميوله.
تماما وكما هو الحال بالنسبة لاكتمال صورة «الغابة» التي تتعثر بإزائها كل أشكال التحميس وافتراض الخيال الواسع مع التشبث بآخر أوراق الأمل، مخافة الوقوع في مرعبة الموت أو الانتحار.. الذي لن ولم يكن حلا وحيدا وممكنا.
الغرفة المضيئة
مع لغة الجذب أو «البونكتوم» كما يطلق عليها رولان بارت، في قراءته للتحيزات النصية الجديدة في استدلالاتها التأويلية لثقافة ولغة ودلالات معينة، صار من الأكيد الحسم في نظرية المرئي أو الصورة الرمزية. حيث لا يمكن تفكيك المغزى دون اعتبار لمعطياتها وخلفياتها البصرية في سياق تأثيراتها العاطفية والنفسية والمعرفية، مع الوقوف على حالتي «الإدراك الكُلي» و«الاستدلال التأويلي»، إذ الصورة الظاهرة تبقى خفية دائما. وهي ليست ما نراه فيها. هذا المعطى الاستراتيجي يوائم استبصارنا لعمق بحثنا عن آليات مغايرة لفهم تقاطعات «الرقمي» وأخلاقياته المأسورة في الغرف المظلمة، وتحريضاته المغلفة بحصون التمثيل المظهري للمواد الاستهلاكية، وفوارقها المجهدة بفقاقيع التلوين والتقاسم ونوعية العرض.
يشكل هذا التلاؤم الشفيف لاستبصار أفق تحولنا من مجرد أدوات للاستهلاك، إلى عقول للنقد والتفكر والمحاججة، وهو ما يفرض في بعد منهجية قراءتنا للغرف المتربصة، استجابتنا لمدلول التداعي التاريخي الوجودي لعلامات الرقمنة، ومدى تطابقها مع أسئلة الوجود وأخلاق الإنسان. كما يتقاطع مع مفهوم الثورة المنبثقة عن سرعة التوهج والامتداد، داخل بنية تترقى بأوثاق اعتيادية أو تأطيرية، تروم نسخ أو مسخ الوجود الإنساني وتشكيله بمنطق الأهواء والأيديولوجيات والفوارق الثقافية والنفسية الموازية.
إن حتمية وجودنا في عمق مرحلة التحول، من حالة الركون والاتباع والتقليد، إلى استكناه مجازات «الرقمي» الجديدة، وتحويلها إلى أنساق ومدونات زمنية تقارب ثقافتها من عنوان العصر وجديده البصري والأيقوني، سيحللنا لا غرو من سيل الخرافات المنحولة لقيمها وإفرازاتها الوظيفية، وتسرباتها القاتمة في جذور الثقافة والهوية، وبناءاتها المتحولة في أنساق الزمان والإنسان المتلقي. ما يجعلنا أمام نظام هوياتي جديد مفتون بالحركة والبحث عن منعطفات حاسمة في دورة التحضر، أو كما يصفها المفكر مالك بن نبي، تحويل نظرية السلوك إلى نظام معرفي؛ «بحيث يكون التماثل أو الاختلاف في سلوك الأفراد والجماعات من نتاجاتها وليس من نتاجات التعليم».
أليس هذا هو ما نطمح إلى إعادة تصحيح مواقعه، وتنظير قواعده وتوحيد مفاهيمه؟ فالفورة الحقيقة، هي استعادة زخم الجدل في التعليم والتربية، وإنقاذ ما تبقى من آمال وانتظارات، بتجديد الجديد واستحداث طفراته، مع تحديد أولوياته ودواعي تقاطعاته، بل وتوسيع معاقده واشتباكاته، وصيانة وائتمان كل ذلك بالإصلاح المرحلي والتحول المرجعي، حتى تكون النتائج والنهايات في مستوى تطلعات الأمة وأحلامها.
وبالتأكيد والقطع، لن يتأتى ذلك دون «النتاجات التعليمية» الباعثة على النهوض بالعقل والوجدان، حيث تصبح القواعد الأخلاقية والقيم الاجتماعية طاقة مؤثرة في البنيات اللاشعورية للمجتمع وارتقاءاتها الدامغة الحبلى بمعاني الصيرورة والانتظام والفاعلية.