لا أحد يمكنه اللعب إلا في «الوقت الضائع»، خصوصا على الهواء المباشر لفضائية «الجزيرة»، حيث يبكي مراسل أمام الكاميرات أولا، ثم نقرأ جميعا على فيسبوك محلل الجزيرة يفقد أعصابه قائلا «… 2 مليون فلسطيني في غزة يقتلون جوعا»؟!
يقتل الناس جوعا، لأن رئيس الموساد ديفيد برنياع، حسب القناة العبرية 12 أبلغ واشنطن أن حكومته أجرت اتصالات مع ليبيا وأندونيسا وأثيوبيا لاستقبال مهجرين.
التعبير الأدق «استقبال مجوعين»… إنه أرخص «توطين» في تاريخ الشعوب وبعنوان «التهجير مقابل كسرة خبز أو شربة ماء».
فضائية «القاهرة الاخبارية» أشبعتنا لطما وهي تتحدث بصيغة «مصر ترفض التهجير» وأصحاب الألقاب على شاشة التلفزيون الأردني الرسمي مهوسون بالتأكيد على «ثوابت الموقف ضد التهجير».
القصة بعد معركة «الأطباق الخاوية» – حيث شعب بأكمله بلا لقمة خبز في غزة – أن النظام العربي، الذي يدعي رفض التهجير لا يتحرك إطلاقا لمنع التهجير «جوعا».
عندما «يتحسبن» الملثم
«أم بي سي مصر» تصر على الفاصل الدعائي «البيت بيتك»، لكنها تركت «المجرم» يسيطر على معبر رفح وحدود البيت. وكل ما يهتم به صاحبنا مصطفى بكري التذكير بمؤامرة ضد مصر ونظامها، مع أن المؤامرة تبدأ من دور مصر المؤسف في الامتناع عن تحدي «التجويع».
ذرف الدموع لا يطعم طفلا يتلوى جوعا، فيما قتل والداه، والجريمة أكبر بكثير من مشاهدة بث «الجزيرة» للناطق الملثم «أبو عبيده» وهو «يتحسبن» على قادة وعلماء الأمة، متوعدا بالخصومة يوم القيامة.
يفترض أن «يأكل» أهل غزة قبل حلول «يوم القيامة»، وإلا سنكون ليس فقط أمام «تهجير» يعتدي على مصالح مصر والأردن القومية، بل أمام تهجير مجاني مقابله «بقاء الأنظمة».
كاميرا قناة «الحدث»، على نحو أو آخر التقطت المفارقة: حتى تلك البسطات البائسة، التي وضعت عليها بعض المعلبات والدقيق والخضراوات الملوثة فارغة تماما وفي شهر تموز/يوليو المتوهج.
لا أثر لحبة فجل أو طماطم أو علبة فاصولياء. لا أثر لغبار الطحين في بقايا كيس بلاستيكي، شعب بأكمله تنهار قواه الجسدية من فرط الجوع ويراجع ما تبقى من عيادات طوارئ بلا كهرباء.
ذلك لا يعني إلا ان بكاء المحللين على الشاشات، ليس هو الحل، كذلك تحول المقاومة إلى خطابات «تتوسل» ما تبقى من ضمير أوروبي أو دولي، مع أن المجرم الأصلي والموجه يجلس في البيت الأبيض وبقية العواصم العربية.
طبعا، لعبة الأمريكي ومعه الإسرائيلي والنظام الرسمي العربي «مكشوفة» تماما، والمطلوب أن تسلم المقاومة «الأسرى والسلاح» مقابل دخول بعض شاحنات المساعدات.
الجوع مؤلم، لكن المؤلم أكثر أن تسمح بتسليم «وطنك»، ومعه عدة أوطان مجاورة على سبيل «الكادوه» للعدو، فقط مقابل حفنة أرز مسلوق لشعب يتم تجويعه ويلقى في البحر.
نواح الفضائيات
نواح الفضائيات، لا يفيد حتى في المشهد السوري، التجويع على الطريق، وأصبح أداة يمررها النظام العربي، بدون ردة فعل حازمة ومن شاهد تغطية «سي أن أن» على مدار يومين للأحداث في سوريا، يفهم مسبقا أن «سوريا الجديدة» تخضع الآن لنفس الابتزاز الرخيص، حيث فوضى السلاح والتقسيم الطائفي تنتهي باحتياج محافظة بأكملها، مثل السويداء لطحين وخبز ومازوت وماء وكهرباء!
ومن فرط الوقاحة السياسية تعلن القناة 14 الإسرائيلية أن وزير خارجية الكيان قرر «إرسال مساعدات غذائية» لأهالي السويداء. الرسالة التي يريد إيصالها هنا واضحة وتشرح نفسها، سنطعم بعد الآن فقط من يعمل معنا عميلا أو عبدا، وسيموت جوعا وعطشا من «يقاوم».
مخجل أن شبكة قنوات «النيل» المصرية لا تنتبه لهذه المفارقة، فالأمة المهزومة في مواجهة «جغرافيا تتحكم بها إسرائيل» ستجوع أكثر من أطفال غزة والسويداء، إذا «أفلت» العدو بمخططاته.
شنب مقابله علم
الحكاية روتها قناة «الميادين» في تغطية خجولة نسبيا: تقصف إسرائيل دمشق بقسوة وتدمر هيئة الأركان كي تؤسس لمذابح في السويداء، ثم بعد أيام من «حلق الشوارب وقطع الرؤوس والتنكيل وإلقاء الناس من أعلى البنايات، ثم خطف «النساء والأطفال البدو»، يفاجئنا الأمريكي توماس باراك، وعبر قناة «العربية» بالإعلان عن «وقف إطلاق نار بين إسرائيل وسوريا».
ونحن نشاهد الخبر تتلقفه الشاشات ظهر السبت، لم ينتبه أحد لأن «سوريا الجديدة» لم تطلق ولو رصاصة واحدة في اتجاه الكيان، حتى توافق على وقف إطلاق النار.
يعني ذلك أن إسرائيل قصفت وأطلقت النار وأفسدت الدنيا في السويداء، وزرعت «كمائن دم» بين السوريين، ثم أعلن الأمريكي بالتنسيق مع الأردني والتركي عن وقف إطلاق النار بين دولتين مع أن الثانية لم تطلق أي «فشكة» للخارج.
مشهد سوريالي يقترن بعويل وتسول على الشاشات والمنصات، والقصة جذرها التأسيس لحرب «تجويع»، ثم ابتزاز الدول العربية المجاورة جيوسياسيا.
للأسف الشديد، حلق الشنب لمشايخ دروز، قابله «رفع أحدهم علم إسرائيل»، لا أحد بين العربان والطوائف يريد التوقف وطرح السؤال: ما الذي نفعله بأنفسنا من أجل تمرير معادلات العدو؟!
قلناها مبكرا: التفريط بغزة سيغير الأوضاع في عمان ومكة وبغداد والقاهرة. التجويع آت يا قوم وسيشمل هذه المرة «القبيلة كلها».
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان