قد يبدو تفسيرنا للزمن المادي تفسيرا ساذجا وبلا معنى؛ فالزمن ليس مجرد ساعات وأيام وليال طوال، بل هو غاية فينومنولوجية نستطيع من خلالها قياس حجم الأشياء التي افتقدناها، بل مرت بالقرب منا على حين غرة، دون فقدان بريقها، المتأصل في سمت أرواحنا.
لم أكن أحسب أن يوم الخميس يحمل في ثنايا تفاصيله كل البلايا كما انتهى إليّ ذلك، وأنا ما زلت طفلا قرويا، لم يشتد عوده، يعد النجوم في السماء في ليلة غاب عنها القمر! نعم، ستخونني رجلي دون ترتيب مسبق للأشياء هنا، فقد انكسر ظلي على أدراج الرازي اللعينة عندما حاولت رفع صوتي في وجه الصمت المعدل بطرق إدارية غاية في المكر! خرج الصوت – والآن – من عقال اللحظة الأخيرة التي خامرني فيها الشك بأن فقدان التوازن أمر حصل.. باعدت بكلتا رجلي ما بين الأدراج الإسمنتية وتراب باحة مدخل مستشفى الرازي في طنجة، لكن دون جدوى.. هنا بالذات، بدأ العد العكسي لوقوع الجسد: جسدي أنا على الأرض، عاودت تجربة الركض في محاولة مني للإفلات من شراك المدخل، لكنني انكمشت على نفسي، دون أن ألتفت إلى الوراء. من علياء المسكن الذي يخبئ غربتي، أقرأ همسا تراتيل شبه مقدسة، تحمل استعاراتها كل الأفق المشهدي. آخذ نفسي للذهاب بعيدا في جمع عروش اللوز المنسية قرب الساقية المرتحلة في شرايين الحاضر.
تمر سحنات أولئك الذين غادرونا وهم صامتون تباعا. نعم، غادرونا بحثا عن الصورة الهلامية لشهر يونيو/حزيران، الذي ما انفكت تقاسيمه تتشكل ظهيرة كل يوم تحت الخيام وقرب الأودية الجافة التي علقت بها أسماء قرانا القديمة. على شفير الروح المحلقة ها هنا تعبر أسراب الحمام في اتجاه الجبال الشاهقة، التي نبت صخرها في قلوبنا الصغيرة منذ الأزل. يخدعني كما قد يخدع الآخرين عطر العابرات إلى الرصيف الآخر، فكيف لي أن أعيد قراءة كل هذا السجل العظيم من التفاصيل حول الذكريات؟ بوسعي أن ألوذ إلى الصمت وأختار ما أشتهي من ألوان الطيف، كي أقطف بأصابع يدي المرتعشة وردة حمراء، إنما موسم القطاف لم يحن بعد.. حرصا مني على صون مساحة قلبي الصغير أحاول ما استطعت الهروب من الأسر، الذي خيم بوجومه على غرفتي.. يجادلني بالقول دون أن يترك لي فرصة عبور الرصيف المفضي إلى المقهى الذي أحتسي فيه قهوة الصباح.
حبست أنفاسي لأكثر من عشرين يوما لقاء المرور إلى مرحلة متقدمة من الجبر والاستشفاء.. صهد وارتفاع درجة الحرارة في يونيو يزيدان من منسوب الضغط على الروح والجسد! أذكر أنه لم تعد الأشياء جلية بالشكل الذي يتيح لي إمكانية رتق تلك الثقوب التي حملتها معي الى الرباط، في صبيحة خيمت عليها أجواء متوترة، رغم استرسال خيوط شمس ذهبية، تخترق نوافذ البراق! لم يكن ممكنا آنذاك الركض مرة أخرى للإمساك بخيط من الدخان، الذي لاح في الأفق، إنما قيض له هو الآخر أن يضيع مني في زحمة المسافرين.. لم أقدر على مجاراته في المسعى والهدف. مرّ سريعا كطيف يستعد لمعانقة السحب الرابضة فوق قمم الجبال.
بين ظهيرة وأخرى، تمضي أيام يونيو متراخية، متلبسة أردية صيف لافح. لا تسعف شموسها في مد البصر الحسير بما يلزم من الضوء الكاشف كي يسع رؤية الحقول التي انفلتت من مجرى القلق اليومي انفلات الظل من الجسد الذي يحمل وزر السنين التي مرت من هنا، دون أن أعرف كيف حصل ذلك! في لحظة وجيزة، وعند عتبة سؤال السقوط، انتهت إلى رهف سمعي أصوات الطيور الرابضة فوق الأعمدة الخشبية للكهرباء، وفوق أغصان شجر الرمان، الذي يحزم بكبرياء خاصرة النهار، المتصرمة من لظى الشمس. أصوات ترتفع في وصلات متقطعة ظهيرة يوم خميس قائظ، لتمتزج بنقنقة الضفادع المتحوطة داخل أحواض المياه الضحلة، التي تغذيها ينابيع السواقي الخلفية، المنحدرة من سفوح جبال صخرية شهباء، تركض خلفها الذئاب الجائعة، المتوثبة للالتحاق – تحت جنح الظلام – بمخابئ القرية، بحثا عن صيد ثمين حتى لو كان سراب ديك، عبر إلى الضفة الأخرى من الوادي قبل رفع آذان الفجر.
كاتب مغربي