دمشق ـ «القدس العربي»: كشفت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في إحداث الساحل السوري عن مقتل أكثر من 1426 شخصاً من المدنيين، بينهم عسكريون سابقون أجروا تسويات، وأيضاً عناصر من فلول نظام بشار الأسد، مشيرة إلى تورط أفراد كانوا تحت لواء فصائل مقاتلة وآخرون لم يلتزموا بالأوامر العسكرية، مؤكدة أنها سلمت لائحتين للمشتبه بهم إلى النيابة العامة في القضاء.
وتسلّم رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع الأحد التقرير النهائي الصادر عن «اللجنة الوطنية المستقلة» في أحداث الساحل السوري التي وقعت مطلع شهر آذار/ مارس الماضي، بعد أن مُنحت اللجنة مهلة إضافية لمدة ثلاثة أشهر غير قابلة للتجديد، وتأخرها عن موعد التسليم أكثر من عشرة أيام عن الموعد المحدد. وذكر بيان صادر عن رئاسة الجمهورية أن تقرير اللجنة يتضمن نتائج التحقيقات التي أُجريت بشأن الانتهاكات التي شهدتها منطقة الساحل، وأسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وفق ما وثّقته تقارير إعلامية وشهادات ميدانية في حينه.
وأشار البيان إلى أن «تشكيل اللجنة جاء استجابةً لمطالب داخلية وخارجية بتحديد المسؤوليات وضمان المساءلة»، وذلك في سياق الالتزام بـ «الحقيقة والعدالة»، و«منع تكرار الانتهاكات التي يمكن أن تهدد مسار المرحلة في البلاد». كما أعلنت الرئاسة أن التقرير «سيخضع لمراجعة دقيقة وفق معايير الشفافية والمهنية، تمهيداً لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تتماشى مع مقتضيات العدالة الانتقالية».
التقت الأهالي وزارت المقابر
في المؤتمر الصحافي الذي عقدته اللجنة في فندق شيراتون دمشق أمس، بيّن المتحدث باسمها ياسر فرحان أن اللجنة زارت 33 موقعاً في مناطق الانتهاكات لتوثيق الأحداث، تم من خلالها الاستماع إلى شهادات الأهالي من ذوي الضحايا، وجرى ذلك بكل حرص على حياتهم، كما زارت المقابر بحضور العائلات والمخاتير في كل قرية، مؤكداً أنه تم الاستماع إلى 938 إفادة لشهود عيان على ما حدث في انتهاكات وتجاوزات، كما أنه تم الاجتماع مع عشرات المسؤولين للإحاطة منهم بما حدث.
وأضاف: استمعنا إلى أشخاص تم توقيفهم، ووثقت اللجنة انتهاكات جسيمة حدثت على العديد من المدنيين، مؤكداً أن هناك انتهاكات من أفراد خالفوا الأوامر العسكرية، كما أن بعضهم جاؤوا بشكل منفرد على شكل «فزعة» خوفاً على أنفسهم من فلول نظام الأسد، كما كان هناك من انتحل شخصيات عسكرية لتحقيق مكاسب شخصية، لافتاً إلى أن الدوافع الطائفية خلال الحادث كانت خلفيتها ثأرية وليست أيديولوجية.
زارت 33 موقعاً في مناطق الانتهاكات… استمعت إلى 938 إفادة لشهود عيان
وأكد أن اللجنة سلمت لائحتين إلى النيابة العامة وسوف يتم اتخاذ الإجراءات القضائية بحقهم إما بإدانتهم أو تبرئتهم، وأن دور اللجنة انتهى والدور حالياً على القضاء، لافتاً إلى أنه تم توثيق 298 شخصاً ارتكبوا انتهاكات، ونحن نقول إنهم مشتبه بهم، والأمر متروك للقضاء، باعتبار أن اللجنة انتهى دورها بانتهاء ولايتها.
وقال فرحان إن بعض الضالعين شكلوا عصابات للسلب والنهب في تلك المناطق، مؤكداً أن الدولة السورية بذلت جهودا حثيثة لوقف تلك الانتهاكات، على الرغم من أن سيطرة الدولة في بعض المناطق كانت جزئية وبعضها كانت السيطرة فيها معدومة خلال فترة الأحداث.
فلول الأسد
وذكر المتحدث باسم اللجنة أن هناك مجموعات خارجة عن القانون وتتبع لفلول نظام الأسد ارتكبت انتهاكات واسعة في تلك المناطق، منها القتل والتمثيل بالجثث وتوجيه الشتائم الطائفية، مشيراً إلى أن هذه الفلول قتلت 238 من عناصر قوى الأمن الداخلي.
وأشار إلى أنه تم توثيق 265 شخصاً من فلول نظام الأسد ارتكبوا انتهاكات كبيرة، موضحاً أن هذه المجموعات الخارجة على القانون والتي حاولت السيطرة على بعض المناطق قطعت الطرق الرئيسية وبدأت بإطلاق النار على المارة وهذا ما أدى إلى وقوع ضحايا، كما أنها قامت بهجمات منسقة على مواقع عسكرية ودمرت 6 مستشفيات.
وأشار إلى أن اللجنة استمرت في عملها في تلك المناطق للاستماع إلى شهادات الأهالي على الرغم من التحديات الأمنية والمخاطر التي من الممكن أن تتعرض لها لوجود فلول النظام فيها، مؤكداً أن اللجنة وصلت إلى كل المناطق وهذا ما أكسبها درجة معقولة من المصداقية لدى عائلات الضحايا والأطراف الأممية.
جبر الضرر
رئيس اللجنة جمعة العنزي تحدث من جهته عن مجموعة من التوصيات قدمتها اللجنة، وأكد على ضرورة أن تتابع السلطات المختصة الإجراءات اللازمة للكشف عن الأفراد والمجموعات المشتبه بتورطهم بانتهاكات وفقاً لما توصلت إليه في تحقيقاتها.
وأضاف في مداخلته خلال المؤتمر الصحافي أن اللجنة توصي بإطلاق برامج جبر الضرر للضحايا وفق الأصول القانونية وإيلاء الأولوية لمشاريع حوكمة مؤسسات الأمن والشرطة والجيش، إضافة إلى استقدام المعدات ووسائل التكنولوجيا الحديثة، مشيراً إلى أن من بين التوصيات تعزيز السبل والمعايير لاحترام حقوق الإنسان وحقوق موظفي الدولة وسلامتهم وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان. وتابع قائلاً: توصي اللجنة أيضاً بمواءمة القوانين الوطنية والنظام القضائي الموروث من العهد البائد مع الاتفاقيات الدولية المصدق عليها عملاً بنص الإعلان الدستوري والتوقيع على اتفاقية منع الاختفاء القسري، مشيراً إلى أن اللجنة توصي أيضاً بالتعجيل في تنفيذ خطة وزارة الدفاع وإجراءاتها وتدابيرها في مشاريع ضبط السلاح، ودمج الفصائل بشكل فعلي، مع التنفيذ الصارم للائحة قواعد السلوك الصادرة عنها بتاريخ 30 أيار/مايو الماضي وإصدار باقي الأنظمة واللوائح والتعليمات بما في ذلك تنظيم الزي العسكري والشارات ومنع بيعها في الأسواق.
وأوصت اللجنة حسب العنزي، بإعادة النظر في قرارات تسريح الموظفين الصادرة في الفترات السابقة، ومراجعة حالات التعيينات المخالفة للقانون بشكل يوازن بين مقتضيات إنهاء المخالفات ومراعاة أثر ذلك على العائلات، مشيراً إلى أن اللجنة ترحب بشكل عاجل وفاعل وملوس في تدابير العدالة الانتقالية، وملاحقة المتورطين الفارين من العدالة من قيادات نظام الأسد وعناصره بوصفهم خطراً على مجتمعاتهم.
وأضاف: أن اللجنة توصي بإيلاء مشاريع الحوار والسلم الأهلي أولوية في خطط الدولة وبرامجها في الساحل وكل المناطق السورية واتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وتعليمية لمنع التحريض على العنف أو الفتنة أو إثارة النعرات الطائفية وكفالة رقابة ذلك في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.