سؤال الأصالة الإنسانية للإبداع في خضم الذكاء الاصطناعي

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» : تحولت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في عدد من الأعمال الغنائية إلى لحظة فخر، كما لو تعلق الأمر بإنجاز غير مسبوق، أو تحالف مع الحداثة على الضد من الزمن الجميل للأصالة الإنسانية، وركزت بعض البيانات الإخبارية لعدد المقطوعات الغنائية، على الإشارة في العنوان الرئيسي إلى أن «هذه الأغنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». لكن على عكس المشهد الموسيقي، يبقى حضور الذكاء الاصطناعي في الإبداع الأدبي شعرا كان أم نثرا، سرا دفينا لا يجوز البوح به، حتى لا يتحول إلى فضيحة بالنسبة لبعض الكتاب، الذين أدمنوا الخوارزميات، بدل الجهد الإنساني في السرد الروائي، أو الصور الشعرية ناهيك من بلاغة النص بكامله.
على صعيد المغرب، تطرح البيانات الغنائية التي تعتليها عبارة «مدعوم من الذكاء الاصطناعي» الكثير من التساؤلات أولها، هل يتعلق الامر بإكسسوارات الفيديو كليب، أو مونتاج فضاء التصوير، أو لباس المغني أو المغنية، أو اللحن والكلمات. لا أحد يعرف بالضبط أي دعم قدمه الذكاء الاصطناعي.
أما أكاديميا فالأمر جلل، فأن يتهم باحث ما بتوظيف الذكاء الاصطناعي في بحثه لنيل دبلوم ما للدراسات العليا، سواء كان ماجستير أو دكتوراه، فتلك تهمة ما بعدها تهمة، وكبوة ما بعدها نهوض، ورغم ذلك تتوارد بعض المقالات والتدوينات التي تفيد هذا السياق، وتؤكد أن الجامعة كحصن للمعرفة والعلم والدراسة والتحصيل والاجتهاد، تحولت لدى البعض إلى حصن للشهادات المشكوك في أمرها، إذ بمجرد لمسة زر على الحاسوب، أو سؤال بسيط يوجه لكائن رقمي يكون البحث جاهزا وعلى أهبة التقديم، يكفي فقط بعض الجهد في المناقشة.
عموما، تلك التهمة لا تعدو كونها مجرد تخمين، أو استنتاج أو تأويل، ولم يحدث أن ضبط باحث في المغرب متلبسا بتقديم بحث أنجزه الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر ذاته بالنسبة للشعر والرواية. لكن الوضع يبدو محيرا ومقلقا، ليس مغربيا فقط بل عربيا أيضا، الشيء الذي دفع اتحاد كتاب الإنترنت العرب إلى تنظيم ندوة رقمية تمحورت حول سؤال جوهري ووحيد، «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الكتاب والأدباء والإعلاميين وصناع المحتوى»، لأن الواقع يفرض ذلك، أو حسب تعبير تقرير تلقته «القدس العربي»، فإنها «لحظة مفصلية من تاريخ العلاقة بين الإنسان والتقنية».

الشراكة الذكية

أوضح التقرير، أن الندوة لم تكن مجرد «لقاء ثقافي، بل مناظرة فلسفية وفنية وتكنولوجية، طرحت أسئلة عميقة حول طبيعة الكتابة، وهوية المؤلف، ومستقبل الأدب، في عصر تتقاطع فيه الخوارزميات مع الخيال الإنساني»، وتقاطعت سبل الحوار فيها بين ثلاث زوايا نظر متكاملة، الأكاديمي، الإبداعي، والنقدي. وأجمع المتدخلون على أن الذكاء الاصطناعي ليس عدوا للأدب، بل مرآة تعكس إمكاناته الجديدة وتعيد رسم حدوده.
وتطرقت الندوة المذكورة إلى «الأبعاد الرقمية للكتابة التوليدية»، وجرى خلالها إبراز «بيانات دقيقة عن حجم السوق العالمي لأدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي، الذي يُتوقّع أن يتجاوز 11.5 مليار دولار بحلول 2032». كما طرحت أسئلة مقلقة من قبيل «من يكتب النص؟ هل هو الكاتب البشري؟ أم المساعد الآلي؟ أم كلاهما؟ وهل يمكن الحديث عن (ملكية أدبية) في زمن يتم فيه توليد الفقرات عبر دردشات رقمية؟», ومن جهة أخرى تمت الإشارة إلى الاعتماد «الأعمى» للطلاب والكثير من الباحثين على الذكاء الاصطناعي، «دون التحقق من مصادر المعلومات، مما يؤدي إلى إنتاج نصوص تفتقر إلى الدقة والمصداقية». لكن في المقابل جرى الحديث عن «الشراكة الذكية» بين الكاتب والآلة، وكيف تستخدم هذه الأدوات كمساعد لتحسين الصياغة، وتجاوز الجمود الإبداعي.
وفي ختام الندوة بقي سؤال عريض يتردد صداه: «هل نحن مستعدون لهذه الشراكة الذكية؟ وهل نملك ما يكفي من الشجاعة لحمل أقلامنا والكتابة من جديد… ولكن هذه المرة، بصوتين؟»

من يبدع حقا؟

الكاتب عبده حقي أحد المشاركين في ندوة اتحاد كتاب الإنترنت العرب، أشار في تصريح لـ»القدس العربي»، إلى أنه يستطيع القول «بكل ثقة إن الذكاء الاصطناعي بات يؤثر بعمق في الإبداع»، موضحا أنه يتابع هذا التأثير عن كثب، بل يعيشه يوميا، «سواء ككاتب أو كمستهلك للمحتوى الثقافي والفني». وفي رأيه فقد «أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة تقنية، إنه شريك غير مرئي في عملية الإبداع، يغير معالمها ويعيد تشكيلها بشكل يثير الحماسة والأسئلة في آنٍ واحد».
وزاد متحدثا لـ»القدس العربي»، «أستطيع اليوم أن أكتب نصا شعريا أو قصة قصيرة انطلاقا من فكرة بسيطة، وأطلب من خوارزمية معينة أن تقترح لي بنى لغوية أو صورا مجازية جديدة لم أكن لأفكر بها». وحسب عبده حقي فإن «هذا لا يعني أن الإبداع البشري مات، بل إنه دخل مرحلة جديدة من التفاعل، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي إلى محفّز، إلى مرآة تعكس أفكاري وتعيد ترتيبها بطريقة غير متوقعة. أحيانا أندهش من مدى قدرة الخوارزميات على التقاط إيقاع لغتي، أو محاكاة أسلوبي، ما يجعلني أتساءل: من يبدع؟ أأنا أم الآلة، التي تعلمت مني ثم صارت تسبقني أحيانا بخطوة؟». ويستطرد عبده حقي، وهو أحد رواد الكتابة الأدبية الرقمية في المغرب، قائلا، «هذا التأثير ليس بريئا تماما، فأنا أشعر أحيانا بالقلق من فكرة الاستسهال، ومن الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، ما قد يؤدي إلى تسطيح بعض الأعمال الفنية، أو إلى فقدان اللمسة الإنسانية، تلك التي تتجاوز المنطق والخوارزمي»، لكنه يعود ليؤكد أنه يعتقد «أن التأثير الإيجابي أقوى، خاصة إذا ظل الإنسان هو من يقود هذا الحوار الإبداعي». وبالنسبة إليه فإن «الذكاء الاصطناعي لا يهدد الإبداع، بل يوسّع مجاله، يخلخل الحدود بين الممكن والمستحيل، ويدفعنا إلى إعادة تعريف معنى «الخلق» نفسه في العصر الرقمي». وبخصوص الحديث عن الأصالة الإنسانية في خضم الذكاء الاصطناعي، قال عبده حقي، إن الأصالة كما يفهمها «هي تلك الشرارة التي تميز بعضنا عن الآخر هي: عاطفة خام، شكوك، تأملات مترددة، وقرارات محفوفة بالتناقضات. بينما الذكاء الاصطناعي يخطو نحو الكمال الخوارزمي، نخسر نحن شيئا من عفويتنا، من لحظات التردد الجميلة التي تصنع الإبداع، ومن الأخطاء التي تقود إلى الاكتشاف. حين يكتب الذكاء الاصطناعي قصيدة «مثالية» أو يؤلف موسيقى «خالية من الشوائب»، أشعر وكأنها بلا نفس، بلا جروح، بلا ذكرى… كأنها صدى بلا صرخة».
ولم ينكر الكاتب «أن الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة هائلة في المعرفة، لكنه يهدد أيضا بفرض نمط موحد على التذوق والخلق والمعنى». ويوضح أن «الخطر ليس فقط في هيمنة التقنية، بل في قبولنا السريع لها كبديل عن التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. أحيانا أخشى أن نتحول إلى مرايا تعكس خوارزمياتنا، لا إلى بشرٍ يصوغون المعنى من الارتباك والبحث والتجربة». وبعد أن تساءل «هل تضيع أصالة الإنسان؟» أجاب «ليس بعد، لكنها تتآكل بصمت، وما لم ننتبه، سنصحو يوما على عالم ذكي جدا، لكنه بارد، خال من الدهشة، ومن ذاك (الخطأ الجميل) الذي يسمى الإنسانية».

مستقبل الإبداع الفني

من جهته، أكد الفنان عادل بوعواد، رئيس ومؤسس فرقة «بابل» المغربية لموسيقى الروك، أن الموسيقى بدأت تدخل مرحلة جديدة مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، «حيث يمكن اليوم توليد ألحان، أصوات، وحتى كلمات أغاني في ثوانٍ، دون تدخّل بشري مباشر». وأوضح بوعواد في تصريح لـ»القدس العربي»، أن «هذا التحول يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الإبداع الفني، وموقع الهوية الموسيقية، في عالم تعيد فيه الآلة رسم ملامح الذوق». لأنه من جهة، «قد يساهم الذكاء الاصطناعي في دمقرطة الإنتاج الموسيقي، وتسهيل عمل الفنانين الشباب، خاصة في البلدان النامية، من خلال أدوات تسريع التوزيع، التلحين، والمزج، لكن من جهة أخرى، يطرح التخوف من أن تؤدي هذه التقنيات إلى تعميم نماذج موسيقية موحدة ومعولمة، تُقصي الخصوصيات الثقافية، وتُعمّق المسافة بين الأصالة والمعاصرة». وطرح المتحدث مسألة الوعي النقدي وسياسات ثقافية مواكبة، لأنه في حالة غيابها «فإن الذكاء الاصطناعي قد يساهم في طمس الموروث الموسيقي المحلي، وتحويل الفنان إلى (مستخدم تكنولوجي) بدل أن يكون مبدعاً ينقل تجربة إنسانية». وفي رأي الفنان، فإن التحدي الأساسي المطروح «هو كيفية توظيف هذه الأدوات لخدمة الهوية الفنية، لا لنسخ نماذج جاهزة تُهدد التعدد والعمق الثقافي».
وتساءل بوعواد، كفنان مغربي ومغني روك بالدارجة المغربية، أين يجد نفسه «في خضم كل هذه المنصات التي تكافئ من يملك مفاتيح السوق، والذكاء الاصطناعي الذي يهدد الأصالة، وغياب النقاد، وضياع الحقوق، وهيمنة المظهر على الجوهر»، لذلك ففي رأيه «قد يبدو الطريق ضبابيا، خصوصا لفنان يختار دربا غير مألوف وهو الروك بالدارجة»، لذلك فـ»في هذا الاختيار بالذات يكمن الجواب والهُوية: أن أكون ذاتي، لا نسخة مما يطلبه السوق، أن أقاوم بالصدق، أن أستمر رغم اللامرئية، أن أُغني بلغتي، وبوجعي، وبما أراه حقيقيا».
واختتم تصريحه بالتأكيد على أنه ليس مطالبا بأن يرضي الخوارزميات، بل ببناء مشروع يحمل رؤية وهوية ورسالة، والأهم يساهم في الدفاع عن القضايا الوطنية، ولو بصوت صغير، وخلق بديل فني يعكس التمغربيت (مصطلح يدل على الانتماء للمغرب) وعمق هذا الوطن. «فالفنان الحقيقي لا ينتظر الضوء.. بل يشعله».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية