«آخر الشيوعيين» طليقًا… و«حرب البيانات» حول «قبلات» راغب علامة!

أخيرًا، يلامس جورج عبد الله شمس الحرية، ويغادر الزنزانة اليوم الجمعة 25 تموز/ يوليو، بناءً على حكم القضاء الفرنسي، بعد مرور 41 عاما على اعتقاله، فصار بذلك «أقدم سجين سياسي في أوروبا»، وفق تصنيف بعض وسائل الإعلام.
الرجل البالغ من العمر 74 عاما، وُصف دائمًا بكونه شيوعيًا مناهضًا للإمبريالية، أما هو فيعتبر نفسه مسكونًا بعشق فلسطين، عشق قاده إلى غياهب السجن بتهمة اغتيال دبلوماسيين، أحدهما أمريكي والثاني إسرائيلي، منذ أربعة عقود. ورغم كونه ظلّ ينفي التهمة عن نفسه ويُدرج العمليتين ضمن أعمال المقاومة، فإن المحكمة لم تقتنع بدفوعات محاميه لسنين طويلة، في ظل سياقات دولية اختلط فيها السياسي بالقانوني، تحت تأثير اللوبي الأمريكي والصهيوني.
صحيح أن إيمان جورج عبد الله بعدالة القضية الفلسطينية لم يتزحزح يومًا قيد أنملة؛ ولكن كيف ينظر نفسه إلى هذه القضية اليوم، وهو يرى أن ما يتعرض له الفلسطينيون حاليا في غزة، من ظلم وتقتيل وتجويع، لم يحرّك في الحكام العرب أي مشاعر، ولم يتخذوا القرار المطلوب، رغم بعض الاحتجاجات التي يجسدها الشارع هنا وهناك، بحسب ما تسمح به «أريحية» السلطات؟
يغادر جورج عبد الله الزنزانة، إذًا، لكنه يجد أن ما يشغله من هموم قومية وإنسانية، غير ما يشغل طائفة كبير من العرب وما يتابعونه عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. إنه في واد، والناس هائمون في واد آخر، منساقون لتيار التفاهة والتسطيح والإلهاء!
ومن مفارقات «الكوميديا السوداء» للواقع العربي، أنه بمقابل المآسي الفلسطينية الحالية في غزة، اختار البعض التركيز على «قضية» تافهة، تدور حول «قبلات» ألصقتها معجبة بخدّ المطرب راغب علامة، إذ انفجرت «حرب البيانات» بين نقابتي الموسيقيين في كل من مصر ولبنان. الأولى أصدرت قرارًا بإيقاف الفنان المذكور عن العمل في أرض الكنانة، والثانية انبرت للدفاع عنه وعن «سمعته الطيبة»، بينما انقسم الجمهور بين الموقفين، تمامًا كما ينقسم العرب عادة بين فريقين شهيرين لكرة القدم في إسبانيا!
البيان والبيان المضاد لم يقتصر على «قبلة» راغب علامة، بل حصل حتى لدى الأزهر الشريف، حيث أصدرت إدارته بيانًا تضامنيًا مع أهالي غزة، يُطالب بكسر جدار الصمت، ما جعل الكثيرين يتنفّسون الصعداء ويرددون: «أخيرًا…»، لكنهم ما كادوا يفرحون للبيان ويشرعون في توزيعه ونشره، حتى أصدرت إدارة الأزهر بيانًا جديدًا يُلغي سابقه، بذريعة «حتى لا يؤثر على مجرى المفاوضات الجارية حاليا من أجل إقرار هدنة في غزة، وحتى لا يُتّخذ البيان ذريعة للتراجع عن التفاوض أو المساومة فيه». حتى مجرد كلمة بسيطة باتت عصية على أفواه مشايخنا ودعاتنا وعلمائنا!
«رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».

«الكارثة العظمى»!

«المغاربة كلهم يروننا»، هكذا ردّدت رئيسة الجلسة العامة في البرلمان المغربي، مترجّية النواب أن يكفّوا عن اللغط والضجيج، واستمرت محاولاتها اليائسة دون جدوى لأكثر من عشر دقائق، إلى أن وجد رئيس فريق برلماني الحل في طلب «رفع الجلسة للتشاور».
«المغاربة كلهم يروننا». وفعلاً، شاهد المغاربة عبر التلفاز (وبعد ذلك في شبكات التواصل الاجتماعي) النقل المباشر للجلسة البرلمانية بداية الأسبوع الجاري، حيث تحوّلت القاعة الكبرى لمجلس النواب إلى ساحة هرج ومرج لا يكاد المرء فيها يميز الكلام من الصراخ… وتحاشت كاميرا التلفزيون تصوير ما كان يقع بين الكراسي، لأنه مشهد لا يسرّ أحدًا. وبقيت مركّزة فقط على رئيسة الجلسة التي باءت محاولاتها لإعادة الهدوء إلى القاعة بالفشل. وكانت توسّلاتها تضيع وسط الضجيج، فأخذت المسكينة تستعين بجرعات ماء من أجل معالجة نوبات الكحّة التي فاجأتها نتيجة الضغط النفسي غير المتوقع. ترى ما سبب كل هذه الزوبعة؟ لقد بدأت حين شرعت نائبة برلمانية في تلاوة أسماء الوزراء المتغيبين، إذ قالت إنه من أصل تسعة قطاعات حكومية موضوع مُساءلة في مجلس النواب، كانت أربعة منها غائبة، واستعرضت الأسماء على النحو التالي: فاطمة الزهراء المنصوري (وزيرة إعداد التراب الوطني)، أديب بنبراهيم (كاتب الدولة المكلف بالإسكان)، ليلى بنعلي (وزيرة الانتقال الطاقي)، نزار بركة (وزير التجهيز والماء). ووصفت غياب هذا الأخير بـ»الكارثة العظمى»، ما فجّر القاعة بالصراخ والاحتجاجات، دون أن يُترك المجال للنائبة البرلمانية المنتمية لحزب «الاتحاد الاشتراكي» المعارض من أجل شرح معاني ذلك الوصف (الكارثة العظمى) الذي أطلقته في حق الوزير الغائب الذي يرأس حزب «الاستقلال» المشارك في حكومة أخنوش التي سارت بذكر عجائبها وغرائبها الألسن. والحقيقة التي لا يتناطح عليها كبشان أن مصطلح «الكارثة العظمى» ينطبق على الحكومة المغربية برمّتها، نظرا لإمعانها في الإجهاز على قوت المواطنين ومعيشتهم وصحتهم.
أما عملية استعراض أسماء الوزراء المتغيبين فهي مجرد سلوك استعراضي، وإلاّ كان على البرلمانيين الذين يتولّون رئاسة الجلسات العامة أن يقوموا بالمناداة على زملائهم اسمًا تلو اسم، تمامًا كما يفعل المعلّمون في الأقسام الدراسية، من أجل تمييز التلاميذ الحاضرين من الغائبين. وحينها سيكتشف متابعو الجلسات البرلمانية حقيقة مرة، وهي أن المصادقة على مشاريع القوانين تجري بعدد قليل جدا من النواب، مثلما حصل أخيرا خلال المصادقة على الصيغة الجديدة لقانون المسطرة الجنائية، وكذا التعديلات المتعلقة بقانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. فأي تفسير لهذا السلوك غير الاستهتار بعمل تشريعي ذي انعكاس مباشر على المواطنين؟

مسيرة «أيت بوكماز»

عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، قليل الحضور في البرلمان. وحين يحضر يكون كلامه فلتات وانزلاقات غير محسوبة. فقد شاهده المغاربة أخيرًا عبر النقل التلفزيوني المباشر للجلسة البرلمانية، وهو يتحدث عن احتجاجات أهالي قرية «أيت بوكماز» الواقعة وسط الجبال، لكنه عوض أن يعترف بتقصير الحكومة في تنفيذ المطالب التي رفعها الناس البسطاء هناك، ويعلن عن تدارك الموضوع من خلال برنامج عملي استعجالي، حاول افتعال صراع سياسي، بالقول إن هناك مَن يحاول الركوب على تلك الاحتجاجات من أجل تحقيق أغراض حزبية، في إشارة إلى رئيس المجلس القروي لمنطقة «أيت بوكماز».
لكن، ما الذي دفع بالسكان هناك إلى تنظيم مسيرة طويلة نحو محافظة أزيلال؟ إنها مطالب بسيطة جدا من قبيل: تحسين الطرق، والرفع من جودة الخدمات الصحية، وتغطية شبكة الهاتف والإنترنت… فهل عجزت الحكومة عن توفير أبسط شروط العيش الكريم في الجبال والأرياف البعيدة؟ مع أنها تتغنى صباح مساء عبر قنواتها التلفزيونية والإذاعية، بـ»منجزاتها» الاجتماعية والاقتصادية، وتفتخر بمشاريعها الكبرى استعدادا لتنظيم كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم في ديسمبر/ كانون الأول 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026، وبعده التنظيم المشترك لكأس العالم بمعية إسبانيا والبرتغال في 2030.

 كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية