نواكشوط ـ «القدس العربي»: دعت الأمم المتحدة إلى تعبئة شاملة من أجل النهوض بالمهارات الرقمية في أفريقيا، محذّرة من أن مصير القارة الاقتصادي مرهون بقدرتها على تمكين شبابها من أدوات العصر الرقمي. جاء ذلك خلال حوار رفيع المستوى حول تنمية أفريقيا، نُظم مؤخراً في مقر المنظمة بنيويورك، حيث أكدت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، أن «التكوين الرقمي بات ضرورة ملحّة» في مواجهة البطالة المتفاقمة وتزايد أعداد الشباب.
وتوقعت مجموعة البنك الأفريقي للتنمية أن يبلغ عدد الشباب الأفريقي نحو830 مليوناً بحلول 2050، ما يشكل فرصة اقتصادية هائلة، ولكنها قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا لم يُحسن استثمارها عبر التدريب الرقمي والتأهيل لسوق العمل الحديث.
قوة ديموغرافية مهددة بالهدر
وفي وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تحولات جذرية بفعل الطفرة الرقمية، يجد الشباب الأفريقي نفسه أمام تحدٍ مزدوج: ارتفاع معدلات البطالة من جهة، وتسارع الطلب على المهارات الرقمية من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، تقف القارة الأفريقية عند مفترق طرق حاسم، إذ بات الاستثمار في المهارات الرقمية شرطًا أساسيًا لبلوغ تحول اقتصادي شامل ومستدام.
رغم مركزية المهارات الرقمية في الاقتصاد الحديث، تشير تقارير حديثة إلى وجود فجوة كبيرة في هذا المجال داخل القارة. دراسة مشتركة أعدتها اليونسكو والاتحاد الأفريقي كشفت أن ما بين 10في المئة إلى 15 في المئة فقط من الشباب الأفريقي يحصلون على تعليم رقمي منظم، في حين لا تتعدى نسبة من يتلقون تدريباً على المهارات المتقدمة مثل البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني 5 في المئة.
ويحذر تقرير «Foresight Africa 2025-2030» الصادر عن مؤسسة بروكنغز الأمريكية من أن هذا العجز قد يحرم القارة من فرص اقتصادية تقدر بـ130 مليار دولار، وهي القيمة المحتملة لنحو650 مليون فرصة تدريب رقمي يمكن إنشاؤها خلال السنوات القادمة.
وتكشف تقديرات البنك الأفريقي للتنمية أن أفريقيا ستكون بحاجة إلى230 مليون وظيفة تتطلب مهارات رقمية بحلول عام 2030، ما يبرز أهمية التحرك العاجل لتقليص الفجوة الرقمية، خاصة أن غياب الكفاءات الرقمية يُعيق تطور قطاعات واعدة مثل المالية الرقمية «Fintech»، والصحة الإلكترونية «e-santé»، والتقنيات الزراعية «Agritech».
مبادرات غير كافية
على امتداد القارة، ظهرت مبادرات طموحة لتوسيع نطاق التدريب الرقمي. فبرنامج «غوغل للمهارات الرقمية في أفريقيا»، منذ انطلاقه عام 2017، مكّن من تكوين أكثر من 10 ملايين شاب.
في السياق ذاته، أعلنت أكاديمية WeThinkCode، وهي مؤسسة جنوب أفريقية، يوم 10 حزيران/يونيو 2025، عن حصولها على منحة قدرها35 مليون راند (نحو 2 مليون دولار) من -Google.org الذراع الخيرية لغوغل – لتوسيع برامجها في الذكاء الاصطناعي، مستهدفة12 ألف شاب في جنوب أفريقيا وكينيا، مع أولوية للفئات الهشة.
وتقدم الأكاديمية تدريباً مكثفاً ومجانياً، يتراوح بين 40 و80 ساعة، يجمع بين التعليم العملي والمشاريع التطبيقية والإرشاد المهني، مع تركيز خاص على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السياق الأفريقي. وقد خرّجت منذ 2018 أكثر من 1000 شاب بنسبة إدماج بلغت87 في المئة في قطاع التكنولوجيا.
وترى الأمم المتحدة أن التحول الرقمي في أفريقيا لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح جذري للمنظومات التعليمية، يشمل دمج المهارات الرقمية في المناهج ابتداءً من التعليم الثانوي، وتعزيز البنى التحتية التكنولوجية، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتشجيع دمج الفتيات في مجالات التكنولوجيا.
وشبّهت الأمم المتحدة دور الرقمنة في أفريقيا اليوم بدور التصنيع في آسيا خلال العقود الماضية. وذكّرت بأن سنة تعليم إضافية يمكن أن ترفع دخل الفرد بنسبة10 في المئة وتساهم في الحد من الفقر، بحسب البنك الدولي.
خلاصة ما في الأمر أن التحول الرقمي في أفريقيا لم يعد ترفاً بل ضرورة ملحّة، والتحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة التقنية فقط، بل في الإرادة السياسية وتوفر الموارد. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت أفريقيا ستخوض غمار الرقمنة، بل متى وكيف وبأي سرعة ستقوم بذلك لإنقاذ مستقبلها الاقتصادي؟